التعطيل يواكب التوتر الإقليمي ويذكر بمرحلة انتخاب عون… “حزب الله” نحو التشدد رئاسياً: فرنجية أو الفراغ!

ابراهيم حيدر – النهار

كل التوقعات تشير إلى أن انتخاب رئيس جديد للجمهورية لن يحصل في وقت قريب، وأن #الفراغ سيمتد لفترة طويلة. يعزز ذلك الصراع المحتدم بين القوى السياسية والعجز الداخلي عن اجتراح التسويات والفيتوات المتبادلة التي تمنع الاتفاق على اسم للسير في عملية الانقاذ، وأيضاً التوتر الإقليمي والدولي المستجد حول ملفات المنطقة، ما يؤدي إلى تأخير الاستحقاق في انتظار تطورات تُحدث تغييراً في موازين القوى. وتظهر المعطيات أن التوازنات الداخلية اللبنانية غير قادرة على انتخاب رئيس، وإن كان كل طرف سياسي وطائفي يمكن أن يغير في اللعبة ويدفع الأمور في اتجاه تسوية معينة. لكن الخلافات المستحكمة والصراع القائم في غياب أكثرية وازنة في مجلس النواب، تمنع السير في عملية الانتخاب أو حتى انجاز تسوية للملفات الخلافية، ويترجم ذلك بعدم قدرة اي طرف داخلي على المبادرة للوصول إلى نقطة التقاء وسطية. وعلى الرغم من ذلك بدأت تتضح التوجهات لدى الأطراف المقررين والممسكين بزمام الامور بفعل ارتباطاتهم الإقليمية، فـ”#حزب الله” بدأ يطرح مواقف علنية من الاستحقاق فرضتها تطورات المنطقة وتغيّراتها خصوصاً في إيران مرجعيته المقررة في الشأن اللبناني.




وفي غياب مبادرات خارجية باستثناء الحركة الفرنسية نحو الداخل اللبناني، يُصر “حزب الله” على إيصال “رئيس لا يطعن المقاومة”، وبات يتبنى اسم #سليمان فرنجية قبل إعلانه رسمياً للتأكد من القدرة على انتخابه وتشكيل أكثرية حوله، من دون أن يقطع مع “التيار الوطني الحر ” ورئيسه جبران باسيل الذي لا يزال يشكل عقبة في وجه اي تسوية تطال فرنجية، علماً أن باسيل نفسه يرفض أيضاً اسم قائد الجيش جوزف عون. والفشل الداخلي في انتخاب الرئيس يؤشر إلى عمق المأزق وحدّة الازمة، إذ تتراجع إمكانات التسوية لا بل أن القوى السياسية والطائفية تذهب إلى مزيد من الاصطفافات والتمترس في بيئاتها في انتظار كلمة سر إقليمية ودولية للسير في الانتخاب والتسوية وإن كانت على حساب اللبنانيين. ومع مرور أربعة اسابيع على انتهاء ولاية العهد العوني، بات الوضع اللبناني يذكر بمرحلة التعطيل والفراغ بين 2014 و2016، حين فُرض اسم ميشال عون كمرشح وحيد للرئاسة بعد صفقات دولية تمثلت بتوقيع الاتفاق النووي 2015 ومعه تسلمت قوى الممانعة السلطة في البلد برعاية “حزب الله”.

التباعد في المواقف الداخلية والتوترات الإقليمية المستجدة، سيفتحان على احتمالات التصعيد لتكريس الفراغ، فـ”حزب الله” بإصراره على إيصال رئيس ممانع، تبنى هونفسه في 2015 مرشحه ميشال عون كرئيس مقاوم واسم وحيد للرئاسة، فدخل البلد في الفراغ لسنتين، فيما السنوات الست من الحكم العوني المقاوم أوصلت البلد إلى الانهيار، وهو الحكم الذي انحاز طرفاً في المعادلة السياسية وأمن التغطية السياسية لـ”الحزب” من خلال منافع متبادلة أرهقت مؤسسات الدولة وصادرت صلاحيات الرئاسة الثالثة.

يبدو أن فرنجية هو المرشح الوحيد لـ”حزب الله”، ولا يُصرف كلام مسؤولين في الحزب ومن بينهم النائب محمد رعد الإيجابي تجاه قائد الجيش جوزف عون في أي مكان، فمواصفاته لا تتناسب وفق توجهات “المقاومة” وهيمنتها وفق مصدر سياسي متابع، بخلاف فرنجية الذي يشكل ضمانة لها، ولذلك سيصبح المرشح الأوحد بالطريقة نفسها التي قُدم فيها ميشال عون، وإن كانت الظروف مختلفة والأوزان متفاوتة.

مواقف مسؤولين ونواب من “حزب الله” الإيجابية الأخيرة من قائد الجيش، لا تعني بالضرورة أن الحزب يبقي الباب مفتوحاً أمام احتمالات أخرى. الأمر متوقف على التطورات الخارجية التي لا تصب حتى الآن في انجاز تسوية للملف اللبناني، لا بل أن الأمور تذهب نحو التوتر والتصعيد، وما كلام مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامئني إلا ترجمة للتوتر والذي قال إن “سياسة إيران الفاعلة في لبنان وسوريا والعراق كانت نتيجتها فشل مخطط أميركا في هذه البلدان”. فخامنئي يعيد تسليط الضوء على المسرح الذي سيكون ساحة تجاذب وتصارع ومن ضمنه لبنان، وإن كانت ساحته لا تزال هادئة لكنها قابلة للاشتعال في أي وقت، وبالتالي إعادة ترتيب محور الممانعة الذي أطلقه خامنئي سينطلق من لبنان إذا سُدت الأبواب في المنطقة وسينعكس بتشدد “حزب الله” حيال التسوية والانتخابات الرئاسية.

المشكلة بالنسبة إلى “حزب الله” هي أنه لا يزال يريد تغطية مسيحية، تشكل خسارتها ضربة قاصمة له، ويعلم أن هناك التقاءً مسيحياً بين العونيين و”القوات اللبنانية” على رفض فرنجية. لكن الحزب يستند في دعمه لفرنجية على موافقة فرنسية مبدئية وإن كانت لم تكتمل بتسويقه دولياً على اعتبار أن للرجل علاقات لم تنقطع مع دول عربية رغم أنه حليف لنظام بشار الأسد، انما الأمور ليست سهلة ما لم يتبن الأميركيون الاسم عبر صفقة مرتبطة بالإقليم. ويراهن البعض على استعادة أجواء المفاوضات التي جرت قبل انتخاب ميشال عون في 2016، فالقوات اللبنانية مثلاً تبنت عون لقطع الطريق على فرنجية الذي كان طرح اسمه الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري، وإذا تبنت “القوات” اليوم فرنجية فتكون هي صانعة العهد الجديد مسيحياً. هذا السيناريو أمامه معوقات كبيرة في ضوء تبني “حزب الله” المباشر للاسم الممانع إنما هو غير مستحيل إذا انعقدت تسوية اقليمية وصفقة دولية، وإن كان من المبكر الرهان عليها في ظل التوترات في المنطقة.

الأسماء المتداولة للرئاسة من خارج ما تطرحه القوى الرئيسية، لا حظوظ لها حتى الآن، ولم تتقدم المبادرات لتبنيها أو ترويجها. حتى الآن يبقى ميشال معوض الاسم الذي يتبناه معارضو “حزب الله”، فيما سليمان فرنجية غير المعلن رسمياً هو مرشح الحزب وحركة أمل وعدد من النواب الآخرين. النصاب الداخلي لتأمين الانتخاب سيبقى غير مؤمن إلى أن تتضح معالم الوجهة الدولية الجديدة لانجاز اتفاق شامل حول لبنان، وهو أمر مستبعد حالياً في غياب المبادرات الأميركية، وعودة التوتر والاصطفافات. وعلى هذا تعكس مواقف “حزب الله” التوجه الإيراني العام. فأولوية النظام الإيراني انهاء الاحتجاجات الداخلية، والعودة إلى مسار المفاوضات النووية، فيما يعتبره لبنان ساحة نفوذ لا يقدم تنازلات فيه. ولذلك يراهن الحزب مع فرنجية على الوقت والتعطيل لحسم المواقف، بالتوازي مع حدوث تطورات خارجية مواتية، انما المهم بالنسبة إلى الحزب أن أي تسوية يجب أن تُعقد حول اسم فرنجية. هذا يعني أن الاستحقاق الرئاسي معطل إلى أجل غير مسمى.