نبيل بومنصف - النهار

“بيروت سيندروم”! – نبيل بومنصف – النهار

لا يكشف السيد جان العلّية جديدا بتأكيده العلني ان وزراء الطاقة المتعاقبين منذ اكثر من عشر سنوات على الوزارة يرتكبون مخالفات موصوفة للقوانين، اذ ان “شهرة” هؤلاء الوزراء وسياساتهم وأفضال التيار السياسي الذي فرضهم ولا يزال يفرضهم طبقت الآفاق. باتت كارثة الكهرباء هي المفتاح التعريفي عالميا للبنان وكارثته بما يُعرف ولا يُعرف من خبايا هذا “الاستقتال” للتيار “المحبوب” بالتمسك بوزارتها وبشهادة #جان العلية الذي هو في منصبه الرقابي على الصفقات وبالمواصفات الإصلاحية النادرة التي يتعامل بها مع ملفات الصفقات تتحول شهادته أشبه بحُكم المحكمة المبرم في زمن تغييب وغياب ودمار الواقع القضائي اللبناني. ومع كل ذلك ترانا نتساءل أمام الصفر تغذية في الكهرباء وحيال نشوب المعارك والمبارزات السجالية بين السرايا والتيار العوني حول مسؤولية الكلفة التي تتراكم كل يوم مع بواخر الفيول الراسية في عرض الساحل اللبناني وسط عتمة كالحة تعمّ لبنان وتخضعه لجشع كارتيلات أصحاب المولدات، نتساءل أي قيمة لأي ادانة مثبتة قانونيا وبشفافية لا يرقى اليها شك كشهادة جان العلية ما دام أحد في العالم لا يمكنه ان يزحزح موقفا او يبدل نمطا من أنماط السيطرة القائمة على اخطر قطاع حيوي خدماتي في البلاد منذ عقد ونصف عقد؟

انقضّ التيار الحليف لـ”#حزب الله” على #وزارة الطاقة وحوّلها اقطاعا مستداما له تماما كما فعل الثنائي الشيعي حين دشن انقضاضه على وزارة المال وجعلها اقطاعا له بقوة الفرض وبحجة التوقيع الرابع القسري لـ”الشيعة”. تكيّف الوسط السياسي والشعبي أيضا بطبيعة الحال مع هذه الانقضاضات وما خلّفته وتركته من تداعيات فجّة الى ان صار الامر شبه منسي بفعل التواصل والتراكم الى حدود منع فتح ملف “امتلاك” كل من الفريقين هذه الوزارة او تلك. قيل كل شيء منذ اهتزت دعائم وركائز المسمى “تفاهم مار مخايل” أخيرا إلا ما يتصل بأثر شراكة السيطرة قسراً على مفاصل الدولة والمؤسسات على نحو فضائحي في التسبب بانهيار لبنان. ومع ذلك ترانا ندهش تكرارا حين نراجع سجل التكيف السياسي مع هذا التمادي المخيف في ترك البلاد عرضة لسياسات تقويضية بهذا الحجم الكارثي.




هو تكيّف نخشى ان يتطابق مع توصيف يثير استغرابا للوهلة الأولى ورد أخيرا على لسان احد الديبلوماسيين الاميركيين الرفيعين السابقين والخبراء في الملف اللبناني ديفيد شينكر الذي يرى لبنان في حالة تكيّف وليس في حالة ازمة.

والحال ان قصة لبنان مع التكيف تذهب أبعد من مجريات موجة الزعيق المتصاعدة حاليا تحت ستار ازمة حكومية متفجرة في شأن سلفة الفيول او في ما يتعلق بسخافة التوقيع على المراسيم، مع ان “مراس” لبنان مع تجارب الفراغ الرئاسي صار مديدا ومتمرسا ولا حاجة به الى ازمات متفجرة عقيمة جديدة إلا اذا كانت من النوع المجزي في التوظيف الطائفي.

التكيف هذا اسقط اكبر واخطر ثورة اجتماعية عرفها لبنان في تاريخه قبل سنوات قليلة، كما اسقط كل الفرص المتاحة للتغيير الإصلاحي السيادي الحر بأيدٍ لبنانية حرة. الحديث عن التكيف هو المرادف لنهر الهجرة اللبنانية تاريخيا وحديثا فكيف باللحظة الراهنة؟ انه اشبه بـ”متلازمة استوكهولم” التي ترمز الى إصابة المخطوفين الضحايا بعشق جلاديهم الخاطفين. لا نحتاج إلا الى تبديل الرمز التاريخي لتغدو “#بيروت سيندروم” الرمز الأكثر والاوسع والاعمق خطورة في ظاهرة “التكيف” في بلد استطاب العتمة كما الانهيار بلا رفّة جفن.