هل توقف الزمن عند فيصل كرامي؟

غسان الحجار – النهار

استعاد #فيصل كرامي المقعد النيابي بقرار من #المجلس الدستوري. ولا تعليق على قرارات المجلس إذ وجب دائماً عدم التشكيك المستمر في مؤسسات الدولة التي تعمل، من دون امتلاك أي إثبات، لأن التشكيك المستمر يعني إمعاناً في نسف المؤسسات وتعطيلها. وبالتالي يمكن القول إن كرامي استعاد حقاً له. لكن التصريح الأول للنائب كرامي بأنه سيتعاون مع الجميع في مجلس النواب إلا “القوات اللبنانية” أمر تخطاه الزمان، ولو كان من حق كرامي أن يتعاون مع “القوات” أو يمتنع عن ذلك، انطلاقاً من اتهامه حزب “القوات” باغتيال عمه الرئيس رشيد كرامي.




وسواء كانت التهمة صحيحة أو غير ذلك، فإن مصادر أمنية افادت سابقا بأن مسؤولية عملية الاغتيال تقع على عاتق الجيش، وتحديداً العماد ميشال عون آنذاك. لكن تلك الروايات غير المثبتة لا تفيد في شيء إلا نكء جراح وإثارة جدل عقيم.لا نناقش حقاً من حقوق كرامي، فرداً أو عائلة، ولكن السؤال عن الموقف السياسي، اذ لا يمكن لوريث عائلة سياسية، ووزير، ونائب، أن يعلن أنه لن يتعاون مع نواب زملاء، ومع وزراء من الفريق المذكور قد يحتاجهم في خدمات معيشية واجتماعية وتربوية وغيرها اذا تولى محازبون “قواتيون” حقائب معيّنة ومختصة في هذه المجالات.

ثم إن عدم النسيان شيء، وعدم المسامحة شيء آخر، وعدم التعاون أمر ثالث، وبالتالي فإن ما ينقص اللبنانيين، هو المصالحة، عبر الاعتراف والاقرار بالاخطاء وتنقية الذاكرة الفردية والجماعية للقاء الآخر في الوطن.في السياسة لا عدو دائم، ولا صديق دائم، ولعل كرامي يدرك الأمر جيداً، وهو بالتأكيد مطّلع على تصريحات السيد حسن #نصرالله في العام 1988 عندما كان يقول إن “العماد عون يمثل المشروع الصهيوني في لبنان”، وهو اطّلع على تصريحات الجنرال عون في ذلك الكتاب البرتقالي الذي اختفى من التداول حيال “حزب الله”، قبل أن يتحالف ويوقّع ورقة تفاهم معه.

وقد اطّلع كرامي حتما على ما كان رئيس الحزب التقدمي وليد جنبلاط يقوله عن الرئيس أمين الجميل مثلاً، وعن الأحزاب اليمينية، وعن الموارنة، قبل أن يصرح بما يناقضها تماماً. كما أنه اطّلع بالتأكيد على حرب المخيمات، وعلى صراعات “أمل” و”حزب الله” في الجنوب، وعمليات القتل المتبادل قبل ان يتعاونا في اطار الثنائي الشيعي.وقد تابع كرامي مجريات حربَي “الالغاء” و”التحرير” عندما تقاتل “الاخوة” معاً، ثم اتفقا، قبل ان يفترقا مجددا. كما تابع وقائع استقبال الرئيس السوري بشار الاسد للعماد عون وصحبه، وكيف زار الرئيس سعد الحريري الأسد ونام في ضيافته بعد اتهامه المباشر بقتل والده، وكيف رحبت كل “القوى الوطنية” بالراحل ايلي حبيقة حليفاً بعدما اشبعته تهماً بمجازر صبرا وشاتيلا.وقد قرأ كرامي اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان و”دولة إسرائيل” الموصوفة سابقاً بـ”العدو الإسرائيلي”.تتبدل المواقف السياسية بتغيّر الظروف والمصالح ولا يمكن أن تتجمد في مكانها لأن الزمن لا يتوقف.

وأما الجمود فهو قاتل حتماً، في السياسة كما في كل شيء آخر، لأنه يحول دون التقدّم ويبقي الإنسان عالقاً في الماضي السحيق.مغزى هذا الكلام ليس دفاعاً عن “القوات اللبنانية” وليس نصيحة “اخوية” للنائب كرامي، لكنها دعوة الى واقعية في السياسة اللبنانية، والبحث عن مشتركات للانطلاق نحو المستقبل، لأن فتح ملفات الحرب، وما رافقها من اغتيالات وتفجيرات و… يعني الاقتتال مجدداً، وخوض حروب أهلية مجدداً. ولا أظن أن ثمة رغبة في ذلك.