ماذا يعني حرص “حزب الله” الشديد على الانفتاح على الطّيف المسيحي؟

ابراهيم بيرم – النهار

لا شك في ان “#حزب الله” يحتفي في غرفه الموصدة بمستوى الانفتاح المتقدم الذي أحرزه في الآونة الاخيرة في اتجاه قوى ومراكز ومرجعيات مسيحية بعضها تاريخي وبعضها الآخر وازن. فهذا التطور بالنسبة اليه “انجاز” يبنى عليه كونه يمهد لطيّ صفحة سلبية فرضت نفسها على عاتق المعنيين في الحزب في اعقاب ظهور نتائج #الانتخابات النيابية الاخيرة في أيار الماضي.
المعلوم ان الحزب أمضى بعد صدور نتائج الفرز أسابيع وهو في رحلة تقصٍ عن الاسباب والعوامل التي افضت الى “تقدم” الذين يناصبونه العداء في الشارع المسيحي وتأخر الآخذين خيار الانفتاح عليه وشراكته سياسيا. وتذكر المعلومات المتوافرة آنذاك ان الحزب وتحت وطأة هذا التطور الثقيل عليه سارع الى تأليف خلية عمل وظيفتها الحصرية مهمتان: تبيان العوامل السلبية التي قادت الى هذا التراجع، ووضع خريطة طريق لقلب الوقائع. وبحسب ما يروى ان اعضاء هذه الخلية زاروا واستقبلوا مئات الشخصيات والفاعليات المسيحية على تنوعها بغية الاستحصال على “تقدير موقف وتقييم نتيجة” للانطلاق منهما بهدف تغيير الخاتمة السلبية.




طبعا تعددت الاجابات واستطال حبل التكهنات، لكنها تقاطعت عند استنتاج اساسي هو “ان ثمة جهدا استثنائيا” توخياً لإنفاذ شعار عنوانه العريض: “بتر خطوط الحزب وقنواته مع الاجتماع المسيحي” انطلاقا من تشويه صورته في عمق هذا الاجتماع.
في استنتاجات الحزب حينذاك ان ذروة الخطأ الذي “خدم الاعداء” كان في ادائه المربك والغامض والملتبس في اعقاب انفجار مرفأ بيروت.

وبمعنى آخر، نجحت مروحة الخصوم الى اقصى الحدود في توظيف اعتراضات الحزب غير المفهومة الى اليوم على مسار التحقيقات القضائية لجلاء الحقائق عن اسرار هذا الانفجار المروع والمدمر وتحديد المسؤوليات. حينها وضع الحزب نفسه في “بوز المدفع” وفي موضع الشبهة بل التهمة. وفجأة تحول الحزب الى معتد ومعرقل في لحظة توتر واحتقان مسيحيين نجما عن سقوط مئات الضحايا، فضلاً عن تدمير أحياء بيروتية تاريخية وتراثية تقطنها غالبية مسيحية.
وقد زاد الوضع سوءا قصور دفاعات الحزب وحركة “امل” وفجاجتها في التعامل مع الموضوع وهشاشة تلك الدفوع الاعلامية وعدم مقبوليتها.

واستتباعا تجسدت ذروة المأساة في احداث الطيونة الدامية، اذ ان سوء الجهة الداعية والمنظمة للمسيرة الى قصر العدل سمح للفريق الخصم “القوات اللبنانية” بالظهور في صورة المُدافع عن المناطق المسيحية من “غزوة”، فكان ذلك مدخلا لشد عصب الشارع المسيحي.
واذا كان حزب “القوات” قد ضحّى بذلك بعلاقته المعقولة والدافئة مع حركة “امل” ورئيسها، الا ان مكسبه في شارعه كان مضاعفا اذ تركزت الهجمة على “حزب الله” وحلفائه المسيحيين. وبصرف النظر عن مغاليق تلك الفترة المهتزة امنيا، الا ان الحزب اقام نتيجة “استقصاءات” تلك الخلية على استنتاج اساسي صار بمثابة خريطة طريق له عماده الاساس ان ليس عندنا من كل مروحة القوى والمراكز المسيحية من “عدو” نحرّم التعامل معه إلا “القوات”، أما الباقون فهم “مشاريع صداقة” او خفض مستوى القطيعة معهم.

وبناء عليه، أخذ الحزب قراره بفتح كل نوافذ الحوار وقنوات التواصل مع مكونات هذا الشارع بأي شكل وبأي ثمن. وبعد مضي سبعة اشهر على تلك الانتخابات، صار في داخل الحزب من يكشف عن ارتياح الى ما يراه انجازات من شأنها ان تطوي صفحة السلبيات وتمهد لعهد جديد.
جهات الحزب المعنية بملف العلاقة مع المسيحيين تتحدث عن “انجازات اولية” على مستوى هذه العلاقة من شأنها ان تخرجها من دائرة التوتر والقطيعة. واهمية الامر في ميزان الحزب تنطلق من الآتي:
– الحزب ينطلق من مبدأ ان “لا دخان من دون نار”، وبصرف النظر عن أبعاد خبر لقاء #الكتائب و”حزب الله” الذي نفته الكتائب، فهو مؤشر ومعطى، خصوصا انه في ذروة الانقسام والصراع الداخلي الذي تلا اغتيال الرئيس رفيق الحريري زار الرئيس امين الجميل الامين العام للحزب بعد اغتيال نجله بيار مبديا استعداده لتنسيق سياسي، ما يعني ان الكتائب لا بد من ان تقرأ التطورات.

– يأتي ذلك في اعقاب سريان معلومات اعلامية عن عودة الاتصالات بين “حزب الله” والبطريركية المارونية، الامر الذي يفرض نفسه معطى سياسيا.
– كذلك فان احد ابرز مسؤولي الاتصالات في الحزب وفيق صفا زار قائد الجيش، والذي استُكمل بتصريح اشادة من نائب الحزب علي عمار بدور العماد جوزف عون في حسن ادارته للمؤسسة العسكرية. ورغم ان الامرين قد أتيا ليساهما في تبديد الاجواء التي سادت عقب الكلام الاخير لسيد الحزب عما اعتبره “هيمنة اميركية على هذه المؤسسة”، الا ان الثابت من كل ذلك ان الحزب بعد الانتخابات مباشرة استوعب كثيرا من نتائج تلك الفترة المنصرمة وتأثيرتها على وضعه من جهة، وحجز لنفسه “مساحة مميزة” في المشهد السياسي عنوانها العريض الانفتاح على الجميع (ما عدا “القوات”) وهي مساحة لم يكن يكلف نفسه في السابق عناء التفكير بها فضلاً عن السير بمقتضياتها.

إذاً اداء الحزب مغاير الى حد بعيد لادائه السابق، وتحديدا في المرحلة التي سبقت انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية. يومذاك “ضرب الحزب قدمه في الارض” معلنا ان “عون رئيس او لا رئيس”. كان في الامر تحدٍّ لمروحة واسعة من القوى بما فيها حليفه الرئيس #نبيه بري.
وفي هذه المرة يقدم الحزب اداء مختلفا، اذ رغم ان سيد الحزب تقدم اخيرا ليطلق “لائحة المواصفات” التي يرى ضرورة توافرها في الرئيس المقبل، الا ان هذا السلوك لا يعني تكرار التجربة السابقة نفسها رغم ان كثيرين يرون ذلك. فعدم تسمية سليمان فرنجية بالاسم مرشحا يزكّيه الحزب وانفتاحه على قائد الجيش وتمسكه بالرئيس التوافقي، كلها معطيات تشي بان الحزب ليس في وارد الذهاب في محاولة فرض ارادته ومشيئته حتى النهاية، اذ يترك فرصة للانفتاح على خيارات اخرى في لحظة معينة.