“مجرد مصافحة أم اختراق بالعلاقات”.. ماذا يعني أول لقاء بين أردوغان والسيسي في قطر؟

تصافح الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والمصري عبد الفتاح السيسي الأحد للمرة الأولى على هامش افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر، وهو ما أعاد إلى الواجهة مجدداً ملف إعادة تطبيع العلاقات بين البلدين وفتح الباب واسعاً أمام الأسئلة حول ما إن كان ما جرى هو “مجرد مصافحة ” أم “اختراق حقيقي” في مسار تحسين العلاقات الذي شهد تعثراً لافتاً في الأسابيع الأخيرة بسبب عودة الخلافات حول الملف الليبي وشرق المتوسط.

وبحسب صور نشرتها وكالة الأناضول التركية الرسمية ظهر الرئيس التركي وهو يصافح نظيره المصري وعددا آخر من الزعماء العرب على هامش افتتاح كأس العالم في قطر، كما ظهر أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني إلى جانب الرئيسين اللذين تبادلا الابتسامات وحديثاً مقتضباً.




وبينما نشرت الرئاسة التركية صور المصافحة بين أردوغان والسيسي إلى جانب عدد من الزعماء العرب والأجانب المشاركين في حفل افتتاح المونديال، لم تشر مصادر رسمية مصرية أو حسابات الرئاسة إلى اللقاء بشكل مباشر. ولم يعلن سابقاً عن أي خطط لحصول لقاء بين الزعيمين على هامش وجودهما في الدوحة.

وعلى الرغم من استبعاد أن يكون اللقاء جرى الترتيب له بشكل مسبق، واعتبار ما جرى “مجرد مصافحة” بين أردوغان والسيسي على غرار ما جرى مع باقي الزعماء، إلا أنه يعتبر اختراقا كبيرا في العلاقات بين البلدين وبين الرئيسين بشكل خاص عقب سنوات طويلة من القطيعة والخلافات السياسية الحادة.

كما تكمن أهمية اللقاء أنه يأتي عقب أسابيع قليلة من إعلان القاهرة تعثر المباحثات مع أنقرة حول إعادة تطبيع العلاقات بسبب تجدد الخلافات بين البلدين حول الملف الليبي وشرق المتوسط وهو ما يؤشر إلى إمكانية عودة قريبة للمحادثات الاستكشافية التي توقفت والتي كان يتوقع أن تتطور لمباحثات دبلوماسية رفيعة ولقاء على مستوى وزراء الخارجية يمهد لعقد لقاء بين أردوغان والسيسي.

يضاف إلى ذلك، رمزية وأهمية حصول المصافحة الأولى في قطر التي أعادت تطبيع علاقاتها مع مصر مؤخراً، حيث جرى الحديث كثيراً عن إمكانية أن تلعب الدوحة دور الوسيط لإعادة تطبيع العلاقات بين القاهرة وأنقرة التي لا تخفي رغبتها الواضحة في تحسين العلاقات مع مصر في سياق مسار دبلوماسي أوسع يهدف إلى العودة لسياسة “صفر مشاكل” التي نجحت من خلالها في إنهاء الخلافات مع السعودية والإمارات ودول أخرى تعتبر حليفة للقاهرة.

ومع إعلان القاهرة تعثر المباحثات ومساعي إعادة تطبيع العلاقات مع تركيا بسبب الغضب المصري من خطوات أنقرة الأخيرة في ليبيا، عاد إلى الواجهة مجدداً سيناريو تدهور العلاقات بين البلدين وشبح الصدام الذي كاد يتحول إلى مواجهة عسكرية كارثية بينهما عقب تفاقم الخلافات والتنافس الإقليمي بين البلدين حول الملف الليبي قبل نحو عامين.

وعام 2020 تدخلت تركيا عسكرياً إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس ضد قوات حفتر والمليشيات المدعومة من مصر والإمارات آنذاك ونجحت قوات الوفاق في الوصول حتى حدود مدينة سرت الليبية بدعم من الجيش التركي قبل أن تخيم أجواء توتر غير مسبوقة على العلاقات التركية المصرية، حيث استنفر الجيش المصري قواته وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من اجتياز القوات المدعومة من تركيا مدينة سرت ملوحاً بالخيار العسكري وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول شبح المواجهة العسكرية بين البلدين.

وعقب قرابة عامين من تراجع التصعيد في الملف الليبي وتراجع الخلافات الإقليمية وخاصة بين مصر وتركيا التي سعت إلى إعادة تطبيع العلاقات مع القاهرة منذ أكثر من عام، عاد التوتر مجدداً بين البلدين مع توقيع أنقرة وطرابلس على اتفاق للتعاون في التنقيب عن الغاز والنفط في حدود مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين البلدين والذي يتعارض ويتداخل مع مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وهو ما دفع البلدين لإعلان رفض الاتفاق والتلويح بإجراءات لمنع أي تحركات تركية في المناطق المتنازع عليها.

ومنذ أشهر طويلة، جرت مساع واسعة لإعادة تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر، حيث جرت أكثر من جولة من المباحثات الاستكشافية وخطوات بناء الثقة والإجراءات المتبادلة وهو ما كان يتوقع أن ينتج عنه اتفاق على إعادة تبادل السفراء قد يمهد للقاءات سياسية على أعلى المستويات من البلدين، إلا أن التطورات الأخيرة يبدو أنها نسفت ما جرى التوصل إليه وأعادت الخلافات إلى المربع الأول.

والشهر الماضي، كشف وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات تلفزيونية، أنه “لم يتم استئناف مسار المباحثات مع تركيا لأنه لم تطرأ تغيرات في إطار الممارسات من قبل أنقرة”، وقال: “الأمر يرجع مرة أخرى إلى ضرورة الالتزام بالمعايير والقواعد الدولية”، مشيراً إلى أنه “من الأمور التي تثير القلق هو عدم خروج القوات الأجنبية من ليبيا حتى الآن وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق هذا الهدف”.

ومنذ أكثر من عام، بدأت تركيا مساراً لإعادة تطبيع العلاقات مع دول المنطقة ونجحت تدريجياً في إعادة تطبيع العلاقات مع الإمارات والسعودية وإسرائيل ودول أخرى حول العالم، إلا أن المسار المتواصل مع مصر واجه صعوبات بالغة ولم يجر حتى اليوم تحقيق اختراق حقيقي يتمثل في إعادة تبادل السفراء أو عقد لقاءات سياسية على مستوى متقدم، حيث بقيت الاتصالات على مستوى الاستخبارات والدبلوماسية المنخفضة، قبل أن تعلن القاهرة عن تعثر هذا المسار بسبب تصاعد الخلافات حول ليبيا.

وإلى جانب معيقات مختلفة تتعلق بالتنافس الإقليمي والخلاف الجوهري المتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين ودعم المعارضة المصرية وقنوات المعارضة في تركيا وغيرها، كان ملف ليبيا وشرق المتوسط أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين، حيث تدعم تركيا حكومة الدبيبة في طرابلس بينما لا تزال القاهرة تدعم برلمان طبرق والحكومات المنبثقة عنه، إلى جانب اصطفاف القاهرة إلى جانب اليونان في حسابات شرق المتوسط التي تعتبر حالياً بمثابة القضية الاستراتيجية الأولى لتركيا.

وعلى الرغم من أن تركيا ردت على الانتقادات المختلفة بالتأكيد على أن “المذكرات هي مسألة بين دولتين تتمتعان بالسيادة، وهي مكسب للطرفين وليس للدول الأخرى الحقّ في التدخّل في هذه الأمور”، إلا أن وزارة الخارجية التركية فضلت حصر ردها وانتقاداتها آنذاك لليونان والاتحاد الأوروبي وتجنب الدخول في صدام مباشر مع مصر التي لم يذكرها بيان الخارجية التركية، وهو ما يؤشر إلى رغبة تركية في امتصاص الرد المصري وتجنب التصعيد والدخول في دائرة من التصريحات المتبادلة التي قد تتدحرج لتعمق الأزمة بين البلدين.

وعلى الرغم من أن تركيا اتخذت خطوات مختلفة على صعيد بناء الثقة مع القاهرة لا سيما وقف بث العديد من قنوات المعارضة المصرية من أراضيها والحديث في الأيام الأخيرة عن توقيف شخصيات إعلامية ساهمت في الدعوة لتظاهرات 11.11 في مصر، ورغم نجاح أنقرة في قطع خطوات سريعة في مسار العلاقات مع الإمارات والسعودية حليفتي السيسي، إلا أن التطورات تظهر أن الخلافات حول الملف الليبي كانت أعمق وأكبر من أن تحتويها الخطوات الإيجابية في الملفات الأخرى وهو ما يبقي مصير العلاقات بين البلدين مرهونا بالتطورات في هذا الملف.