نيويورك تايمز: في مصر البيض بات من الكماليات واللحم خارج التفكير.. والجيش لن يتخلى عن مميزاته بسهولة

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته مديرة مكتبها في القاهرة فيفيان يي عن التضخم في مصر والذي قالت إنه جعل البيض من الكماليات.

وأضافت أن المصريين وبعد أشهر من التضخم القاسي باتوا أكثر جرأة للحديث عن الوضع وسط حزمة من المساعدات التي تم الاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي ووضعت شروطا صارمة على الحكومة.




وأضافت أنه في الوقت الذي وصلت فيه قيمة الجنيه المصري لأدنى مستوياتها هذا الشهر، ظهر في واحدة من الصحف الرئيسية مقال يتناول التدهور الاقتصادي الحاد. ونظرا لحساسية الحكومة المصرية من المقالات التي تتناول الوضع وتتحدث عن الأزمة فقد دفن المقال في الصفحات الداخلية.

ولم يكن المصريون بحاجة لقراءة المقال على أي حال، لكي يذكرهم بأن السجادة نزعت من تحت أرجلهم. وتخطت كلفة البقالة مستويات الكارثة إلى ما هو أعلى، في وقت بات فيه سعر الجنيه يساوي نصف ما كان عليه قبل عام. وبات البيض بالنسبة للكثيرين من المواد الكمالية، ولم يعد اللحم حاضرا على مائدة الطعام. وبالنسبة للكثيرين الذين يفكرون في توفير رسوم المدارس وكلفة الأدوية، فالطبقة المتوسطة التي عملت بجد للحفاظ على وضعها باتت تفلت من أيديهم. وتقول مي عبد الغني، 30 عاما، المسؤولة في الاتصالات بمؤسسة غير ربحية في القاهرة “في الوقت الحالي، لا شيء في الأفق، لا شيء”.

ويعمل زوجها مهندس التصميم في أربع وظائف لتوفير الاحتياجات الضرورية، وباتت فكرة شراء سيارة أو إنجاب أطفال خارج التفكير هذا العام. وقالت: “كل ما أفكر به هو النجاة على الميزانية التي توفر الطعام لنا” و”في كل مرة نزور فيها المتجر يرتفع ضغطي”.

 وزادت الأزمة عندما قام الجيش الروسي في شباط/فبراير العام الماضي بغزو أوكرانيا حيث أثر على دول الشرق الأوسط وبخاصة مصر التي عرت فيها الحرب الطريقة التي يدير فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي وجنرالاته الاقتصاد وكشفت عن القيادة الديكتاتورية وعلى أعلى المستويات الخطيرة للغضب النابع من الرأي العام والشركاء في الخارج على حد سواء. وزاد الوضع من الضغوط على الحكومة التي وعدت بتغييرات واسعة لو نفذت فستؤدي إلى تغير في الوضع ولكنها تزيد من ألم المصريين ومعاناتهم.

وعندما اندلعت الحرب في أوكرانيا، اختفى السياح منها ومن روسيا والذين كانوا يشكلون نسبة ثلث السياح القادمين إلى مصر، إلى جانب القمح المستورد من البلدين والذي يعتمد عليه المصريون في الغذاء. وفر المستثمرون الأجانب وأخذوا معهم 20 مليار دولار. ففي بلد يعتمد على البضائع الأجنبية لعبت عدة عوامل منها ندرة الدولار وثمن استيراد البضائع العالي إلى جانب خدمة الدين الذي تدفعه مؤسسات الدولة في تشكيل الوضع الكارثي الذي تعيش فيه مصر اليوم.

ولرابع مرة منذ 6 أعوام اضطرت مصر للذهاب إلى صندوق النقد الدولي من أجل حزمة إنقاذ، ووقعت على اتفاق بقيمة 3 مليار دولار لأربعة أعوام، وهو مبلغ قليل جدا مقارنة مع حزم إنقاذ سابقة وبشروط مشددة. وطالما استخدمت مصر الدولار من أجل دعم الجنيه المصري، بحيث يستطيع المصريون شراء البضائع المستوردة. وأجبر صندوق النقد الدولي الحكومة على السماح بتراجع قيمة الجنيه وتقلب سعره بدون تدخل.

وفي مطلب يضرب في قلب السلطة بمصر، طلب صندوق النقد الدولي من مصر بيع شركات مملوكة للدولة من أجل جمع المال وتجريد الشركات التي يملكها الجيش من المميزات التي تتمتع بها مثل الإعفاءات الضريبية والسماح للقطاع الخاص بالمنافسة. ومنذ وصول السيسي إلى السلطة عام 2013 عبر انقلاب عسكري، منح الجيش السيطرة على مصادر واسعة من الدولة إلى جانب إدارته اقتصادا موازيا. وتشمل أرصدة الجيش مصانع للباستا والإسمنت والفنادق وشركات إنتاج الأفلام، حيث حذر الخبراء بأن هذا يخنق النمو.

وفي ظل السيسي أنفقت مصر مليارات الدولارات على مشاريع ضخمة براقة، مثل عاصمة جديدة والطرق السريعة والجسور والقصور الرئاسية حيث اعتبرت المشاريع مهمة للنمو. ومولت معظم المشاريع بالدين وأدت لإثراء الجيش وشركاته التي يملكها بدون أن تؤدي لخلق الوظائف والإسكان والمكاسب الأخرى. وفي ظل الاتفاق الأخير تعهدت مصر لصندوق النقد الدولي بخفض النفقات.

وقال تيموتي كالداس، المحلل في معهد التحرير بواشنطن “لقد علقوا في الحقيقة فنظرا لسلوك النظام المتهور والطريقة التي أدار فيها الاقتصاد، أصبحت البلاد معرضة للخطر الكبير”. وقال إن “صفقة صندوق النقد الدولي تمنعهم من الانهيار لكنها تفرض الكثير من الشروط بطريقة لم يعهدوها في الماضي”. وعاد الاستثمار الأجنبي منذ القرض الأخير وتدفق الدولار وتم الإفراج عن البضائع المحجوزة في الموانئ، بشكل زاد الآمال بتراجع التضخم الذي وصل إلى 21%. إلا أن المصريين سيواصلون المعاناة كما عانوا من قبل، مع تشديد الحكومة النفقات العامة والدعم للصحة والمواد الأساسية.

ورغم قرض صندوق النقد الدولي بـ 12 مليار دولار عام 2016 إلا أن الاقتصاد عانى من مشاكل توفير فرص عمل مستقرة أو تخفيض الفقر. وقدر البنك الدولي، حتى قبل فيروس كورونا الذي أضر بالاقتصاد عام 2020 أن نسبة 60% من سكان مصر فقراء. وانزلق الكثيرون للفقر رغم تقوية مصر برامج الرعاية الاجتماعية وأجلت خفض الدعم للمواد الأساسية.

ففي جمعية “أبواب الخير” التي تقدم الدعم لـ 1.500 عائلة تراجعت التبرعات وزادت الأسعار. وتوقفت الجمعية عن قبول حالات جديدة ورفضت المناشدات لزيادة الحصص، حسب مؤسسها هشام الطيبي. وبدأت الجمعية في العام الماضي بتلقي مكالمات من الطبقة المتوسطة التي لم يعد راتبها يغطي رسوم المدارس أو ثمن الدواء. وقال “كان هناك ناس يستطيعون العيش على رواتبهم ثم أصبحوا فجأة محتاجين”.

وفي هذه الأيام زاد سعر البيض والحليب والجبنة أربعة أضعاف سعره قبل عام. وزاد سعر الدجاج واللحم والسمك ثلاثة أضعاف. أما إبر الأنسولين التي تحتاجها عبد الغني العاملة في المؤسسة غير الربحية فقد ارتفع سعرها سبعة أضعاف. وقالت إن “الأسعار ترتفع مثل الحمى التي لا يمكن السيطرة عليها”. وأضافت وهي حاصلة على ماجستير من جامعة بريطانية، وهي شهادة كانت تفتح أبواب العمل في معظم مؤسسات الحكومة “هذا ليس طبيعيا، دفع كل الراتب من أجل المواد الأساسية”.

ومع زيادة الأسعار انخفضت قيمة الجنيه إلى 16 مقابل الدولار العام الماضي، ووصلت الآن إلى 30 جنيها للدولار. واستغني عن خدمات زوجها في أربع وظائف وهو يعمل الآن في أربع وظائف جديدة، ويعمل ساعات طويلة. ويستخدم الآن النقليات العامة وليس أوبر وتوقف الزوجان عن تناول اللحوم. وتقول “عند صندوق الدفع الجميع يتحدثون عن الأسعار وكيف سيواصلون العيش بهذه الطريقة”.

وفي الماضي أدت الأزمات كهذه لغضب شعبي مثل الربيع العربي عام 2011، لكن السيسي حمل أوكرانيا مشاكل بلاده، وفي الوضع الحالي ارتفعت أصوات المعلقين في التلفزة معبرة عن القلق. ويقول المحللون إن وعد مصر بتوسيع القطاع الخاص لن ينتج ثمارا إلا بعد عدة سنوات، لو لم تحاول الحكومة التحايل عليها أو وقفها كما فعلت في المرات السابقة. ونظرا لهيمنة الجيش فمن الصعب التخلي عن مزاياها. لكن الحكومة لم يعد لديها شرايين الحياة، كما يقول كالداس فقد اشترط صندوق النقد الدولي العديد من الشروط وبنى آليات في الاتفاق الجديد بدرجة لم يعد أمام مصر إلا الاستجابة.

وربما قاوم الجيش إلا أن مؤيدين للحكومة باتوا يعرفون أن الاقتصاد بحاجة للتغيير. وحتى لو أوفت مصر بتعهداتها فإن الجيش قد يبيع أصولا لشركات خاصة يترأسها ضباط متقاعدون، كما تقول سارة سميرياك من مبادرة هارفارد للشرق الأوسط. ولم تقدم مصر تعهدات بشأن الأراضي والمصادر التابعة للجيش التي تعتبر أهم من الشركات. وقالت “تجريد هذه الجماعات من مميزاتها، ليس واقعيا من الناحية السياسية” مضيفة “حتى لو تمت خصخصة الشركات التابعة رسميا للجيش، وهو أمر لن يحدث في المستقبل القريب، فلن يكون سوى ندبة صغيرة في المصادر الاقتصادية تحت سيطرة الجيش”.