مصر تدخل على خط سحب الدولار اللبناني و”المركزي” السوري يشتريه

سلوى بعلبكي – النهار

“طار الدولار، شو صار”؟ لسان حال كل لبناني موجوع، مأزوم وقلق على لقمة عياله، ومصيره في بلد يعيش أزمات لا تنتهي، بعضها معروف المصدر، وبعضها الآخر مكتوم القيد ومستغرب.




لماذا “طار” الدولار؟ صحيح أن ثمّة أسباباً أصبحت بديهية ومعروفة، ليس أقلها الوضع السياسي المأزوم على جميع المستويات، واستمرار الفراغ والشغور في مواقع السلطة الأساسية، وعجز مصرف لبنان عن التدخل في السوق للجم “جنون” الدولار والتحكم بسعره، إضافة الى ارتفاع فاتورة الاستيراد بيد أن هذه الأسباب لا تبرّر ارتفاع سعر الصرف الى مستواه الحالي في غضون أيام قليلة.

عندما بدأ القطاع المصرفي إضرابه، حمّله البعض ارتفاع سعر الصرف، وهو أمر بدا منطقياً، ولكن المصارف عادت الى العمل الاثنين الماضي فيما الدولار لم يتأثر انخفاضاً بل زادت وتيرة ارتفاعه حتى وصل أمس الى ما يقارب 90 ألف ليرة، والمستغرب أيضاً أن التجار لم يجروا عمليات كبيرة أو لافتة عبر المصارف أو حتى عبر الصرافين لكي يكون هناك مبرّر لارتفاع سعر الصرف على خلفية ارتفاع الطلب على الدولار.

يبدو واضحاً وفق المحللين أن ثمة عوامل قديمة وأخرى جديدة دخلت على الخط أولها تهريب ونقل الدولار إلى الخارج، إما عبر تسليعه أو نقداً، الى سوريا وبعض العراق، وأخيراً أخبرنا الرئيس ميقاتي أن السوق المصرية دخلت على خط استيراد دولاراتنا، ولِمَ لا؟ أليس “كل سائب، يعلم الناس الحرام”؟ وثمة إجماع على أن ثمة أيادي خفيّة داخلية تتعاون مع الخارج لتسريع الانهيار في لبنان بغية فرض واقع سياسي جديد، ولو على حساب اللبناني ولقمة عيشه وزعزعة البناء الاقتصادي والمالي، وانهيار المؤسسات الواحدة تلو الأخرى.

وإن كان ثمة أسباب طارئة لارتفاع سعر الصرف، فإن ارتفاع فاتورة الاستيراد وما يتطلبه ذلك من شفط دولارات الداخل من العوامل التي تقصم ظهر الليرة، وإن كان المدافعون عن التهريب الى سوريا يبرّرون بأن فاتورة الاستيراد لم تتجاوز المعتاد من المستوردات سنوياً، وهذا كلام غير واقعي وغير علمي، ويجافي الموضوعية، برأي مصادر اقتصادية. فلبنان كان يستورد تقريباً نحو 20 مليار دولار في السنة، أيام البحبوحة ودولار 1507، أما بعد اندلاع الأزمة وانهيار القدرة الشرائية لمداخيل اللبنانيين، فلم تتعدّ فاتورة الاستيراد 8 مليارات دولار. حالياً عاد الاستيراد الى سابق عهده (20 مليار تقريباً) فيما بعض الساسة وأصحاب الغايات والمصلحة و”عرّابو المهرّبين” يرمون ارتفاع #سعر صرف الدولار على ارتفاع كلفة فاتورة الاستيراد، وعودة حليمة الاستهلاك المفرط لدى اللبنانيين إلى سابق عهدها. فأيّ عاقل سيصدّق أن اللبنانيين عادوا إلى عاداتهم الاستهلاكية السابقة؟ وكيف نقتنع بأن اللبنانيين يستهلكون كل ما يُستورد عبر مرافئهم؟ إن بعض مظاهر السياحة والخدمات الفندقية والمطعمية و”الأرجيلة” الناشطة، لا تلغي أن الشعب اللبناني منهك وقدراته الاستهلاكية تقلصت إلى أدنى الحدود، وأن ثقافة الإستهلاك المترف تبدّلت، وحلت مكانها ثقافة “كل يوم بيومه”.

الباحث الاقتصادي والمالي الدكتور محمود جباعي يعزو الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار الى أسباب عدّة أبرزها الأزمة الراهنة بين المصارف اللبنانية والقضاء اللبناني مع غياب بوادر الحل في المدى المنظور ويمكن أن تذهب الى مزيد من التأزم، إذ كان من المنتظر أن ينخفض سعر صرف الدولار أقله بين 8 آلاف و10 آلاف ليرة لو تمت معالجة موضوع إضراب المصارف والقضاء، ووضع منصّة صيرفة على السكة وإن بنسبة ضئيلة 400 أو 500 دولار. ولكن الذي حصل أن المصارف لم تعلق إضرابها بل عمدت الى فتح أبوابها 4 أيام نزولاً عن تمنيات الرئيس نجيب ميقاتي، فيما ينتظر الجميع قرار جمعية المصارف إن كانت ستستمر في إضرابها أم لا.
من الأسباب الرئيسية الأخرى التي يشير إليها جباعي، “غياب النيّة لدى المجلس المركزي في مصرف لبنان والحكومة اللبنانية على ضخ الدولار في السوق خشية تهريبها إلى مصر وسوريا خصوصاً في ظل حاجة الحكومة السورية للعملة الصعبة من جراء تداعيات الزلزال المدمّر الأخير الذي تعرّضت له البلاد، علماً بأن ثمة حديثاً أن البنك المركزي السوري يشتري دولارات من لبنان، وأن الدولارات تُسحب الى سوريا عبر منطقة الشمال تحديداً”، لافتاً الى أن السوق اللبنانية “أصبحت مفتوحة، فيما لبنان يعوم على بحر دولارات في السوق التي يدخلها بين 11 و12 مليار دولار من تحويلات مغتربين والأحزاب والجمعيات واليونيفيل، إضافة الى 5 مليارات دولار تدخل السوق بشكل غير رسمي”.

الى ذلك يشير جباعي الى سبب رئيسي آخر لا يقل أهمية عن الأسباب الأخرى التي تسهم بارتفاع سعر صرف الدولار ويكمن في زيادة الطلب من الشركات والمؤسسات اللبنانية على الدولار للتخلص من الكتلة النقدية بالليرة التي لديها والتي جنتها من الارتفاع الكبير للأسعار الذي حصل أخيراً.

الى هذه العوامل، لا يخفي جباعي أن “في لبنان جهة خفيّة لا يهمّها أن ينخفص سعر صرف الدولار وتالياً تسهم بزيادة الطلب عليه. ولا يستبعد في هذا السياق، وجود جهات داخلية على علاقة بجهات خارجية، تتلاعب وتتحكم في سعر الصرف في السوق السوداء بغية المساهمة بتسريع الانهيار من خلال زيادة ديون مصرف لبنان وعرقلة المصارف اللبنانية عن العمل”. وقال “قد نكون في بداية الانهيار، وسعر الصرف الدولار قد يصل الى مستويات أعلى بكثير”.

وفيما كان البعض يعزو ارتفاع سعر الصرف الى المضاربة من الصرافين غير الشرعيين، تبيّن وفق ما يقول جباعي أنه على الرغم من اعتقال الصرافين غير الشرعيين في الفترة الأخيرة ارتفع الدولار أكثر من 20 ألف ليرة، وتالياً يبدو أن هؤلاء ليسوا السبب الرئيسي في رفع سعر الصرف.

وختم جباعي بالإشارة الى “فقدان المواطنين والشركات على حدّ سواء ثقتهم بعملتهم الوطنية ما يسهم أيضاً بارتفاع سعر الصرف وسط توقعات بزيادة التعقيدات بين المصارف اللبنانية والقضاء اللبناني مع توجّه الأنظار إلى ما سيؤول إليه اجتماع جمعية المصارف يوم الجمعة المقبل في شأن الإضراب الذي علقته أخيراً بناءً على تمنّي رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

الأسباب التي ذكرها جباعي لارتفاع سعر الصرف ذكرها أيضاً كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل الذي استغرب الارتفاع المتواصل لسعر الصرف فيما لا شيء تغيّر من فترة عيد الميلاد حتى اليوم وخصوصاً حيال المؤشرات الاقتصادية والنموّ وحيال زيادة الاستهلاك وارتفاع القدرة الشرائية للمواطنين، ولا حتى ارتفاع فاتورة الاستيراد ليكون ثمة مبررات لزيادة الطلب على الدولار. وقال “لا أسباب تقنية لمضاعفة ارتفاع الدولار خلال الأسابيع الاخيرة”، وإذ أشار الى أن “ثمة مضاربين يفيدون من ارتفاع سعر صرف الدولار، إضافة الى الطلب عبر الحدود من سوريا وحالياً مصر التي تعاني من أزمة سيولة”، قال “فاتورة الاستيراد وصلت العام الماضي الى 19 مليار دولار، فبغضّ النظر عن ارتفاع أسعار البترول وكلفة النقل والتأمين وتخزين الدولار من التجار تحسّباً للدولار الجمركي، ولكننا في الواقع نستورد لمصلحة اقتصادين”، لافتاً الى أن ثمة مبررات لارتفاع الدولار العام الماضي، إذ ثمة 16 مليار دولار خرجت من لبنان لتمويل الاستيراد. ولكن اليوم ما المبرّرات؟ وسأل: هل “ارتفاع الدولار له علاقة بالطلب المتزايد عبر الحدود ومن أكثر من مصدر؟ وهل له علاقة بفرض واقع سياسي محدّد ميدانياً من خلال التلاعب بسعر الصرف؟”.

على مقلب الصرافين، يستغرب النقيب السابق للصرافين محمود مراد الارتفاع المدوّي لسعر الصرف، ويستند الى مفارقات عدة منها أن التجار الذين يتعامل معهم أكدوا له أنهم لم يستطيعوا إجراء أي معاملة عبر المصارف، فيما عرابو السوق السوداء في السجون، إضافة الى أن الصرافين الشرعيين لم يلحظوا عمليات كبيرة للطلب على الدولار فيما المواطنون يحاذرون بيع دولاراتهم إلا لحاجتهم اليومية خوفاً من ارتفاعه”، لافتاً الى أن عمل الصرافين “انخفض بنسبة تراوح بين 50 و60%”. وقال “ليس هناك أرقام كبيرة تعرض، ولا نتلقى اتصالات من التجار الذين كنا نعمل معهم بمئات ألوف الدولارات”.