مباني بيروت تروي حكايات مدينة نهشتها الحروب وسياسة الإهمال

داخل أحياء متفرقة في العاصمة اللبنانية بيروت، مبان عريقة قديمة وحديثة، رسمت على جدرانها حكايات مدينة نهشتها الحروب وسياسة الإهمال ووقفت أمام الانهيار المالي والاقتصادي بحالة من اليأس والبؤس معا.
من عاش في بيروت أو يعرفها، لا بد وأن يعرف أو يسمع عن أشهر مبانيها وعماراتها العريقة، من فندق السان جورج، وفندق هولدي إن، ومبنى مسرح شوشو، وبرج المر، ومبنى مقر منظمة التحرير الفلسطينية في كورنيش المزرعة، ومباني الطريق الجديدة مقابل جامعة بيروت العربية، إلى مباني شارع عفيف الطيبي حيث كانت مقرات وسائل الإعلام الفلسطينية.
مبان حزينة، اخترقت رصاصات وقذائف وصواريخ الحرب جدرانها، ودمرت أجزاء منها، وأخرى توقفت عقارب زمنها عند ثمانينات القرن الماضي، ولفها الإهمال والتآكل الذي يهدد اليوم بسقوطها.
قرب منطقة عين المريسة على شاطئ بيروت الشمالي وفي الشارع الذي شهد الانفجار الذي جرت فيه عملية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق، رفيق الحريري، يقع فندق سان جورج، الذي بني أوائل الثلاثينيات واشتهر كونه مقرا لأثرياء لبنان وقادته والشخصيات العالمية والعربية.
كما كان الفندق الشهير يستقطب وجوه المجتمع الفني الراقي ونجوم العالم على غرار إليزابيث تايلور وريتشارد بورتون، بالإضافة إلى شخصيات من عائلات ملكية مثل شاه إيران السابق، وفنانين عرب مثل أم كلثوم.
تأثر الفندق بشكل كبير أثناء الحرب الأهلية اللبنانية حيث احترق ثم تحول متراسا للمتحاربين. وتم تعميره بعد نهاية الحرب، إلا أن التفجير الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، دمر أجزاء منه، وتسبب في إغلاق الفندق.

فندق سان جورج كان مقرا لأثرياء لبنان والشخصيات العالمية والعربية




أما مبنى فندق هوليدي إن فقد شيده المقاول عبد المحسن القطان بين عامي 1971 و 1974 وصممه المهندس المعماري الفرنسي أندريه فوجينسكي، بالتعاون مع المهندس المعماري اللبناني موريس هيندي من 26 طابقاً.
وقد افتتح فندق هوليداي إن في 1974 في ذروة الازدهار الاقتصادي لبيروت، عندما كانت المدينة المركز السياحي في الشرق الأوسط.
وكان فندق هوليداي إن يعمل بشكل طبيعي لمدة عام واحد فقط قبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975. كان الفندق عند “خط التماس” بين المتحاربين، وضمن منطقة حرب بدأت 1975 في صراع طويل دام أشهراً عرف باسم معركة الفنادق، حيث تحارب أكثر من 25000 مقاتل من أجل السيطرة على مجموعة من الفنادق الفخمة الشاهقة بما في ذلك فندق هوليداي إن وفندق فينيسيا بيروت المجاور، مما أدى إلى مصرع أكثر من ألف شخص (الكثير من الذين لقوا حتفهم ألقوا من قمة من هوليداي إن) كان كلا طرفي الصراع ينظران إلى الفندق على أنه هدف رمزي بدرجة كبيرة، لذلك كان القتال مستعراً من أجله والذي انتهى أخيراً في 21 آذار/مارس 1976.
فندق هوليدي إن اليوم، شبه مدمر، بعد أن كان ساحة معركة مرة أخرى خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت عام 1982. ومنذ ذلك الحين، ظل الفندق حطاماً مدمراً مثقوباً بالرصاص، يلوح في أفق بالمدينة.
هناك خلاف حول ملكية مبنى الفندق، فالشركة اللبنانية التي تمتلك نصفه، الشركة العقارية اللبنانية، ترغب في تجديده وتحويله إلى شقق سكنية، بينما تريد المجموعة الكويتية التي تمتلك نصفه الآخر هدمه وبناء برج جديد في نفس الموقع. وكنتيجة لهذا الخلاف، أصبح الفندق فارغاً ولم يمس بعد عقود من الحرب وسنة تشغيله القصيرة. ونظراً لموقعه الاستراتيجي في بيروت، جرى إعلان الفندق المدمر والمناطق المحيطة به مباشرة على مستوى سطح الأرض منطقة عسكرية تحت سيطرة الجيش اللبناني، الذي يمنع حالياً دخول المدنيين إليه.

بنايات العازارية

ووسط بيروت، بين ساحتي رياض الصلح والشهداء، العازارية، مجمع بنايات سكنها التعب والهدوء غير المعهود، والسكون القاتل المهيمن على متاجرها. هو المكان، الذي شهد عبر التاريخ أعمال عنف وآخرها في التحركات الاحتجاجية في وسط المدينة.

فندق هوليدي إن كان ساحة معركة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان

تعود حكاية بنايات العازارية إلى أواخر القرن التاسع عشر، وفقاً لما جاء في مجلة “المقاصد” العدد 21 (ص 120) حيث انتشر في حينه وباء أصيبت به عيون الأطفال في مدينة بيروت، والوباء نوع من الرمد يدعى التراخوما، و”لمكافحة هذا الوباء وعلاج أمراضه قدمت إلى بيروت بعثة من راهبات العازارية وضربت خيامها تجاه درج خان البيض- درج الأربعين- في المكان نفسه، الذي شيدت فيه بناية العازارية، وكان يومذاك أرضاً بائرة”.
على عقار مساحته 8363 متراً مربعاً، شيدت سبعة مبان مساحتها 34295 متراً مربعاً، بشكل ‏مربع، بتصميم من المهندس الفرنسي لوكونت، شكلت مجمع العازارية، إحدى المباني السبعة، ‏كان عمودياً مؤلفا من 13 طبقة، إلى طبقتين سفليتين تحت الأرض كانتا تستعملان مواقف ‏للسيارات. ‏
وكانت بنايات العازارية، ذات دلالة ورمزية لحقبة الازدهار والإنتعاش ‏الاقتصادي الذي شهدته بيروت، ونَعِم برخائه اللبنانيون، كل اللبنانيين بمختلف شرائحهم وأطيافهم ‏الاجتماعية والطبقية، بحكم الدور المركزي للعاصمة كحاضنة للبنان ورافعة لنسيجه المجتمعي، ‏لأنها كانت ملاذاً لكل باحث عن قيمته الإنسانية، فقد كانت العازارية مفعمة بالحياة، وتضج بحركة تشبه حركة المدينة التي لا تهدأ، حتى صارت ‏مدينة قائمة بذاتها، تختصر بيروت ووسطها بكل أنماطها وسلوكياتها المتناقضة والمتجانسة في ‏آنٍ معاً.‏

صفحة ناصعة في تاريخ بيروت الثقافي

ولمبنى المسرح الوطني الذي أنشأه الفنان اللبناني القدير حسن علاء الدين “شوشو” في ساحة الشهداء (ساحة البرج) وسط بيروت، حكاية فنية رسمت صفحة ناصعة في تاريخ بيروت الثقافي والفني والحضاري، مبنى ضخم، نهشت جدرانه رصاصات ودمرت أجزاء منه قذائف وصواريخ المتحاربين، أسكتت حركته، وخيم الصمت على ما تبقى من قاعته، ورسمت الحرب والقذائف على جوانب المسرح معالم الحزن والكآبة لما وصل إليه من دمار وحطام.
وفي منطقة مار الياس قرب المصيطبة في بيروت، المبنى الذي عاش فيه الجنرال الفرنسي شارك ديغول وعائلته (الرئيس الفرنسي السابق) وكان آنذاك ضابطا برتبة مقدم، عاش في مرحلة مهمة من حياته في المبنى من العام 1929 إلى العام 1932.
ثلاث سنوات، هي المدة التي قضاها المقدم في جيش “فرنسا الحرة” في حينه، في زمن الانتداب الفرنسي على لبنان، في هذا المبنى المؤلف من ثلاث طبقات، وصنّف مبنًى تاريخيًّا، وأدرج على لائحة الجرد العام للمباني التاريخية في 2 نيسان/ابريل 1974 ووضعت لوحة حجرية على مدخل المبنى في 18 حزيران/يونيو 1974 لتؤرخ هذا الحدث.

أعلى مباني لبنان

حتى سنوات الثمانينات من القرن الماضي، كان برج المر قرب منطقة الخندق الغميق، هو أعلى مباني لبنان، ورغم الإهمال ورصاصات وقذائف وصواريخ المتحاربين منذ العام 1975 وحتى 1990 التي تبرز معالمها في الجدران الداخلية والخارجية، وتحوله إلى مقر عسكري تابع للجيش اللبناني، فمبنى البرج الشاهق ما زال منتصبا، واتفق على تسميته “البرج الشاحب”. ويوصل برج المر قلب مدينة بيروت، بأطرافها كافة، شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، وبإطلالته على مقرّ رئاسة الحكومة اللبنانية.

العازارية صارت ‏مدينة قائمة بذاتها

وفي الأسماء تكمن حكاية برج سنوات عمره من عمر الحرب الأهليّة اللبنانيّة (1975- 1990) والتي هي برمزيتها كانت بين أضلعه، فتركت بصماتها الواضحة عليه، وجعلت منه شاهداً وتذكاراً، أي مكاناً للحفاظ على الذاكرة: ذاكرة المدينة بحلوها ومرّها.. أمّا تفاصيله، فتبدو وكأنّها تعانق زمن الحرب، ولا تزال تنتظر الخروج إلى الحياة مجدّداً: بناء عتيق، وجزء أساس من الماضي الذي لم يتبرّج، ومعْلم جغرافيّ للمارّين وسائقي السيارات.
تقول الكاتبة وفاء عواد “ينتصب في إحدى زوايا الوصْل بين شرايين بيروت التي تنبع كلّها من الذاكرة، حاوياً الكثير من هذه الذاكرة: ذاكرة ما قبل الحرب، بحكاية بدء تشييده عام 1970 على أرض كان يملكها النائب الراحل ميشال المرّ، في إطار المنافسة على من يمتلك أعلى برْج في بيروت، مع ما تختزنه من قصص ذاك الزمن الجميل، مروراً ببداية الحرب الأهليّة التي لم تتِح لمشروع المرّ التجاري أن يكتمل، وتركت في زواياه قصصاً وحكايات وحقائق، تشمل قناصين ومحاربين يسقطون من فوق سطحه” ووصولاً إلى اليوم الحالي، حيث لا يزال البرْج حجراً وهيكلاً من الباطون المسلّح، من دون لونٍ، إلا لون الإسمنت، إذْ لم يسكنه سوى القنّاصين خلال فترة الحرب، ولا يزال منذ تملّكه من قبل شركة سوليدير من دون أيّ عمليّة ترميم أو تطوير، أو حتى هدْم، وإنْ كان قُيّض له أن يتربّع على عرش أطول المباني في بيروت.
هي ذاكرة الحرب الأهليّة تركت آثارها في بنيانه، وتغلغلت بين أعمدته، فطبعته بشظاياها ومتاريسها ودمائها وفجواتها واختلافاتها. فيه يرى البعض أنفسهم وماضيهم، ومنه يرون الجهة الأخرى بعين قنّاص الحياة أو الموت. فيه يتعرّف البعض إلى ماضٍ سمع عنه أو لم يقرأه، ومن زاويته يقرأ سطور بيروت شارعاً شارعاً.
وبعد أن نال برج المر نصيباً كافياً من رصاصات وقذائف الحرب التي خرقت جدرانه وشبابيكه، تحوّل في زمن السلْم إلى ثكنة عسكريّة، تارةً لوحدات من الجيش السوري قبل انسحابه من لبنان عام 2005 وتارة أخرى لوحدات من الجيش اللبناني. وما بين المشهديْن، الحرْب والسلْم، لم يدخل في سجلّ هذا البرج سوى مبادرة يتيمة، في سياق ربْط ماضيه بحاضره، قام بها الفنّان والمهندس اللبناني جاد خوري، إذْ ضخّ عام 2018 البهجة في نوافذ البرج، التي هي أشبه بقبور مبنيّة في الفضاء، من خلال تزيينها بالستائر الملوّنة، ما كسر الشحوب النمطي لهذا البرج، وخفّف من صورته التي ترتبط بمتاهة الحرب ولعبة القنّاص القاتلة. علماً بأن المشهد المستجدّ لم يدمْ أكثر من شهر، لأسباب معلومة – مجهولة، تراوحت ما بين ارتباطها بملكيّة المكان من جهة، وبتواجد وحدات من الجيش اللبناني في الداخل وما يملكه من خصوصيّة من جهة ثانية.

برج المر أعلى مباني لبنان

وهكذا، لا يزال برج المرّ على حاله، شاهداً على الحرب، عابقاً بالذكريات المثقوبة بالرصاص، وبالتواقيع التي تركها بعضهم على الجدران. يطلّ ويشرف على أغلب شوارع بيروت، دون أن تصل إليه نعمة الإعمار وإعادة التأهيل. ومن البعيد، يبدو كأنه يعيش بهدوء لا يعيق الحياة، لكنه لا يحتفي بها، ولا يصارع لأجلها. وذلك، في مشهد لا يمكن للعابرين تجاهله.
تعتبر المباني العريقة، التي نهشتها رصاصات وقذائف الحرب في بيروت، وأيضا الإهمال، والانهيار المالي والاقتصادي الذي أصاب الحياة العامة بشلل كامل، تعتبر وجها من وجوه بيروت الحزينة، كتب على جدرانها المهشمة وبنيانها المتآكل، بأحرف من رصاص تاريخ حروب وصراعات دموية.
أكدت الوثائق التي اطلعت عليها “القدس العربي” في مكتبة بلدية بيروت ووزارة الثقافة والسياحة في لبنان، أن مبادرات عديدة أطلقت من أجل المحافظة على الأبنية التراثية والتاريخية، ومباني الفنادق المدمرة، لكن مجمل هذه المبادرات باءت بالفشل، بسبب سياسة الإهمال والخلافات والأزمات الاقتصادية التي تضرب البلاد.
ومع الانهيار الشامل الذي أصاب لبنان، يبدو أن هذه المباني ستبقى شامخة بهياكلها المتآكلة.





القدس العربي