طرابلس: ماذا يعني سياسيًا سقوط فنج واسترداد كرامي مقعده؟

جنى الدهيبي – المدن

مثلما كان متوقعًا، تمكن فيصل كرامي من استرداد المقعد النيابي السنّي عن طرابلس من رامي فنج، في هزيمة بقي يرفضها إلى أن أعلن الخميس المجلس الدستوري قبول الطعن الذي سبق أن قدمه. ومثله أيضًا، استرد حيدر ناصر -وهو كان مرشحًا على لائحة فنج “انتفض للسيادة للعدالة”- المعقد العلوي في طرابلس من فراس سلوم، الذي فاز في انتخابات أيار 2022 على لائحة النائب إيهاب مطر.




وجاء قرار المجلس الدستوري تزامنًا مع انعقاد جلسة البرلمان السابعة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وتكللت بالفشل كسابقاتها، وسط انقسامات حادة بين الكتلة البرلمانية التي ما زالت عاجزة التوافق بأغلبية الثلثين لملء الشغور الرئاسي.

ومع دخول نائبين جديدين إلى الندوة البرلمانية، وكلاهما من دائرة الشمال الثانية، يتساءل كثيرون عن انعكاساته السياسية، على مستوى طرابلس من جهة، وعلى مستوى توازنات البرلمان من جهة أخرى، وإن كان تأثيرها محدودًا.

بين كرامي وفنج
لم تشهد طرابلس أي تفاعل شعبي ملحوظ مع قرار المجلس الدستوري، رغم تأثيره الحاد لجهة إحداث تغيير بمقعدين برلمانيين من أصل ثمانية. وفي رصد لبعض المواقف، اقتصرت على مباركات من أنصار ومؤيدي كرامي، مقابل التعبير عن خيبة وحسرة انتابت أصدقاء ومعارف النائب “السابق” رامي فنج.

غير أن كرامي في تصريحاته اليوم تعاطى مع فوزه المتأخر كتحصيل حاصل، وقال إنه كان لديه قناعة أن النتائج هي لصالح لائحته وأن لديهم 3 حواصل بدل اثنين، ذهبا لصالح حليفيه النائبين طه ناجي (أحباش) وجهاد الصمد في الضنية. و”هذا الأمر حقّ لكل من صوّت لهذه اللائحة، ومنذ أنّ قدّمنا الطعن كنا متأكدين من أننا لسنا خاسرين”.

وللتذكير، فإن خسارة كرامي في انتخابات أيار الفائت، كانت العنوان السياسي الأبرز في طرابلس، التي خاضت الانتخابات لأول مرة بلا تيار المستقبل. وكذلك بلا أن يترشح شخصيًا رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي.

وحينها، كان سقوط فيصل عمر كرامي، كأبرز شخصية سنية شمالية من بيت سياسي له تاريخه، صادمًا، خصوصًا أنه أتى في سياق خسارة مدوية لحقت بعدد كبير من المرشحين السنة المدعومين من حزب الله.

لا ينكر أحد أن لكرامي قاعدته الشعبية الثابتة والتقليدية في طرابلس، والتي كانت توصف بـ”بلوك كرامي”، وهو لا يخفي علاقة ممتازة تاريخية مع النظام السوري، وتحالفًا عميقًا مع حزب الله.

ومع خروج زعيم تيار المستقبل سعد الحريري من المشهد السياسي، قبيل الانتخابات، روج كرامي لنفسه وبطريقة غير مباشرة، إلى أنه مرشح طبيعي يستحق تولي رئاسة الحكومة، وهو ما عجز حزب الله (ربما بإرادته)، منذ سنوات عن تسويقه كمرشح لرئاسة الحكومة.

لكن مع عودة كرامي إلى البرلمان من بوابة مظلوميته، ومع تراجع دور وتأثير الحضور السني فيه، يرى كثيرون أنه سيسعى جاهدًا للاستفادة من دعم حزب الله له. وبالطبع، فإن خيارات كرامي بانتخابات رئاسة الجمهورية ستصب بخانة ما يريده الحزب أولًا (سليمان فرنجية راهنًا)، رغم تصريحه اليوم أنه “لا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية من دون توافق وحوار”. وعليه، يعتقد مراقبون أن كرامي سيسعى في العهد الرئاسي الجديد، الحصول أقله على حقيبة وزارية، كمكافأة لـ”تضحياته”!

في هذا الوقت، لم تحدث خسارة طبيب الأسنان رامي فنج لمقعده صدىً كبيرًا في طرابلس، رغم أن فوزه حينها وضع في خانة انتصار “الثورة”، وكان واحدًا من 13 نائبًا حملوا شعار “نواب التغيير” قبل أن تتسلل الخلافات العميقة فيما بينهم.

لكن فنج، ورغم إجماع كثير من محبيه وداعميه على مناقبيته وحسن خلقه، إلى أنه لم يثبت أي تميز بالساحة السياسية عمومًا، وعلى مستوى منطقته وطائفته بشكل خاص. إذ سرعان ما انضوى تحت لواء المؤسسة الدينية في دار الافتاء، كما صوت لصالح ميشال معوض للرئاسة بالتوافق مع حزب القوات وحلفائه.

ناصر والساحة العلوية
توازيًا، لم يحدث سحب النيابة من فراس سلوم المدعوم من النائب إيهاب مطر أي صدى على الساحة العلوية في جبل محسن. وتشير أوساط شعبية هناك، أنه سرعان ما اختفى عن المشهد، ولم يحظ بحضور لافت، علمًا أن أبناء الجبل كانوا يفضلون وصول نائب من نسيجه الشعبي والسياسي ويسعى لخدمتهم.

ورغم أن النائب الجديد حيدر ناصر كان مرشحًا على لائحة فنج، إلى أن فوزه بالطعن لقي ترحيبًا بأوساط الجبل. وتشير معلومات “المدن” أن ناصر لن يكون حتمًا محسوبًا على نواب التغيير كما كان فنج، بل سيكون صوته أشبه بـ”بيضة القبان” الذي سيصب في نهاية المطاف بمصلحة حزب الله وحلفائه، وإن كانت لا تربطه علاقة مباشرة معه.

وفي سيرته الذاتية، فإن ناصر هو طبيب لبناني جراح، عمل داخل لبنان وخارجه، ويحظى بصيت مهني جيد. كما يتحدّر من عائلة علوية متوسطة ومتعلمة، فوالده مترجم، والسفير اللبناني السابق آصف ناصر في كازاخستان، ووالدته أستاذة معروفة في الجامعة اللبنانية في قسم اللغة العربية، مها خير بيك.

ويقول مقربون منه لـ”المدن” إن ناصر في السياسة “عروبي”، وعائلته من مؤيدي النظام السوري، ولا تربطه أي علاقة مع فرنجية، لكنه على بداية بناء علاقة مع النائب جبران باسيل. ويجزم هؤلاء أنه لن يكون دعمًا لانتخاب ميشال معوض للرئاسة أو أي شخصية مشابهة له.

وعليه، وفي الحسابات الرئاسية الكبرى، يبدو أن حزب الله وحلفاءه، ورغم خلافاتهم العميقة راهنًا التي تدور حول فرنجية وباسيل أو خيار ثالث لم ينضج بعد، تمكنوا من كسب نائبين من طرابلس في معركة جمع الأصوات بوجه خصومهم.