المعارضة الفكرية في الدولة العثمانية: تركيا الفتاة – توران قشلاقجي – القدس العربي

كانت حركة «تركيا الفتاة -Jön-Türkler» (أو الشباب الأتراك) واحدة من أهم حركات المعارضة في الفترة الأخيرة للدولة العثمانية. تأسست الحركة عام 1878 وحافظت على وجودها لغاية عام 1908. وشهدت تلك الفترة بروز حركات وتيارات كثيرة في أوروبا بمسميات مماثلة؛ مثل «ألمانيا الفتاة» و»إيطاليا الفتاة» و»بولندا الفتاة». واستُخدم اسم «تركيا الفتاة» لأول مرة في عام 1828 من قبل المؤرخ تشارلز ماكفارلين. وكان المقصود من هذه العبارة هم الكتّاب الشباب الذين يدعمون إصلاحات والي مصر محمد علي، لكن التيار الفكري الذي ظهر بهذا الاسم عام 1878 كان يطالب بإجراء إصلاحات داخل الدولة العثمانية.
تشكلت حركة «العثمانيون الشباب» من أبناء سادة إسطنبول، وكان معظمهم من الإسلاميين.

تأسست حركة «تركيا الفتاة» بإشراف مواطنين عثمانيين شباب معارضين وكانت تضم شبابا من البلقان والقوقاز والعالم العربي، عرف معظمهم بتوجهاته الغربية




أمّا «تركيا الفتاة»، فكانت تضم شبابا من البلقان والقوقاز والعالم العربي، عرف معظمهم بتوجهاته الغربية، اجتمع أنصار ثلاثة تيارات ضمن حركة «تركيا الفتاة»، وهم؛ الغربيون، والإسلاميون، والقوميون. وكان أحمد رضا وعبد الله جودت يمثلان الجناح الغربي، الذي نشر أفكاره عبر جريدتي «المشورة» -Meşveret، و»الاجتهاد» İçtihad. فيما مثّل التيار الإسلامي ميزانجي مراد بك، وكان يستخدم جريدة «الميزان»Mizan، لنشر أفكاره.
أمّا التيار القومي، فقد مثلته مجموعات من أعراق مختلفة داخل الدولة العثمانية، وكان لدى كل مجموعة منها جريدة خاصة بها لنشر أفكارها، وأبرزها «شورة الأمة» Şurayı Ümmet التي ضمت مفكرين من أنصار الفكر القومي التركي. بدورهم أصدر القوميون العرب جرائد عدة للدفاع عن أفكارهم، مثل «الجوائب» بإشراف سليم فارس، و»الكرواسون» Le Croissant للصحافي السوري خليل غانم، و»كشف النقاب» للكاتب اللبناني أمين أرسلان، و»الرجاء»er-Reca للقس الكاثوليكي آبي خطيب، وصدرت غالبية هذه الصحف في باريس، وبعضها في مصر. تأسست حركة «تركيا الفتاة» بإشراف مواطنين عثمانيين شباب معارضين كانوا يدرسون ويعيشون في باريس، التي جمعتهم تحت سقف واحد، على الرغم من اختلاف أديانهم ولغاتهم وأعراقهم. وبجانب هؤلاء، كان لدى الحركة نحو ألفي عضو شاب داخل الأراضي العثمانية، يتوزعون على الكليات الفرنسية والبريطانية والإيطالية والأمريكية، بالإضافة إلى كلية الطب العسكري والكلية الحربية والجيش. وحظيت الحركة بدعم مالي من مصطفى فاضل باشا، والخديوي عباس حلمي باشا، من مصر. واتخذت باريس بشكل عام والقاهرة في بعض الأحيان مقرا لها من أجل إدارة أعمالها. ويعد الأمير صباح الدين بك، أحد أبرز مفكري حركة «تركيا الفتاة»، وهو ابن سنيحة سلطان، شقيقة السلطان عبد الحميد الثاني. أصبحت مؤلفات صباح الدين بك؛ «اللامركزية» و»المشاريع الخاصة»، بمثابة الدليل بالنسبة إلى أعضاء الحركة. وكان الأمير صباح الدين يوجه انتقادات حادة للإدارة العثمانية ومسؤوليها، لاسيما خاله السلطان عبد الحميد. وأصدر في هذا الإطار برنامجا ضخما باسم «كيف يمكن إنقاذ تركيا؟»، بغية الحفاظ على وجود الدولة العثمانية والحيلولة دون انهيارها. كما طرح الأمير صباح الدين آراءه في جميع المجالات بدءا من الزراعة وحتى التعليم، وكان مثقفا يتمتع بأفكار ليبرالية. انتهى نشاط حركة «تركيا الفتاة» عام 1908 لتحل محلها جمعية الاتحاد والترقي. وأود إعطاء مساحة أكبر لأفكار «تركيا الفتاة» في مقالنا التالي الذي سيكون تتمة لهذا. لأنه إذا أردنا أن نفهم التوجهات القومية والغربية والإسلامية في الأراضي العثمانية المنقسمة في يومنا الحالي، فمن الضروري أن نعرف جيدا أفكار «تركيا الفتاة». وبعد تسليط الضوء على أفكار الحركة، سنتناول في المقال الذي بعده تفاصيل مهمة وشاملة حول جمعية الاتحاد والترقي.