ماكرون يتلقّى نصائح بعدم تكرار التجربة والخارج اعتاد “لبنان من دون رئيس”

رضوان عقيل – النهار

يقرّ الديبلوماسيون الذين يعملون في #بيروت، بغضّ النظر عن هوياتهم الغربية أو الشرقية، بان السياسيين في #لبنان يتّصفون بطبيعة خاصة تختلف عن نظرائهم في المنطقة والعالم حيث يمتاز اكثرهم بمراس صعب وعناد في صلابة مواقفهم رغم تأثير الخارج على بلدهم. لذا من غير المستغرب لجوء رؤساء الكتل النيابية الى اتّباع التصلب الحاصل في شأن الانتخابات الرئاسية وعدم التراجع ورفض تدوير الزوايا ولا الدخول في تسويات إلا بعد تلقّيهم اشارات تهديد صارمة من الخارج حيال هذه الانتخابات المعلقة على شريط الخلافات حيث سينبت المزيد من العشب على مدخل قصر بعبدا قبل انتخاب رئيس ليحلّ في الكرسي الشاغر منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون الذي لا يوفر فريقه النيابي وسيلة ولو من ضمن اللعبة السياسية لوضع العراقيل في وجه اي مرشح لا يتقاسمون معه الخيارات بعدما ادركوا ان لا قدرة على انتخاب النائب جبران باسيل ووصوله الى سدة الرئاسة.




وفي زحمة هذه المساحة من التشاؤم، ينتظر اللبنانيون محاولات جديدة من الصديق الفرنسي الذي اخفق اكثر من مرة بسبب حالة التشظي التي تسيطر على التركيبة السياسية في البلد. ومن هنا يتّبع الكثيرون اسلوب العناد السياسي من رؤساء الكتل والاحزاب إذ يمارسون اليوم “بكل جدارة” هذه الطقوس رغم مسلسل الانهيارات الاجتماعية والمالية على مختلف الصعد. ولم يقدر هؤلاء على التلاقي ولو على اسم يشكل قواسم مشتركة في ما بينهم وانتخابه رئيسا للجمهورية رغم الجهود التي تبذلها اكثر من دولة، ولا سيما الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي ضاق ذرعاً بالقيادات اللبنانية ومع ذلك لم يستسلم رغم عدم توافر الحماسة في الاشهر الاخيرة في حلقة الاليزيه الضيقة التي تتابع الملف اللبناني وتشعباته. وكان قد سمع من مستشار سياسي تربطه علاقة متينة مع شخصية لبنانية ذات خلفية أمنية كلاما يدعوه الى الكف عن زخم هذا التعاطي مع المسؤولين اللبنانيين، وانه حضر الى بيروت وجرى خذلانه.

وخبر ماكرون من هذا المستشار انه رافق الرئيس الراحل فرنسوا ميتران عندما حضر الى بيروت عقب تفجير مقر الجنود الفرنسيين في العاصمة عام 1983 مع مفارقة يتوقف عندها الى اليوم وتتمثل بان الوجوه السياسية في لبنان هي نفسها ولم تتغير منذ آخر اربعة عقود الا من بعض الاستثناءات، وهي لا تزال على كراسيها طوال كل هذه السنوات وتحتل المشهد السياسي وتقبض عليه من ولاية ميتران الى ايام ماكرون. ويريد صاحب هذه الرواية ان يقول لرئيس دولته ويثبت له ان لا فائدة من الركون الى السياسيين اللبنانيين حيث يغلّب اكثرهم مصالحهم الخاصة على مصلحة البلد وشعب جائع، ولا يتراجعون عن خياراتهم اذا لم تواجههم قوة قاهرة تدفعهم الى التراجع. ويعاين الفرنسيون احوال لبنان من دون انقطاع رغم هذا المناخ السوداوي، ويقولون إنهم لن يتأخروا في توفير المساعدة للبنان على انواعها. واذا ما طالت عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وهذا هو الحاصل على الارجح، يبدو ان الجهات المعنية بعملية الانتخاب من رؤساء كتل الى نواب مستقلين فضلاً عن “التغييريين”، قد تأقلموا على “العيش” من دون رئيس للجمهورية وسط حالة لم يعرفها لبنان من ايام الرئيس بشارة الخوري بعد الاستقلال الى ايام سنوات الحرب الاهلية عند انتهاء ولاية الرئيس امين الجميل، لتبدأ من بعده مراحل الشغور في الرئاسة الاولى.

في اواخر الثمانينات، وفي وقت كانت لغة المدفع تسيطر على البلد غداة انتهاء عهد الجميل والانقسام الذي حصل بين حكومتي الرئيس سليم الحص والعماد ميشال عون، كانت الادارة الاميركية آنذاك وبالتنسيق مع دمشق تتقاطعان ابان وجود الرئيس حافظ الاسد على انتخاب رئيس لبلاد مفتوحة على آلة الموت والتدمير. وعمل مساعد وزير الخارجية الاميركي ريتشارد مورفي وقتذاك على اجراء استحقاق الرئاسة الاولى ومحاولته ايصال النائب السابق مخايل الضاهر الى سدة الرئاسة، الى ان باءت مساعيه بالفشل. ويتذكر اللبنانيون جيدا مقولة “الضاهر او الفوضى”.

ورغم كل الضغوط الاميركية لم يستطع مورفي تحقيق هذا الامر الصعب. ولدى مراجعته وسؤاله عن اخفاقه في مهمته وهو يمثل أقوى دولة في العالم والاكثر تأثيرا في المنطقة، وبالتعاون مع السوريين الى جانب عواصم اخرى مؤثرة في انتخاب رئيس للجمهورية، أتى جواب الديبلوماسي المجرب بقوله انه تم وضع كل التحضيرات والمعطيات التي تناسب الظروف القائمة لانتخاب رئيس “إلا ان ما لم نكن نتوقعه هو ان بلداً يمكنه ان يعيش من دون رئيس للجمهورية”.

وبالفعل تمكن السياسيون اللبنانيون من تطيير انتخابات الرئاسة والعيش تحت ظلال حكومتين الى حين توجه النواب الى الطائف والعمل على طي صفحة الحرب والدخول في فصول السلم واجراء تعديلات في الدستور وانتخاب الرئيس رينه معوض ثم استشهاده، الى انتخاب الرئيس الراحل الياس الهراوي لتستقيم سيرورة الانتخابات النيابية وانتخاب رؤساء الجمهورية وتأليف الحكومات بقرارات من دمشق الى عام 2005 ليدخل البلد في محطات جديدة بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري حيث تم فتح صفحات التعطيل الرئاسي والحكومي. لكن تجربة اليوم تبقى الاقسى في ظل التحديات القائمة والمتغيرات في لبنان والمنطقة.

ويبدو أن مقولة مورفي “اللبنانية” عن الشغور في الرئاسة الاولى لا تزال سارية المفعول؟!