آمال فرنجية ببلوغ قصر بعبدا تكبر يوماً بعد يوم

ابراهيم بيرم – النهار

بعد الكلام الذي أطلقه الأمين العام لـ”#حزب الله” السيد حسن نصرالله الجمعة الماضي والمنطوي على مواصفات يراها للرئيس المقبل ويصر عليها خياراً نهائياً والتي لا تنطبق إلا عليه حصراً، وفي أعقاب الكلام الديبلوماسي الذي جاهر به رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والذي أعلن فيه بكل شفافية ووضوح أن تمنياته أن يرى صديقه في سدة الرئاسة الأولى فإن زعيم تيار “المردة” #سليمان فرنجية بات يتصرف على أساس أنه وضع قدمه اليمنى على عتبة قصر بعبدا الشاغر منذ نهاية الشهر الماضي وأنه صار على مقربة من دخول هذا القصر الذي تصوّر قبل ستة أعوام أنه صار سيده لكنه اضطر تحت ضغط الحليف ومونته عليه أن يتراجع خطوة الى الوراء موعوداً بأن الولاية التالية هي من نصيبه حكماً.
ثمّة ولا ريب فارق بين مواصفات نصرالله وبين تمنيات ميقاتي. فالأول يملك من القدرات والإمكانات ما يجعل دعمه أمراً يُعتدّ به ويُبنى عليه فيما الثاني وإن كان بلا كتلة نيابية بعيد الانتخابات الأخيرة وأعيد تكليفه فإن مجرد تزكيته لفرنجية عبر فضائية “الجزيرة” القطرية ينطوي على دلالات رمزية غنية في هذه المرحلة على كل المستويات.
فهي تزكية “سنية”للمزكى وهي أيضاً مؤازرة من أحد أضلاع المثلث القابض بشكل أو بآخر على زمام معادلة الحكم في الآونة الاخيرة. هناك من يقلل من أهمية هذه التزكية ويعتبر أن ميقاتي شاء عبرها تقديم أوراق اعتماد للمرحلة المقبلة ليحجز لنفسه مكاناً في هذه المرحلة خصوصاً أن رئيس حكومة تصريف الأعمال قد تناهى الى علمه المعادلة التي روّجت لها وسائل الإعلام ومفادها أنه في مقابل إمرار فرنجية رئيساً يتعيّن على الطرف الآخر تلقائياً تكليف شخصية لرئاسة الحكومة. وعلى رغم بلاغة ذلك التحليل ثمة معطيات ووقائع تراكمت منذ فترة عززت آمال فرنجية بولوج عتبة القصر الذي حُرم من دخوله قبل ستة أعوام.
فالمتصلون بفريق عمل فرنجية يخرجون باستنتاج فحواه أنهم يتصرفون على نحو أن زعيمهم صار أقرب الى #القصر الرئاسي منه في أي وقت مضى، وأن كل محاولات خصومه الذين بكروا في محاولاتهم الجادة لعرقلة هذا المبتغى من خلال توجيههم ضربة له في الانتخابات أولاً ومن ثم تبنّيهم لترشيح منافسه في عقر داره النائب ميشال معوّض مؤمّنين له هذا الكمّ من الأصوات وهذه المساحة من التظهير الإعلامي طوال خمس جلسات متتالية، على وشك أن تخيب مساعيهم.
فليس خافياً أن اللاعب السياسي الأبرع الرئيس نبيه بري وإن كان لا يسمّي فرنجية مرشحه النهائي فإن ألسنة المحيطين به تلهج يومياً بأنه هو خيارهم المفضّل للرئاسة في ساعة الحسم والجدّ. وتلك علامة فارقة أن يحظى فرنجية بتأييد طرفي الثنائي الشيعي معاً، وهو أمر لم يكن متوفراً إبان جلسات انتخاب الرئيس عون لملء الشغور في عام 2016.
دلالة أخرى تصبّ في خانة فرنجية وتعزز أوراقه وهي الطريقة اللافتة التي أُجلس بها في منتدى اتفاق الطائف الذي نظمه السفير السعودي وليد بخاري في قصر الأونيسكو قبيل فترة قصيرة. فلم يعد خافياً أن فرنجية أمّنت له فرصة الجلوس في الصف الأمامي مع الرؤساء وممثليهم. وإثر ذلك سرت معلومات فحواها أن فرنجية أبلغ من يعنيهم الأمر خصوصاً من الحلفاء بأنه وجد في هذا المشهد في قصر الأونيسكو نصف فتحة سعودية عليه وعلى مسألة ترئيسه وأنه بات عليه أن يكسب النصف الثاني لتسقط مقولة أن العائق الحائل دون بلوغه السدة الرئاسية هو الرياض دون سواها.
والثابت أن فرنجية يجد في ذاته “صفات” لا تجعله نكرة في المشهد السياسي المحرك للعبة الرئاسات في لبنان خلافاً لسواه، إذ إنه ليس طارئاً على هذه اللعبة وتالياً لا يشكل “نقزة” للنخب السياسية المشاركة في الحكم وفي صنع القرار وإن ضمر حضوره وإن استطراداً أصر على علاقاته السورية المميزة فهو يبقى جزءاً من هذه النخبة ولّادة الرئاسات منذ الاستقلال حتى اليوم. وبناءً على ذلك فإن هذه النخب ليست مضطرة الى دق النفير اعتراضاً أو إعلان الاستنفار في وجهه بكونه آتياً على صهوة الرغبة في تدمير الصيغة أو تعطيلها. وهذا الأمر ينطبق على قصر المختارة وزعيمه استهلالاً. وليس خافياً أن المحسوبين على هذا القصر لم يأخذوا على فرنجية إلا أنه على صلة وثقى بقصر المهاجرين في دمشق وأن تخفيفه من هذه “الشبهة” يعطيه علامات أفضل ويثبّت صورته النمطية كشريك غير مضارب في دست الحكم.
ولا ريب أيضاً في أن ثمة من يستحضر في هذا المجال تجربة جده الرئيس الراحل سليمان فرنجية الذي وصل في عام 1970 الى الحكم بفارق صوت واحد. وثمة من يرى أن الاعتبار الابرز الذي مكّن فرنجية من نصر بدا حينها صعباً هو أن النخبة الحاكمة رجّحت كفته لأنه ابن الصيغة والقادر على مدّها بالمزيد من الأوكسجين اللازم لإطالة عمرها في ذلك الزمن الحافل بالتموّجات نذر التحولات، خلافاً للمدرسة الشهابية التي وصمها بعض أركان النخبة بأنها “فرطت” يوم أرادت أن تحدّ من فاعلية هذه النخبة وتحيلها على التقاعد.
ما من شك في أن ثمة فوارق وتغيّرات فرضت نفسها من مطالع السبعينيات حتى اليوم ولكن الأكيد أن تلك النخبة التي خال البعض أنها ستنسحب وتنكفئ ما زالت حاضرة وتبحث بجدّ واجتهاد عن عوامل قوة لتجدّد نفسها، لذا فإنها تجد في فرنجية ضالتها المنشودة ولو لمرحلة تستعيد عبرها أنفاسها وتعيد حساباتها.