سمير عطا الله

وباء – سمير عطالله – النهار

“الفئران تنفق في الشوارع، والرجال يموتون في بيوتهم، والصحف مهتمة بأمر الحُفَر في الطرقات”
البير كامو

كنت في مطار المغادرة أنتظر موعد الرحلة الى #بيروت عندما مرّا أمامي. سيدة ورجل، قد يكون زوجها أو شقيقها. لكنني انتبهت، وهما يتجاوزان، أنهما قاما بجولة أخرى وأصبحا أمامي من جديد. هذه المرة لاحظت ان الرجل يكاد يضع رأسه كلياً على كتف المرأة ويحدّثها بدون انقطاع، فيما هي تحني رأسها صوبه قليلاً لكي تسمعه جيداً. في الوقت الذي غابا عن ناظريّ وعادا في جولتهما الأخيرة، كنت قد أيقنت ان الكفيف لا “يتطلع” أبداً الى الأمام، إنه يتطلع فقط حيث عيناه. وهذا الضرير الأنيق عيناه على كتف رفيقته، اليمنى.




أيامَ كنا يافعين، كان بعض عميان بيروت لا يجدون القوت إلا في طلبه من المحسنين. يسير الأعمى الذي يشبك ذراعه في ذراعها، خلافاً للمألوف. وبعد قليل ظهرا من جديد، فأدركت انهما يمارسان رياضة المشي في انتظار رحلتهما. وعندما اقتربا أكثر لاحظت ان الرجل كفيف مفتوح العينين على بياض، مثل عميان جوزييه ساراماغو في روايته “مطالعة حول العمى”. شعرت بأسى مرير.

أمامه عصاه، يتحسس بها الأرض يمنة ويسرة للتأكد من انه فوق مساحة صلبة، ويناشد الله ان يساعد من يساعده. ذهب الرفيقان الى رحلتهما واستقللت طائرة بيروت، وبقيت صورتهما معي.

طوال الطريق وأنا أستعيد رواية البرتغالي ساراماغو. يصيب العمى فجأة مدينة، لا يطلعنا على اسمها أو مكانها، من اجل ان ننتقي نحن الاسم الذي ينطبق على المدينة التي نريدها، لأن العمى واحد في كل مكان. ومرير. وشقاء مروع.

ولا تفارقني صورة الرجل الضرير الذي هو من يشبك ذراعه في ذراع امرأة، ترى له كل شيء. عندما يضرب العمى مدينة ساراماغو فجأة، ويتساءل الناس عن السبب، تصرخ إحدى النساء قائلة: “الأعصاب. الأعصاب. إنها الشيطان بعينه”.

يتلبس ال#وباء المدينة.لا تعود الناس تعرف طريق العودة الى منازلها. وما عاد هناك أهل نخوة وشهامة يساعدون مَن وُلد أعمى، أو مَن ابتُلي في ما بعد. تقول صديقة من عارفات الزمان: “كل الخواطر المكسورة يمكن ترميمها إلا خاطر الأعمى كسْر أبدي”.

ألا يمكن ان يكون الأعمى عظيما؟ بلى… يمكن. هوميروس الاثيني كان لا يبصر. ابو العلاء الذي من معرّة النعمان، كان عظيماً، طه حسين الذي كان من الصعيد ومن مصر والسوربون، كان عظيماً ايضاً. لكنهم كانوا جميعاً بؤساء. والبؤس يفجر أحياناً عبقرية لا يعرفها النظّار. الصعيد والسوربون ثم إمام الحداثة هذا الأعمى الذي يخلع الطربوش، علامة التخلف والتجمد العثماني والامبراطورية التي منعت المطبعة والكتاب والمدرسة.

أخاف على حال التربية في عهد عباس الحلبي. هذا المحترم الصادق المخلص الذي ضُرب في عهده رغيف الاستاذ ومنقوشة التلامذة. وضرب العمى الجميع. لكنه افظع ما يكون في المدارس. يُضرَب المثل عادة بالرجل الهندي الذي يعتبر ان اعظم استثمار في حياته هو تعليم ابنائه. اصحاب المثل لا يعرفون ظاهرة اسمها #لبنان، حيث يباع اغلى ما في الأرض، من اجل تعليم الاولاد، وخصوصاً، البنات.

لا يستطيع الكفيف التطلع مستقيماً. إنه في حالة بحث دائمة عن الحواس، تنظم غياب الرؤية عيناه وأذناه، ولذلك يميل لكي يصغي الى كل همسة تهمسها دليلته. وحانيته.

طوال الرحلة الى بيروت وانا افكر في ذلك الرجل الانيق الذي يلوي رأسه جانباً. كم ذكّرني بشعبي. الشعب الذي لا يجرؤ على التطلع امامه لكي لا يرى الحقيقة. والحقيقة انه هو وحده المسؤول. ووحده يرفض أن يتطلع مستقيماً الى الامام. وبكل طفولية تائهة يرفض ان يتحمل مسؤوليته باحثاً عنها في كل مكان آخر عند الآخرين، متسولاً رضاهم، خاشعاً لإرادتهم، ممجداً حكمتهم، في تعذيبه.

عندما تأتمن وطنك عند مكتب الرهونات تستعيده مع حسومات الفوائد. أي ما تبقى، ليس ما تبقى منه، بل من رحمة المرابي. هو العشّار في الانجيل. الدنيء، السمسار الذي له العُشر من هنائك، وحياتك، وعائلتك، وما بقي من كرامتك.

تبقى زوجة الطبيب سالمة العينين في “العمى”، من اجل ان يبقى مبصرٌ، يرشد الناس الى منازلهم.

كذلك يبقى الدكتور “راي” معافى في “الطاعون”، رائعة البير كامو. لا بد من بقاء مُعين ما في كوارث الاوبئة. هل هناك توارد افكار بين عماء ساراماغو وطاعون كامو؟ فكرة الوباء الكبير والأمل الصغير؟ لا ادري. قد يكون هذا ربطاً متخيلاً بين حائزي نوبل الأدب. أو قد يكون مجرد “ربط نزاع” كما كان الرئيس سعد الحريري يسمي علاقته مع “حزب الله”. وحتى اللحظة لم استطع ان افهم كيف يلتقي الربط والنزاع في جملة واحدة وسياسة واحدة. ففي المنطق أنها تعني عربة تشد خيولها نصفها الامامي الى الوراء ونصفها الخلفي الى الامام. أو يفترض، وهذا الأرجح، أنها لا تعني شيئاً، مثلها مثل كل ربط وكل نزاع آخر.

المشكلة، أو المعضلة، في وباء لبنان ان الطبيب مصاب ايضاً. ومصابة كذلك الطبيبة. كما في “الطاعون” كذلك في “العمى”. لا وسطاء ولا محايدون ولا من يذكِّر اللبنانيين بأن هذا بلدهم. وهو ليس في حاجة الى ربط نزاع بين افرقائه وأسره، وإنما الى اصحاب رؤية. وقلب. وكل عام وأنتم بخير، في أي حال.