تموضع باسيل … أيّهما أبدى العقوبات أم الرئاسة؟

سابين عويس – النهار

هل كان على رئيس “التيار الوطني الحر” النائب #جبران باسيل أن يوافق على التقاط صورة له مع نجله من ملاعب #المونديال في #الدوحة، مع ما يعي انها سترتبه من استفزاز لمشاعر اللبنانيين من محبي كرة القدم العاجزين عن متابعة المباريات بسبب غياب النقل المباشر، كما بسبب عدم وجود تغذية كهربائية، أم أن الصورة تحمل في طياتها أكثر من رسالة ليس أقلها تجاوز باسيل تداعيات العقوبات الأميركية عليه على نحو يوحي بعدم تأثره بها، أو رهانه على تطور ما في شأنها؟




لم تتسم الزيارة بالطابع الخاص أو العائلي لمشاهدة المباريات، وهي الثانية له في اقل من اسبوعين، بعدما قرر باسيل ان تكون الدوحة بوابته الى الخليج، تماماً كما المملكة العربية السعودية هي بوابة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع.
بات واضحاً ان رئيس التيار عدٓل في استراتيجية مساره السياسي عبر عملية اعادة تموضع انطلاقاً من قاعدتين: احداهما في اتجاه “حزب الله”، والأخرى في اتجاه الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية. ويتكىء في كليهما على الدوحة التي تربطه بقيادتها علاقة جيدة وطّدها عبر التسهيلات التي قدمها لها العهد، فاتحًا امامها الباب اللبناني مدخلًا لدور خليجي على مستوى المنطقة، فضلاً عن دور استثماري في مجال النفط والغاز، وكان لقطر دور بارز في ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

لا يخطىء باسيل في تقدير الهامش المتاح امامه في الابتعاد عن الحزب او الحفاظ على مساحة تقيه “تهمة” التحالف معه التي تسوقها واشنطن ضد كل من يتعامل مع الاخير، وذلك لإدراكه ان الوصول الى بعبدا اليوم لم يعد ينجح تحت شعار “الرئيس القوي” في طائفته، والذي اتقن عمه العماد ميشال عون استغلاله في تحالفه مع الحزب وصولاً الى سدة الرئاسة الاولى. ولعل هذا ما يجعل ظروف باسيل في 2022 مختلفة تمامًا عن تلك التي حكمت وصول عون الى بعبدا.
وبقطع النظر عن الاختلاف في الظروف، والمقاربة السياسية لكلا الطرفين، فإن باسيل يخوض الاستقلال وحيدًا ومعزولاً عن أي حليف داخلي. ففي حين تمكن عون من انتزاع موافقة الفريق السني عبر سعد الحريري على تسميته عبر تسوية لم تصمد طويلًا، او الفريق المسيحي عبر تفاهم معراب، لم يكن مصيره افضل من التسوية مع الحريري، فإن باسيل لا ينطلق من مربع الصفر الحيادي، بل من خصومة مع الفريقين، اضافة الى الحليف الشيعي الآخر ضمن الثنائي، أي حركة “أمل”، تمامًا كما هي الحال مع القوى السياسية الاخرى كالتقدمي الاشتراكي أو الكتائب و”المردة” حتمًا.

لا يخفي القريبون من التيار حجم الخلاف مع الحزب وجديته، ولكن من دون ان يرقى الى مستوى فك التحالف، طالما لا يزال الفريقان في حاجة بعضهما الى البعض، وطالما ان باسيل لا يزال يتمتع بقوة شعبية ونيابية لا يمكن اسقاطها عنه بعد، رغم تراجعها.

يخدم هذا الخلاف باسيل في الابتعاد عن الحزب للاقتراب أكثر من المربع الغربي، معولاً على تعاطف فرنسي، يقيم وزناً لعدم تجاهل “حزب الله” وحلفائه. وهو يجهد من جهة من اجل تقديم اوراق اعتماده الى هذا الغرب بقيادة واشنطن، سعيًا وراء رفع اسمه عن لائحة العقوبات الاميركية، ومعلوم ان تلك العقوبات شكلت عاملًا اساسياً وفاعلًا في تعطيل مسارَي تشكيل الحكومة او انتخاب رئيس، كما يرمي الى استعادة الشارع المسيحي من جهة اخرى، سعياً الى استعادة التعاطف والدعم اللذين تراجعا بقوة في الفترة الاخيرة، وهما مهددان بمزيد من التراجع بعد خروج عون من بعبدا.

يعي باسيل ان حظوظه الرئاسية ضعيفة جداً إن لم تكن معدومة، بعدما تبلّغ صراحة من الحزب تبنّيه ترشيح سليمان فرنجيه، أو مرشحا توافقيا لا يستفز الشارع المسيحي، كما لا يستفز البيئة الشيعية، في ما لو تبين ان حظوظ فرنجيه لا تختلف عن حظوظ باسيل.
لذلك، لا يستبعد مراقبون ان تكون حركة باسيل اليوم تسير ضمن سلّم اولويات، يبدأ برفع العقوبات هدفًا أول، وهو قد باشر هذا المسار منذ اشهر، ويعول كثيرًا على الوساطة القطرية له مع الاميركيين، علماً ان هذا الهدف لم يعد سرًا، وقد كشفته السفيرة الاميركية دوروثي شيا في احدى مقابلاتها عندما قالت ان باسيل اعرب امام الاميركيين عن استعداده للانفصال عن الحزب وانما بشروط محددة لم تكشف عنها. والى هذه الاولوية ثمة حركة كثيفة داخليا وخارجيا، تكون المرحلة الفاصلة عن موعد انتخاب رئيس جديد او حتى ضمن فترة الفراغ كفيلة وكافية لاعادة ضبط قواعد اللعبة عبر تحصين وجوده في مواقع السلطة ومؤسسات الدولة، عبر حماية المكتسبات المحققة في سنوات العهد العوني، فضلاً عن حماية تماسك التكتل النيابي من مخاطر انفراط عقده تحت وطأة الانقسامات والتخبط الحاصلين الآن، والمؤهلين للتفاقم بعد انكفاء مؤسس التيار وتراجع قدرته على الامساك بمفاصل حزبه.