غسان عويدات والرصاصة الأخيرة على القضاء

سقط الحرص على حفظ ماء الوجه من أجندة رموز القضاء. تصدّر مدّعي عام التمييز المشهد ليطلق الرصاصة الأخيرة على الهيكل المتداعي. ردّ على خطوة المحقق العدلي القاضي #طارق البيطار بإطلاق جميع موقوفي ملف المرفأ، مخالفاً رأي من حقق في الملف ودرسه فقرّر إطلاق خمسة منهم والإبقاء على 12 موقوفاً. لبّت السلطات الأمنية بسرعة قياسية قرارات عويدات الذي أسقط الشبهات عن المفرج عنهم. تبرّعت خطوة عويدات بإقفال ملف جريمة المرفأ.

ادّعى على المحقق العدلي ومنعه من السفر في سابقة. تجنّد باسم السيستام الذي ضاق بطارق البيطار وبتحقيق المرفأ، ونفذ غزوته على شاكلة رد فعل على فعل محقق “مكفوفة يده”. وليست واضحة بعد الإشارات الأخرى التي تلقاها عويدات لتنفيذ قراراته، في ظل تحليلات كثرت عن آراء غربية مستجدة في ملف الموقوفين.




لم يعتد المهملون في بلدنا على تحمّل المسؤولية، ولم يعتد القضاة المعيّنون من السياسيين على مواجهة تمرّد داخلي يفلت من أيديهم.
مثّلت خطوة المحقق العدلي في انفجار المرفأ العودة الى التحقيق بالاستناد الى دراسة قانونية لفيليب خيرالله، مفاجأة مدوية.
وليس أبلغ من أن تشن معركة الرصاصة الأخيرة على النظام الغير صالح للعمل من قلب “مؤسسة” القضاء بما تمثّل من دور مفترض، ومن محاصصة وزبائنية وارتهان لشخصيات ولأهواء السياسية، على أرض الواقع. هل يبدو التعميم في غير مكانه؟ فليكن.
الجميع يقرّ بوجود قضاة “إصلاحيين”، ولكن الصبغة الجامعة هي تلك التي تضرب استقلالية القضاء في صميمها.

أكثر من 13 شهراً، ودعاوى كف اليد في الواجهة، والتحقيق معلّق. الزمن يتناتش العدالة. المراد والمخطط أن ينسى اللبنانيون ما أصابهم، وألا يسألوا عمن قتلهم.
شبهة الإهمال الإداري يُراد إسقاطها أيضاً، وكأن حصولها بمثابة أضرار جانبية. المطلوب إقفال الملف بأي ثمن.
طارق البيطار اجتهد وقام بخطوته التي تحمل الكثير من التأويلات القانونية، لكن في الحلقة المفرغة كان لا بدّ من خطوة تكسر الجمود. وفي النظام المتهالك، لا بدّ من هدم التركيبة المتآكلة. لم يعد ينفع الترقيع، ولا التسويات الآنية، ولا التفرج على استحالة إقرار قانون استقلالية قضاء سليم وتطبيقه. ولسنا في حاجة ليخرج زعماء لإخبارنا بأنه “لا مش ماشي الحال”، في دلالات تخدم أجنداتهم المصلحية.

“مش ماشي الحال”، أن ينسى اللبنانيون دماءهم الملطخة على الجدران. حصل الأمر مراراً نعم، لكن قيّد وجود قاض يريد المواجهة والسير عكس التيار، وهو بذلك يملك أمام الرأي العام مبررات أخلاقية تملأ فراغ أسئلة تثار حول تحقيقه.

هل “شرب حليب السباع” من القاضيين الفرنسيين اللذين التقاهما، وهل شكّل بيان السفارة الأميركية دعماً له، نقرأ ونسمع الخطاب المعارض للبيطار، لكنه لا يخبرنا ما أجندته للمحاسبة من قلب القضاء. لا يفلح هذا الفريق سوى بتصوير طارق البيطار “عميلاً للمشروع الأميركي”. وفي رؤيته، يبقى الإهمال الاداري بمثابة أضرار جانبية أيضاً.

من قلب الفوضى واللانظام وتعليق التحقيق، ولدت خطوة المحقق العدلي الذي كان يدرك أنه في آخر معاركه.

قاضيان، وخطوتان، بينهما التاريخ… ودماء الضحايا.

النهار