ما كان بين نصرالله وعون لن يكون بينه وباسيل

سابين عويس – النهار

العلاقة بين “#حزب الله” و”التيار الوطني الحر” ليست على ما يرام. هذا الإنطباع لم يعد همساً أو داخل الأروقة الخاصة بالفريقين، بل أصبح محطّ كلام كليهما، بعدما أضحت التباينات تتجاوز القدرة على التكتم حولها، وباتت تمس مصلحة كل منهما على حدة في المعركة الأقسى التي يواجهانها، معركة إحكام السيطرة والانخراط في الدولة بالنسبة للحزب، فيما هي معركة رفع العقوبات وتأمين الوراثة السياسية للتيار في قصر بعبدا عبر وصول رئيسه الى القصر حماية للمكتسبات ومنع سقوطها بخروج العماد ميشال عون منه.




لم تخلُ علاقة التيار بالحزب من محطات تباعد واختلاف، كان التيار غالباً البادىء بها على خلفية حرصه الدائم على الاستغلال الأقصى للتفاهم الشهير بين الجانبين في شباط 2006. لكن المصالح المشتركة كانت توفر دائماً المظلة الراعية له. ولولا ذلك التفاهم لم يكن للحزب المحاصَر داخلياً أن يحظى بالغطاء والشرعية المسيحية لسلاحه. ولولاه ايضاً لم يكن لعون ان يصل الى قصر بعبدا ولو على حساب تعطيل البلد عامين ونصف عام.

الخلاف اليوم جدي، وما يزيد خطورته ان احد راعييه خرج من المعادلة. فما كان بين الأمين العام للحزب وبين مؤسس التيار لن يكون عينه بين نصر الله ورئيس التيار #جبران باسيل الذي يسعى الى خلق مساحة تتيح له اعادة التموضع من خلال هامش ابعد مع الحزب يقرّبه من الغرب، ولا سيما الأميركيين، تمهيداً لرفع العقوبات عنه. ولهذه الغاية، بدّل باسيل لهجته، عائداً الى شدّ العصب المسيحي واعادة نبش محطات عديدة من التباينات والخلافات مع الحزب للتأكيد على التمايز. ولعل اكثر المحطات العالقة في اذهان اللبنانيين تلك المتصلة بتنحية المحقق العدلي في تفجير مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار بعدما أصر الحزب على التنحية وتعليق الجلسات الحكومية، فيما تمسك التيار بشعار إستقلالية القضاء.

لم يتوقف التيار عن التهديد بفضّ التحالف مع الحزب، لا سيما بعد رفض حركة “أمل” مثول النائب والوزير السابق علي حسن خليل أمام القضاء، للتحقيق معه في قضية انفجار المرفأ والتمسك بمطلبها مع “حزب الله” بضرورة عزل البيطار. اعلنها صراحة باسيل، في خطاب هو الأول من نوعه، مهدداً فيه بفض التحالف مع الحزب، قائلاً: “نحنا عملنا تفاهم مع حزب الله مش مع حركة أمل. ولما منكتشف إنّو الطرف الآخر يلّي صار بيقرّر مقابلنا بالتفاهم هو حركة أمل، بيصير من حقنا نعيد النظر”.

لا يخفي عونيون ان مضمون التحالف جيد، وكان الالتزام به جيداً رغم التباينات في بعض المحطات أو المراحل، او الملفات، من قانون الانتخاب الى معارك الثلث المعطل في حكومة الحريري، الى العلاقة مع الحريري، الى آلية التعيينات وملف الكهرباء ومعمل سلعاتا الذي بلغ فيه الامر بالعونيين الى التضحية بالحكومة وعدم إسقاط بند بناء المعمل، وصولاً الى احداث الطيونة. ولكن كل هذا لا يعني ان التفاهم لم يعد في حاجة الى اعادة نظر. ويحمّل هؤلاء مسؤولية الاخلال بالتفاهم، ولا سيما في ما يتصل بمفهوم بناء الدولة ومكافحة الفساد للحزب، ودائماً على قاعدة “ما خلّونا”.

يشكو العونيون دائماً من عجزهم عن التأثير على العلاقة او التحالف القائم بين الحزب وحركة “أمل”، رغم كل المحاولات التي قام بها “التيار البرتقالي” بإحراج الحزب عبر تخييره بين الوقوف الى جانبه أو الى جانب الحركة. أبرز محطات الاحراج تلك تجلت في اثنتين: ملف تنحية البيطار وأحداث الطيونة، من دون أن يعني ذلك ان محطات اخرى لا تقل اهمية مثل ملف الكهرباء والقرارات المطلوبة في مجلس الوزراء او في مجلس النواب.
يعوّل التيار على مبادرة الحزب الى حسم موقفه من أجل حماية التحالف وتحصينه، بعدما فشلت كل محاولات الترميم الجارية إن عبر لجنة مشتركة أو بالمباشر على مستوى القيادتين من خلال اللقاءات الطويلة التي جمعت باسيل بالامين العام للحزب السيد #حسن نصرالله. ويرى قريبون من التيار ان القرار عند الحزب إما في الاستمرار بالتحالف عبر الاعتراف بالخلل الحاصل والعمل على تصحيحه، وإما فكّه، مع كل ما سيرتبه ذلك من ضرر على الحزب، الذي سيفقد الحليف المسيحي القوي، والبقاء ضمن القوقعة الشيعية الى جانب الحليف في الثنائي. ويعول التيار في ذلك على عدم قدرة الحزب على بناء تحالفات جيدة ومتينة مع أي حليف مسيحي آخر، باستثنائه ورئيس تيار “المردة” الذي لايشكل غطاء مسيحياً كافياً له. ذلك ان التحالف الذي جمع الحزب بالتيار، كما بفرنجيه قائم على مبدأ دعم المقاومة وحقها المشروع في مواجهة اسرائيل.

يغفل التيار في المقابل أن قوته مستمدة من التحالف وما قدمه له من تنازلات وتسويات ودعم انتخابي لرفع حجم كتلته المسيحية.
ليس في افق الخلاف بين الطرفين ما يشي بأنه يمكن أن يصل الى حد فك التحالف رغم المستوى الذي بلغته التباينات. فالمصلحة المشتركة لا تزال قائمة لدى الطرفين، ولا سيما لدى باسيل الذي يخوض اليوم معركته الرئاسية وحيداً، وهو يحتاج الى دعم الحزب ونفوذه حتى لو لم يؤدِّ ذلك الى ايصاله الى سدة الرئاسة. يدرك رئيس التيار أن ظروف 2016 التي أوصلت عمه الى بعبدا غير متوافرة اليوم، وأن أي فريق ليس في وارد تعطيل البلد عامين ونصف عام من أجل ايصاله. لكنه، في المقابل، يدرك أيضاً ان الحزب عاجز عن التخلي عنه اليوم، فهو لا يسقط أوراقه قبل التأكد من امساكه بالورقة الرابحة في يده. ومرشحه فرنجيه لم تتوافر فيه بعد شروط الورقة الرابحة.

ثمة من يذهب في التحليل الى القول انها مسألة تبادل أدوار وان باسيل لا يزال ورقة رابحة في يد الحزب، طالما لا يزال مصراً على الورقة البيضاء في صندوق الاقتراع، وطالما لم يعلن اسم مرشحه، لكن هذا التحليل يجافي الواقع بحسب اوساط قريبة منه لأن المفاضلة لديه ليست بين فرنجيه وباسيل بل بين فرنجيه والمرشح الذي سيقدم اوراق اعتماده له في ما يتصل بالبند الاهم بالنسبة الى الحزب: الرئيس الذي يحمي ظهر المقاومة، ولا يطعن بها. وهذا البند يضيّق هامش الخيارات المطلوب توافرها لدى المرشح الموصوف بالتوافقي والذي يفترض ان تفضي اليه التسوية الرئاسية، كونها حتى الآن لم تتبلور بعد.
الاكيد ان باسيل عاجز عن تقديم نفسه مرشحاً توافقياً أو حتى الأقوى في طائفته، ولكنه يلبي شرط الحزب بحماية المقاومة، علماً انه ليس الوحيد على الساحة في هذا السباق، وان كان الوحيد العاجز عن تأمين التوافق حوله. اما السعي الى التمايز لإغراء الأميركيين، فلن يخدمه حتى من خلال بيعهم الترسيم لإدراك هؤلاء ان قرار الترسيم ليس قراراً عونياً بل قرار الحزب وخريطة طريقه هندسة رئيس المجلس.
وعليه، يبدو #الاستحقاق الرئاسي المحطة المفصلية التي ستحكم مستقبل التحالف بين الأصفر والبرتقالي، تقارباً أو تباعداً، مع ما سيترتب نتيجة ذلك من أثمان على الفريقين دفعها.