حرية تعبير أو خطاب كراهية؟.. مقطع “لغة الشيعة” يثير الجدل في لبنان

ما أن بثت حلقة برنامج “تعا قلّو بيزعل” الأسبوع الماضي على شاشة إل بي سي آي اللبنانية، حتى زعل، بالفعل، كثر من متابعي الحلقة، وخصوصا من أبناء الطائفة الشيعية، من المحتوى الذي يقدمه محمد الدايخ وحسين قاووق (الممثلان الرئيسيان)، خصوصا في سكيتش “تعلم اللغة الشيعية”.

لكن الأمر لم يقتصر على “الزعل” والحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تعداه إلى التهديد بالإيذاء والقتل علنا على مواقع التوصل الاجتماعي، أو من خلال الاتصال مباشرة بالممثلين، من بعد تعميم رقميهما، حسب ما أفادا في فيديو توضيحي مسجل بعد الحلقة التي خلقت بلبلة في الشارع اللبناني.




ووجهت للطرفين اتهامات مثل تنميط البيئة الشيعية في لبنان بصفات لا تشبهها مثل التحرش الجنسي وتعاطي المخدرات والشتم وغيرها العديد.

إلا أن الدايخ وقاووق الذين لم يردا على اتصال ورسائل موقع “الحرة” المتكررة، رفضا في الفيديو المسجل التعرض لهما، وقالا إنهما “يقدمان أسلوبا جديدا في الكوميديا لذلك اعتبر البعض أنه تعرضا للطائفة”، وشددا على أنهما “لا ينمطّان الطائفة الشيعية بأوصاف ليست فيها”.

وشدد الدايخ وقاووق على أنهما من أبناء الطائفة الشيعية ويلتزمون بالتعاليم الدينية والشعارات الخاصة بها.

مقاطع الفيديو من الحلقة التي انتشرت مع موجة من التعليقات الرافضة والمهددة، قابلها تعليقات أخرى مؤدية ومدافعة عن الحريات.

“لغة كراهية” أو كوميديا؟

في أحد السكيتشات (المقاطع) يقوم فريق البرنامج بتصوير حلقة تعليم كوميدية لـ”اللغة الشيعية”، ويصور طريقة المناداة الشعبية في الأحياء، وطريقة الشتم، والخلاف، والحلفان. وفي سكيتش آخر يخرج الممثل علوية لمقابلة صحافية أجنبية بالملابس الداخلية أمام منزله، ويكون صديقه “المحامي الشيعي”، بحسب تعبيره، موجود، ويحاولان إبرام صفقة ويختلفان ويشتمان بعضهما البعض.

يرفض الصحافي والباحث اللبناني طارق قبلان هذا المضمون الذي يعتبره “لغة كراهية”. ويشدد في حديث لموقع “الحرة” على أنه “لا يمكن إدراج برنامج (إذا بتقلوا بيزعل) تحت عنوان حرية الرأي، ولا حرية الكلمة، ولا أي نوع من الحريات، والسبب هو أن الحرية ليست متفلتة من أي قيد، فحتى القانون ينص على أن أي عقد أو تصرف مخالف للآداب وما تسالم عليه الناس، هو باطل”.

وإذ يشير إلى أن “الفقرة المعنونة (اللغة الشيعية) لم يسبقهما عليها أحد”، ويتابع: “بل هذه اللغة مستقاة من لغة هؤلاء المقدمين ومن مستواهم”.

ولفت قبلان إلى أنه “لم يسبق أحد أن أقرن اللهجة بالمذهب، فأبو سليم، أو بأبو طلال الصيداوي، أو أبو عبد البيروتي، (شخصيات كوميدية)  لم يقرنوا في بيئتهم المذهبية أو الدينية، بل على أنها لهجة فيها ما هو محبب وفيها ما هو مستهجن، ضمن منطقة معنية، وليس ضمن طائفة”.

وقال إنه “صفات الشخصيات كانت متنوعة، فضمن فريق أبو سليم ورفاقه، كان هناك الشخص المحترم والمؤدب، وآخر مغفل، وشخصيات أخرى. والتنوع ضروري في هكذا برامج لعدم تنميط مجتمع معين”.

إلا أن المدير التنفيذي لمؤسسة سمير قصير، أيمن مهنا، حذر في حديث لموقع “الحرة” من التعرض للحريات تحت هذه الشعارات، وقال: “نتذكر شخصية يوسف قليقل، وأبو العبد البيروتي ضمن الطائفة السنية الذي يخبر عن بطولات وهمية، وأبو سليم، وصولا إلى محتوى الدايخ المرتبط بعدد من الشخصيات الشيعية”.

ورأى أنه “لا يمكن القول إن هذه الشخصيات تمثل منطقة وليس طائفة، لأننا بذلك نختبئ خلف إصبعنا، فالحقيقة أن هذه الشخصيات مثلت بيئتها المناطقية والطائفية في آن واحد”.

المحتوى

اعتبر قبلان أن “شخصية علوية، المدمن على المخدرات والمحتال والمتحرش، الذي حاول أن يقيم هو وصديقه المحامي، الذي من المفترض أن يمثل القانون، صفقة انتهازية، وعندما اختلفا قاما بلعن أم الأخر، لا تمثل الطائفة الشيعية، بل هو محتوى هابط، ولا رابط بين الشخصيات والالتزام الديني وأبناء الطائفة الشيعية”.

وقال إن “المحتوى يتعرض لشخصية الإمام الحسين المقدسة عند المسلمين من خلال نطقها بطريقة مستهجنة”، وأشار إلى أن “الشيعي البقاعي أو الشمالي أو الجبيلي، لا يتحدث بهذه اللهجة”.

وتابع أن المحتوى “يضم ابن الطائفة الشيعية على أنه يلعن ويشتم أم الآخر”، سائلا: “كيف يسمح فريق الإعداد لنفسه أن يلصق بمذهب معين صفة يشتم الآخر؟ هذا أمر لا أخلاقي”.

وفي حين أشار قبلان إلى أن “للحرية ضوابط”، أكد أنه “لا يجوز الاحتجاج بعدد المشاهدات لتقديم خطاب الكراهية”.

يعارض مهنا هذا الكلام، ويرفض استخدام عبارة محتوى “هابط” بل “إشكالي”. ويشرح أنه لتصنيف المحتوى على أنه إشكالي يجب أن يندرج ضمن إحدى هذه الخانات:

  • خطاب الكراهية: يختلف عن التصريحات التي تنتقد شخصية عامة أو تشتمها. فهو خطاب تحريضي، يدعو إلى التمييز أو نبذ فئة من المجتمع بسبب لونها، أو لغتها، أو دينها، أو ميولها الجنسية، أو لأنها من اللاجئين.
  • خطاب التضليل: الغاية من هذا الخطاب تضليل الرأي العام من خلال بث أكاذيب متعلقة بشخص، أو قضية، أو بلد، أو واقع اجتماعي، كي تؤثر على سلوك الأشخاص ومواقفهم.
  • المساس بخصوصية الأشخاص: إفشاء تفاصيل عن حياة الأفراد الشخصية، أو عن أطفالهم وعائلاتهم بأمور خاصة لا علاقة لها بموقعهم العام أو مواقفهم العامة، وتعرض سلامة هؤلاء الأشخاص للخطر.
  • الإساءة: يكون هناك رقابة لاحقة عندما تحصل إساءة على شخص ما ويقرر الأخير الادعاء أمام القضاء المستقل والنزيه في بلد ديمقراطي. ولا تحظى هذه النقطة بشعبية وقبول كبيرين.
  • المضمون الإباحي المتعلق بالأطفال: وهو المحتوى الموجه إلى أطفال دون السن، وقد يبرز مشاهد إباحية تتعلق بهم، أو لأشخاص دون السن.

ويشير  مهنا إلى أن ” العناصر الخمسة لتحديد المحتوى الإشكالي غير متوافرة في هذه المقاطع الكوميدية. لأن الكوميديا لا تضحك الجميع، ومن الممكن أن يحبها أشخاص وينفر منها آخرون. لذلك لا يمكن تطبيق آلية تقييم واحدة على كل المقاطع الكوميدية. والكوميديا في أي دولة بالعالم تختار فئة من المجتمع وتتهكم على لهجتها، أو على طريقة تفكيرها”.

تهديدات علنية

قال الدايخ وقاووق إنهما يتعرضان للتهديد من خلال اتصالات هاتفية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعتبر مهنا إلى أن “ما وصل إليه لبنان على صعيد حرية التعبير هو نتيجة لتطور سياسي خلال السنوات الماضية، فباتت الأحزاب السياسية الكبرى، تساوي بين الحزب والطائفة”.

وقال إن “هناك محاولة لوضع خطوط حمر، وأنه لا يجوز التكلم عن الطائفة، وأن الحزب يحدد ما هو مسموح داخل طائفته، وأي تجاوز لخطوط الحزب، تتحرك إثره جيوش إلكترونية على المغرد خارج السرب”.

وحول ما إذا كانت التهديدات التي ترد إلى الدايخ وقاووق جدية، أشار مهنا إلى أنه “لا يمكن جزم أن التهديدات بالقتل لهؤلاء الأشخاص هي جدية، ولكن ومن خلال تفحص الحقائق، يتبين أنه عندما حصلت اغتيالات سابقة لم يحصل أي تحرك من قبل القضاء، ولا الأجهزة الأمنية، وحتى عندما كان هناك تهديدات إلكترونية وجسدية للأشخاص الذين اغتيلوا، لم يحقق أحد بها”.

وشدد على أن “أي تهديد يحصل في لبنان هو جريمة موصوفة، وهناك عدد كبير من المواد ضمن قانون العقوبات تحدد أن التهديد بالقتل هو جريمة”، سائلا: “هل سيتحرك القضاء والأجهزة الأمنية كي تعلم من هي الجهات التي هددت الدايخ وقاووق بالقتل كي تحاسبها؟”، مضيفا أن “الجواب هو كلا”.

ونتيجة لذلك، يوضح مهنا أن “هذا الواقع يتيح لأشخاص آخرين التهديد بالقتل من دون أي رادع، كون لا يوجد أي أحد يمكنه محاسبتهم”.

وللإشارة إلى ازدواجية المعايير في لبنان، قال إنه “عندما ينشر شخص تغريدة تهكمية بحق رئيس الجمهورية أو حزب سياسي معين، يتحرك تلقائيا مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، ويتم استدعاء أشخاص وتوقيفهم من قبل المخابرات أو أمن الدولة، وعندما يكون هناك تهديدات بالقتل من أرقام معروفة، تصبح ضحية التهديد مجبرة على تبرير نفسها وتقدم الاعتذار”.

واتهم مهنا “حزب الله أنه يريد فرض خطوط حمر على أي موضوع يتناول بشكل نقدي الشخصية أو الواقع داخل المجتمع الشيعي، من الوضع الاقتصادي في الطائفة وصولا إلى الوضع السياسي، فحزب الله يعتبر نفسه مستهدفا من هذه الانتقادات، لأنه نصّب نفسه راعيا للطائفة”.

وختم مهنا أن “مشهد حرية الإعلام متناقض، فمن جهة هناك إبداع وجرأة في كسر المحرمات. إلا أن مستوى محاولات القمع تزيد”.




الحرة