نبيل بومنصف - النهار

في “اغتيال” متدحرج! – نبيل بومنصف – النهار

هي ليست مصادفة أو مفارقة عابرة ان يرحل رموز وكبار طبعوا مسارات السياسة والمصير الوطني بطابع الأصول والقيم الدستورية والديموقراطية والميثاقية الحضارية كالرئيس #حسين الحسيني، فيما يشهد لبنان أسوأ الانزلاقات الحديثة لتلك المسمّاة دولة وجمهورية فيه. فهذا السياق “الاستنزافي” في رحيل رجالات الرعيل الدستوري “الأخير” فيما تعلو مداميك النمط الانقلابي المخرّب فوق صورة وواقع لبنان الانهيار، استهلك تقريبا العقود الثلاثة الأخيرة وكانت أخطر حلقاته في السنوات الأخيرة حيث تحوّل التزام الدستور فعلاً ملهاة صادمة على ايدي انقلابيين يتلحفون زوراً بالاصول الشكلية المجوفة من مضمونها. يكفي تظهير النموذجين الأشد “طراوة” اللذين يرافقان رحيل الرئيس الحسيني المصطلَح على كونه عراب الطائف لتظهير المآل التراجعي للميثاق والدستور و”الكتاب” بما لا يتعين ان يفاجئ احدا طبعا ولكن لرسم علامات المستوى الخيالي الذي بلغه الانقلاب الناجز على معالم الدولة والجمهورية والتهيؤ لترسيخ وقائع التفكك الدائم وسيلةَ حكم وتسلط. يعدّ نموذج الفراغ الرئاسي المستعاد وسيلة ضغط قسرية في المفاهيم الدستورية والديموقراطية مجزرة وليس جريمة فقط تغتال عبرها حقوق اللبنانيين في انتظام انتقال السلطة ودوريته وفقا لأحكام الدستور، وكل تخلّف عن هذا الواجب الدستوري يعني ضرب الدستور وطعنه وانتهاك مصير مستقبل اللبنانيين. صار الفراغ على ايدي مغتالي الدستور والديموقراطية “ثقافة” ونمطاً وسقط اللبنانيون جميعا في امتحان الدفاع عن نظامهم وباتت شرعة الأقوى والسلاح والاستقواء والسلبطة وفرض الامر القاهر العنوان الذي يسوس الجمهورية الرازحة تحت أسوأ ما انتجه جيل التحكم والسلطة الذي يقيم اليوم على مصير لبنان.

إنهار مفهوم الالتزام بالدستور ونصوصه والأعراف والاصول الثابتة المسلَّم بها عالميا في الأنظمة الديموقراطية في لبنان انهياراً يفوق ضراوة الانهيار المالي والاجتماعي بدليل المسخرة المتصاعدة حيال ازمة حكومية لا تعكس سوى تصفية خلافات وكيدية وتبادل الطعنات الظاهرة والمستترة وأخذ مصالح اللبنانيين وحقوقهم والحاجات الأكثر الحاحا لهم بجريرة ترف اطراف يلهون بمآسي الناس بعدما اجهز العهد الآفل غير المأسوف عليه اطلاقا على كل بقايا صمود اللبنانيين. يتصاعد في كل مرة يتعين فيها إدارة الحد الأدنى من الانهيار عبر الحكومة غبار الصراع والتحديات كأن انعقاد مجلس الوزراء صار اختراقا للمحرمات وانتهاكا للمقدسات، فيما البلاد تغرق بأفضال الانهيار وتداعيات الفراغ الذي منَّ علينا به الرافضون للنظام والفارضون دستورهم الانقلابي بتوزيع أدوار فاقع. ولقد بات السكوت عن هذه الظاهرة المستجدة في استحضار النزق الطائفي عند كل هبّة ريح حكومية أو تحفّز لعقد جلسات مجلس الوزراء أشبه بإسلاس القياد تدريجا لفتنة تزحف متسللة تحت جنح اصطناع حراسة الصلاحيات الضائعة، فيما المنصب الأول في الدولة والجمهورية صار نهباً لاستعادات الفراغ المنهجية. كيف تُحمى صلاحيات رئاسة الجمهورية والجمهورية ورئيسها في خبر كان؟ أيّ قيمة لرئاسة حكومة وقد صادرت الحكومة اقطاعات هائمة مفككة لكل منها دستورها وقوانينها؟ أيّ معنى بعد لرئاسة برلمان يسبح في العجز أو التواطؤ على الدستور والأصول؟ أساساً أيّ قيمة باقية لهذا البرلمان الذي سقط بالضربة القاضية بعد اقل من شهور قليلة من انتخابه في مواجهة اول امتحاناته الأساسية؟




هذا التفكك الانهياري المتدحرج في واقع المؤسسات سواء كانت فارغة أم مملوءة، ليس حدثا طارئا ولا بدأ اليوم ولن يقف غداً. إنه نهج بات متأصلا يتآكل بقايا الأصول بإمعان متعمد يتهدد فعلا بقايا الطائف والدستور والنظام برمّته. ولن يعوّض سقوط الجمهورية التأسّي على رحيل مؤسسيها.