أية حسابات تقف وراء إقدام ميقاتي على المواجهة؟

ابراهيم بيرم – النهار

هل استعجل الرئيس #نجيب ميقاتي بالدعوة الى جلسة لحكومة تصريف الاعمال، أم ان الخصم المتربص به استدرجه الى فخ؟




السؤال طُرح بالحاح حتى مع نجاح جهود ميقاتي في عقد الجلسة عبر تأمين النصاب المطلوب. والثابت ان الرئيس ميقاتي كان قد خرج قبل اسابيع كما هو معلوم من مواجهة مكشوفة مع جبران باسيل كاسباً بالنقاط، خصوصا بعد صموده امام “إغارات” الاخير الشرسة عليه والرامية الى فرض تشكيلة وزارية بشروطه عليه، وأبقى حكومة تصريف الاعمال من دون اي تبديل او تعديل.

ولكن ثمة محاذير لم يتنبه اليها ميقاتي المعروف بحساباته الدقيقة وخطواته الموزونة، ومنها ان باسيل ليس من النوع الذي يسكت على الهزيمة، خصوصا ان ثمة من سعى الى تصويره لحظة خروج العماد ميشال عون من قصر بعبدا ان حضوره في الحكم والادارة الى افول وموقعه في الملعب السياسي الى ضمور.

وبمعنى آخر، اراد رئيس التيار البرتقالي عبر هجمة مرتدة ومنظمة قام بها اعادة الاعتبار الى موقعه ودوره واثبات قدرته على “اللعب مع الكبار” في الداخل والخارج، خصوصا بعدما استدعى الوزراء المحسوبين عليه في حكومة تصريف الاعمال الى جلسة مكاشفة وحساب في دارته في اللقلوق ليقطع الطريق على كلام سرى عن انه فقد الاتصال بهم بعدما انزاحوا هم الى مواقع اخرى.

واذا كان باسيل قد انصرف بعد خسارته الاخيرة الى ملعب المشاكسة والمشاغبة وفتح الحروب الصغيرة بشكل دائري، فان الرئيس ميقاتي قد خرج من تلك المواجهة التي استمرت اشهرا بعد الانتخابات النيابية مستريحا ومسترخيا وهو “يهضم” آثار ضربة وجّهها الى باسيل بناء على اعتبارات عدة، ابرزها:

– انه استعاد حضورا في الشارع السني المصاب بحال من الارباك وخلط الاوراق بعد الانكفاء الطوعي او القسري للاقوى في ساحته الرئيس سعد الحريري وتياره السياسي. مع العلم ان ميقاتي لم يكن يوما في وارد المنافسة وأخذ المكان.
– انه بدا رجل دولة في اصعب لحظات عمر هذه الدولة المنكوبة، إن لجهة خفض النفقات الى ادنى حدودها وهو يحسبها بأقل من مليار دولار خلال فترة ترؤسه، في حين ان حكومة سلفه الرئيس حسان دياب انفقت على مدى عمرها القصير ما لا يقل عن 17 مليار دولار.
– وفي الوقت عينه استمرت حكومته في استكمال التدابير والاجراءات المطلوبة إنفاذا لمندرجات خطة التعافي على نحو يشجع صندوق النقد الدولي على ابرام اتفاقه المنشود مع لبنان نهائيا.
واكثر من ذلك، كانت لحكومة ميقاتي خطواتها الانعاشية، وإنْ بحدود، في المجالات المالية والاقتصادية.
– وعلى مستوى الاداء السياسي نجح ميقاتي في تهدئة مخاوف المسيحيين فمدّ مع بكركي علاقات تنسيق بعدما ولج الى هذا الصرح التاريخي من ابوابه العريضة.
– وفي الموازاة، متّن ميقاتي اواصر علاقته المتينة اصلا مع الرئيس نبيه بري فيما ادار لعبة علاقة ذكية مع “حزب الله” الذي لحاجته اليه تغاضى عن كثير مما اعتبره مساً به.
وعليه، وفي المراحل الاخيرة تناهت الى مسامع ميقاتي وفريق عمله رسائل اعجاب من عواصم عربية وعالمية على ادائه الى درجة ان بعض هذه العواصم تداول سؤالا فحواه: ماذا لو لم يكن ميقاتي على رأس السلطة التنفيذية في بيروت؟
وفي طوايا هذا السؤال تختبىء معالم اعجاب وتقدير لهذا الاداء الموزون والدقيق الذي ساهم في ترميم مشهد مالي وسياسي بالغ السوء.
– وعلى المستوى الخارجي لم يترك ميقاتي محفلا عربيا او عالميا إلا شارك فيه ليؤكد ان هذا البلد ما زال ينبض، فضلا عن انه نجح في تظهير مظلومية هذا البلد من جراء تحميله مأساة النزوح السوري الثقيلة الوطأة عليه، او لجهة المطالبة باسناد لبنان حتى ينهض من كبوته.
– ولا يمكن تجاهل دور ميقاتي في ادارة الداخل وتناقضاته عبر اداء متوازن، وخصوصا من خلال عملية ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل.
ولكن كل هذه السردية لا تنطوي على الاجابة عن السؤال الاساس وهو: هل اخطأ ميقاتي الحسابات عندما قرر الدعوة الى جلسة لحكومة تصريف الاعمال ما سهّل على باسيل استهدافه؟

لعل ابرز سمات الاداء السياسي لميقاتي منذ دخوله معترك السياسة والنيابة في النصف الثاني من عقد التسعينات وصولا الى اليوم، انه يعرف قدرته ويقدّر حجمه. لذا كان يدرك سلفا انه قرر الولوج الى ميدان مزدحم بمنافسين له، وثمة استطرادا من لا يريد مشاركا له سواء من داخل ساحته الطرابلسية او السنية عموما ابان كانت هذه الساحة في قبضة الحريرية السياسية وكانت التهمة الجاهزة انه “وديعة” دمشق وصولا الى اليوم حيث الشبهة التي تلاحقه هي انه الوجه الآخر للرئيس نبيه بري، وانه يعدّ العدة ليصير شريكا في لعبة الحكم وتوازناته.

ومع ذلك، فان طيف الرجل يحضر في كل مرة تكون فيها البلاد على شفا مأزق سياسي. لذا سُمي رئيسا لحكومة الانتخابات التي أجريت عام 2005 ليدير مرحلة انتقالية بين مرحلة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما اعقبها من انقسام عمودي، وبين مرحلة البحث عن تفاهمات تهدئة ليسلّم بعدها الدفة والامانة الى الرئيس فؤاد السنيورة عندما تيقن من إخلال الآخرين بوعد اعطوه له بان يكون رئيس الحكومة الاولى بعد الانتخابات. وايضا نودي بميقاتي ليدير مرحلة عصيبة تلت اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري ابان وجوده في البيت الابيض وغداة اشتعال شرارة الحرب في الساحة السورية، وهو تخلى طوعا في سعي منه لتهدئة التوتر وخفض منسوب الاحتقان. والآن وبعد ما يقرب من عامين على توليه سدة الرئاسة الثالثة وفي ظل الشغور الرئاسي، صار ميقاتي بإقرار الجميع امرا واقعا وعنصر توازن اساسيا في الحكم. وثمة من يرى ان وجوده في هذا المنصب هو بفعل احتضان الثنائي الشيعي له، ولكن الثابت ان المعارضين له والكارهين لوجوده في السرايا الحكومية عاجزون عن ان يصنعوا بديلا منه، والدليل على ذلك انهم حاولوا ابان الاستشارات النيابية الملزمة بعد الانتخابات واخفقوا.
وفي كل الاحوال، يبدو ميقاتي انه يؤدي دور المبادر في حين ان خصومه في موقع رد الفعل، وقد بات حاجة على رغم ان ليس له كتلة يستند اليها او عصبية حزبية يتكئ عليها.