سمير عطا الله

نكبة، لا تلطّفوها – سمير عطالله – النهار

ولو درى لكان هناك دليل على درايته.
الجاحظ

بين المؤلَّفات الأولى للشاعر #بولس سلامة كتاب من بدائع النثر بعنوان “#حديث العشية”، هو مجموعة تأملات فكرية في الحالة البشرية ومصائر الإنسان. وكان الكتاب من قراءتي الأولى وبقيت راسخة في ذاكرتي منها بضعة احاديث حول “نفسية الجماهير”. وكلما قرأت في هذا الموضوع، وما عشت وشاهدت وخبرت، ظل تحت ذلك العنوان أو تحت ذلك التأثير.




نقلتني المهنة بين حالات جماهيرية كثيرة. الفرنسيون في أيار 1968. الايرلنديون العام 1969. مصر يوم استقالة عبد الناصر، و13 نيسان 1975 في عين الرمانة. كل مرة كنت ازداد فزعاً من هوس الجماعات بشغف الانقياد، فيما هي تهتف للحرية. والأكثر رعباً في هذه الحالات هو الصدق. فالجماهير لا تتوقف لحظة لتفكر في سبب الغضب، أو الفرح، أو الثورة. وعدوّها الأول في حالة الهياج هو التأمل أو التعقل، أو التساؤل، لأنه ينهي الجماهير عن الغفلة ويكشف مرض الانفعال وعبثية الهوس. وتتساوى الجماهير في انفعالها وهياجها، لا فرق بين فرنسي أو الماني أو افريقي. والأمثلة عبر التاريخ لم تتغير. وفرنسا تعطي البشري ديكارت وقداسة الوعي، وفرنسا نفسها تنقسم في الثورة بين يعاقبة وجيرونديين، ومَن أكثر عنفاً وتوحشاً. وألمانيا تسير كلها خلف غوته وبيتهوفن، وكلها تسير خلف هتلر وتندفع الى القبض على العالم على موسيقى فاغنر. ألا تذهب الشعوب كلها الى الحروب على قرع الطبول الذي يغلي الدماء في العروق، ومنها عرق العقل وشريان الرحمة؟

كل ندم يأتي متأخراً، وكل صحوة تأتي بعد فوات الأوان. لذلك، الرؤية هي الميزة (والشرط) في القيادة، ومن دونها هلاك الرجل وهلاك الجماعة معاً. كان الصحافي المصري ال#لبناني اميل خوري (الاستاذ الكبير) يسمّي القادة عديمي الرؤية، “الوثنيين” أي الصنميين، ما بين معبود وعبده.

في فرنسا أصبح الملازم امبراطوراً مع جميع افراد العائلة. وذهب كاليغولا الى ابعد من ذلك فأعطى اللقب الامبراطوري الى حصانه. وعزف نيرون الكمان متمتعاً بحريق روما. وكان عازفاً رديئاً وإنساناً غبياً، ومثل كل الاغبياء، مغروراً ومأخوذاً بانتفاخ نفسه.

المشكلة في المغرور انه لا يعرف قدر نفسه، كما في المثل الشعبي “رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه”. وكان يكرر هذا القول امير البحرين الراحل الشيخ عيسى بن سلمان، كلما سألته لماذا لا يتحرك كثيراً خلال مؤتمر القمة. أما المشهد الأكثر إضحاكاً وثقلاً في المؤتمرات فكان منظر الغربان المعتقدة أنها طواويس الحديقة وزهو الطبيعة. وهذه أشبه بالمنايا التي اشتهاها المتنبي: كفى بك داء ان ترى الموت شافيا / وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا.

وكم عدد الوجوه التي تقرأ فيها هذا البيت وتلك القوافي. فكل ما حولك منايا حلّت محل الأمنيات. مُدمِّرو الدولة يتقدمون جنازتها، وفاسقها ينادي بالفضيلة.

مَن المسؤول؟ اولاً وأخيراً هم الناس، اهل القرار والاختيار، وهؤلاء لا يحق لهم البكاء ولا التباكي. مرة بعد مرة ساروا جماعات خلف فاقدي الرؤية والأهلية والكفاءة، وأحياناً، الضمير ايضاً. الشعب يرتكب والشعب يتبرأ، ثم الشعب نفسه يندم ويلطم.

لو أننا منذ البداية تقبّلنا شرعة المحاسبة لما تجمعت الكوارث وتحولت الى فاجعة وطنية ربما لا قيام منها. “الجماهير” غيَّبت العقل، وفي النتيجة غيَّبت العقلاء. وقد اختارت الزمر عبر السنين ان تمشي خلف الجماهير بدل انقاذها من غيبوبتها. وسقطت الأمة في مستنقع الجهل، تصفّق لموتها ومجاعاتها وتخلّفها. تلاشت وتمزّقت وهزمت والمخدرون يلعلعون: امجاد يا عرب امجاد. تعيش جاراتنا في آسيا الآن نهضة مذهلة قوامها شيء واحد لا اختراع فيه: العلم.

اقتصاد الصين ستة أضعاف اقتصاد الروسيا. واندونيسيا جاءها رئيس يبني المدن والطرقات والجسور بعد محنة من القتلة والجهلة. وكوريا الجنوبية تتحول الى مارد عظيم فيما جارها الشمالي يطيّر صواريخ وأفيالاً. وشعبه يأكل العشب.

أليست غريبة تلك الظاهرة التي تثار دوماً، كيف وإلى اي مدى ينجح اللبناني في الدول السويّة، وكيف يتحول الى مافيا مجاهرة في تفكك دولته؟ غلاف “لوبوان” يقول ان رودولف سعادة (52 سنة) هو المستثمر الاكثر جدوى في عموم فرنسا. وتقول “فورين بوليسي” إنه صاحب ثالث اكبر شركة شحن في الكرة الأرضية. نحو 5 آلاف سفينة تحمل اسمه حول موانىء الكوكب. وهذه الثروات الاسطورية لم تعد تبنى في مجاهل البرازيل أو افريقيا، بل حيث الحداثة في ذروتها والمنافسة في أوجّها.

بلغت ارباح شركة سعادة في مرسيليا العام 2021 نحو 18 مليار دولار. ويساوي حجمها في اسواق العالم حجم شركة بوينغ ومورغان ستانلي. وكان جاك سعادة الأب أسس الشركة في سوريا، لكن حكومات البعث الأولى أمّمتها تماماً اثناء موجات التأميم التي اكتسحت العالم العربي، وحوّلت الاغنياء الى فقراء، والفقراء الى عبيد. ويومها، على سبيل المثال، حلَّ ضابط مكان مصطفى أمين في “اخبار اليوم” ومن ثم اصبح صهر صدام حسين، وهو درّاج سابق، وزير التعليم العالي. وروى لي الصديق محمد الدوري، رئيس جامعة بغداد، ان اجتماع العمداء كان ينتظر احياناً يوماً كاملاً الى حين وصول صهر السيد الرئيس.

هنا تحوّلنا “المنظومة” خلال ثلاث سنوات من اقتصاد حيوي الى اقتصاد تسوّل وافلاسات وإعدام نقدي ومالي لا قيامة منه. حتى رئاسة الجمهورية ورمزها الأول جعلناها عند أعتاب الآخرين. أي بلد مستقل في العالم يبحث عن رئيسه في كل مكان إلا عاصمته؟ أي بلد ينكّل اهله بكرامة القصر الرئاسي والقصر الحكومي بمثل هذه الفظاظة؟

ثمة طريقة وحيدة لاستعادة لبنان، أو شيء منه. وهي التي لا يشير اليها أحد لشدة استحالتها. وهي ان يتعهد الرئيس الجديد محاسبة المسؤولين عن مجموعة الجرائم التي ارتُكبت في حق الناس، وعن النكبة الكبرى التي حلّت بالبلاد، وما عرفت مثلها من قبل.