لا لإحياء الطروحات التقسيميّة! – رامي الرّيس – نداء الوطن

طالما أنّ الإنقسامات السياسيّة العميقة مستمرة حول الثوابت الوطنيّة الكبرى مثل الهويّة الوطنيّة ودور لبنان في المنطقة والخطّة الدفاعيّة وضعف الدولة، طالما أنّ الواقع اللبناني سيبقى ولّاداً لمشاريع هجينة وسيبقى أسيراً لسياسات التعطيل المؤسساتي والتنكيل بالدستور.

صحيحٌ أنّ وثيقة «الوفاق الوطني اللبناني» (إتفاق «الطائف») قد حسمت الجدل، لا بل النزاع، حول هويّة لبنان بإتجاه عمقه العربي الطبيعي؛ إلّا أنّ التوجّس التاريخي لبعض الأطراف السياسيّة منه وتقاطع مصالحها مع أطراف أخرى ولو إختلفت الأسباب أدّى عمليّاً إلى تهشيم الإتفاق وضرب العديد من مرتكزاته، بالإضافة طبعاً إلى الامتناع عن تطبيق جميع بنوده.




كما أتاحت المقاربة الطائفيّة وسياسة إعلاء المصالح الضيّقة على المصلحة الوطنيّة العليا بأنّ تتسلل طروحات قديمة-جديدة، من خلال سياسة رفضه من زاوية المسّ بالصلاحيّات الرئاسيّة وسوى ذلك من العناوين البرّاقة التي ترمي إلى دغدغة مشاعر شرائح معيّنة في المجتمع اللبناني، أكثر مما ترمي في حقيقة الأمر إلى إحترام التوازنات الجديدة التي أرساها الإتفاق الذي غلّب الإدارة الجماعيّة، وهي مسألة شائكة حتماً ولكنّها قابلة للتطبيق في حال توفر الإرادة السياسيّة لذلك.

وإذا كان اليمين المتطرف يُسجّل صعوداً ملحوظاً في الغرب من خلال تقدّم الأحزاب العنصريّة على حساب أحزاب اليسار والوسط، فإنّ إنعكاس ذلك في لبنان إنّما ينطوي على مخاطر كبيرة لأنه يُشكّل عنذئذٍ تهديداً مباشراً لصيغة العيش المشترك بين اللبنانيين، ويروّج لنظريّات فلسفيّة وسياسيّة لا تتماهى مع طبيعة الواقع اللبناني المعقد وتركيبته السياسيّة الفسيفسائيّة الخاصة.

الطروحات الفينيقيّة القديمة تنتعش من جديد في لبنان على ضوء تعطّل مؤسسات الحكم وتوازيها الطروحات الفدراليّة التي يَثبُت «علميّاً» عدم ملاءمتها للبنان، خصوصاً في ظل الإنقسام الداخلي الكبير حول السياستين الدفاعيّة والخارجيّة اللتين من المفترض أنهما من إختصاص «الحكومة الفدراليّة». فكيف يتوقع منظرو الفدراليّة أن ينجح هذا النظام في لبنان؟ تخيّلوا مثلاً لو أن تكساس وكاليفورنيا تختلفان على السياسة الخارجيّة الأميركيّة وعلى علاقاتهما مع المكسيك أو تشيلي مثلاً، هل كان من الممكن تطبيق الفدراليّة عندئذٍ؟

وإذا كان من الممكن الخوض في نقاشاتٍ علميّة ونظريّة عميقة مع مؤيدي تطبيق الفدراليّة في لبنان، فالمسألة ليست بالسهولة نفسها مع المنظّرين لطروحاتٍ سياسيّة قديمة مضى عليها الزمن مثل قضيّة إستعادة الأصول الفينيقيّة للبنان وإستحضارها ليس فقط في كتب التاريخ والتربية المدنية، إنّما أيضاً في فرض اللغات القديمة على المجتمع.

إن الدستور اللبناني، الذي تنقض عليه تلك المجموعات بالمناسبة، يكفل الحريّات الدينيّة وحريّة المعتقد والرأي، ولا يجوز التراجع عن هذه المبادئ التي لطالما شكّلت ميزة أساسيّة من ميزات لبنان في الإنفتاح والتعدديّة، لا بل الواجب الوطني والأخلاقي والسياسي يقتضي الحفاظ عليها بكل الإمكانيّات المتوفرة.

ولكن، الحفاظ على مساحات الحريّات الخاصة، لا سيّما الدينيّة منها، لا يعني القبول بإستعادة خطاب يميني قديم يصبّ في إطار الفصل بين اللبنانيين بدل الوصل بينهم، في لحظة إحتدام كبير على صعيد الخلاف المستعر وغير المنقطع حيال الهوية الوطنيّة ودور لبنان في المنطقة ومكونات سياسته الخارجيّة وأيضاً على المستوى الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي.

لعل هذه الخلافات العميقة يُفترض بها أن تشكّل حافزاً لجميع القوى السياسيّة والقوى الحيّة في المجتمع على حدٍ سواء أن تُقلع عن رمي مقترحات «أصوليّة» في سوق التداول السياسي، لا تساهم إلا في تأجيج الخلافات المحليّة وتعميقها دون طائل.

لقد تجاوز لبنان في سنين محنة الحرب الأهليّة الطويلة كلّ أفخاخ التقسيم وحافظ، من خلال إتفاق الطائف، على الوحدة الوطنيّة، فلا للعودة إلى الوراء!