جنبلاط يدفع بالخيارات الكبرى لتيمور والمختارة تبقى عمود الدروز

رضوان عقيل – النهار

من يعرف #وليد جنبلاط عن كثب والهواجس التي تسيطر عليه وسط كل هذه المسارات السياسية في الداخل والإقليم ومتابعته شؤون #الدروز وشجونهم، يصل الى جملة من الخلاصات التي دفعت الرجل الى تقديم استقالته من رئاسة الحزب التقدّمي الاشتراكي الذي يشكل واجهة تمثيل الدروز منذ أكثر من سبعين سنة وإن أراده مؤسّسه كمال جنبلاط على مساحة لبنانية أكبر. وثمة عوامل عدة دفعت جنبلاط الى هذا الخيار غير المفاجئ والذي مهّد له ليسلم نجله تيمور الراية التي تسلمها بعد اغتيال والده في خضم سنوات الحرب وعز سطوع نجم “الحركة الوطنية” في آذار 1977. ويعمل على نقل هذه الكوفية السياسية التي تحمل شعار فلسطين منذ آذار 2017. وإن كان جنبلاط أبرز من يحسن عملية تدوير الزوايا ونسج التسويات السياسية والعسكرية فقد يكون هذه المرة وصل الى صعوبة اتخاذ قرارات حاسمة في ملف انتخابات الرئاسة رغم محاولاته منذ البداية التوصّل الى مخرج في هذا الملف الشائك. وعندما لمس أن الطريق مسدود أمامه ترك هذه المهمة للّاعبين الكبار بحسب توصيفه مع دعوته في الوقت نفسه الى ترك الجواب النهائي لكتلة “اللقاء الديموقراطي” برئاسة #تيمور جنبلاط.




وثمة جملة من العوامل الداخلية في بيئة الحزب تظهر أن مجموعة لا بأس بها من الوجوه القيادية الشابة تتلاقى مع تيمور في الأفكار والطروحات ولا يعني ذلك أنها على خلاف مع والده. وتنشط هذه المجموعة الطليعية أو التغييرية إذا صحّ التعبير على المطالبة بإحداث تبديلات في رؤية الحزب وبرنامجه مع التوقف عند ظهور أصوات درزية ناشطة في المجتمع المدني ترى أن المختارة لم تتعاط بإيجابية مع كل ما رافق حراك 17 تشرين.

وكان تيمور قد أحاط حلقته بعدد من الوجوه الشابّة ليكرّس حضوره، من دون التخلي عن “الحرس القديم” من نواب وكوادر حزبية تعمل مع والده منذ أكثر من أربعة عقود. ويستغل جنبلاط الظرف السياسي المدروس لخطوة استقالته على المستويين الدرزي أولاً والوطني ثانياً. في المسار الأول لا خشية من منافسة للمختارة داخل طائفته رغم حفاظ الوزيرين السابقين طلال أرسلان ووئام وهاب على حضورهما داخل الدروز وإن لم ينجحا في الانتخابات لكنهما أسهما في إيصال ثلاثة نواب للعونيين في الشوف – عاليه. ويجري التوقف عند حركتهما أكثر في دورة الانتخابات النيابية المقبلة.

ويدرك جنبلاط أيضاً أن لا مفرّ من موافقته على من يمثل الدروز في الحكومة المقبلة والوقوف عند رأي كتلته ( 8 مقاعد) في الانتخابات الرئاسية من خلال تمثيله بستة نواب من أصل ثمانية من المقاعد الدرزية.

وما يحصل مع تيمور اليوم حصل مع والده وجدّه في المختارة وإن في ظروف مختلفة في الطائفة. ولم تسر عملية تسلم الزعامة في المختارة من دون الوقوع في بعض الأزمات التي تنتهي في حفظ مسيرة آل جنبلاط واستمرارية حضورهم في قلب الجبل طوال كل هذه العقود.

وبالعودة الى الوراء، عندما تسلمت الست نظيرة مقاليد الزعامة لم تكن مطمئنة على خيار ابنها كمال صاحب مشروع تخطّت مساحته حدود طائفته واصطدم مع أكثر زعماء الموارنة والرؤساء الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهوية الى يوم رحيله. وكانت أكبر جولاته وصولاته مع كميل شمعون وفؤاد شهاب.

وينقل عن الشيخ الجنبلاطي الراحل محمود تقي الدين وصاحب كلمة في المختارة والطائفة أنه سمع من الست نظيرة عبارة: “يا دلي شو بدو يعمل كمال بالمختارة”. ويرجع سبب اعتراضها على أداء نجلها الذي كان يتعاون مع وجوه من غير الطائفة أسهمت في تركيب شخصيته وصقل خياراته من بينها الشيخ عبد الله العلايلي.

وكان رد تقي الدين على والدة كمال بأنه “لا خوف على دارة المختارة. وصغارهم سيصبحون كباراً وهم يقدرون على إدارة شؤونهم. وما عليك يا سيدتي إلا اتباع طريق الصبر”. وردّت سيدة المختارة عليه: و”ماذا لو انتهى الصبر، ولم يتولّ كمال القيام بالواجبات المطلوبة منه؟”. ودفعت هذه الواقعة بحسب متابعين محلفين بمدرسة آل جنبلاط ومسيرتهم في الجبل الى لقاء العلايلي والست نظيرة. وأبلغها العلامة المتنوّر في نهاية زيارته “لا خشية على ابنك الذي انطلق في ميادين كبرى”.

وعند استشهاد جنبلاط الأب كان وليد في حيرة ورهبة شديدتين عندما تسلّم قيادة إدارة حزبه. وكان على شبه قطيعة مع والده في تلك الفترة.

ولم يخف جنبلاط في جلساته الضيّقة مع مخضرمين من شخصيات من حزبه من الدروز وغيرهم أنه “متخوّف” على تيمور وهو يشق طريقه. وفي جلسة له مع حزبي عتيق يذكّر وليد بخلافاته مع والده في الكثير من الآراء. وثمّة من يذكّر جنبلاط بكل هذه الوقائع. وسمع جنبلاط من أحدهم “لا تنسَ تاريخك ومحطاتك غير المستقرة في الكثير من المرات مع والدك. تريد تيمور أن يكون نسخة عنك؟ إن حصول هذا الأمر وإسقاطه على ابنك ليس سهلاً”.

وإن كانت بعض التبدلات السياسية في المنطقة لم تلق ترحيب جنبلاط، مثل عودة سوريا الى الجامعة العربية وعدم تقبّله هذا المشهد، فضلاً عن عدم حشره مع صديقه الرئيس نبيه بري في اقتراع كتلته لسليمان فرنجية، فكلها مسائل أرادها أن تكون من اختصاص تيمور ليتحمّل مسؤولياته في اتخاذ خيارات كبرى من هذا النوع. وسيبقى الأب الذي يتنفس السياسة والقراءة في موقع المرشد.

السياسي المخضرم محسن دلول، ابن الحزب التقدمي وصاحب المشوار الطويل مع مؤسّسه، لا يتوقع حصول مفاجآت وخلافات في قيادة المختارة بل يعتقد حصول تباين في الرؤية بين وليد ونجله، وأن آل جنبلاط يبقون في النهاية واجهة الدروز الأولى والجزء الأول من مصير طائفة تجاوزت الكثير من الأزمات ومحطات الشدائد واستمرت.

ويبقى قدر كمال ووليد أنهما تحمّلا مسؤولياتهما مكرهين ونجحا. وينتظر تيمور موعد امتحانه وسط كل هذه العواصف.