سمير عطا الله

كأنما شعبٌ مستعار – سمير عطالله – النهار

السلطة مؤامرة دائمة.
بلزاك

ليس للتراجيديا ال#لبنانية عنوان واحد. لكنَّ التاريخ انتقائي بطبيعته، لا يتسع وقته ولا جعبته، لكل ما يمرّ به، ولذلك، يتوقف عند الكوارث والمآسي والأعاصير. وقد عرف أجدادنا في منطقة جزين ذات عام فيضاناً هائلاً دوّنه بولس سلامة في نثره البديع تحت العنوان الذي استخدمه القرويون، وهو “سنة الطوفة”. ولما سافرتُ الى الكويت، وجدتُ ان فلكِيَّها الشهير، الحجيري، استخدم العنوان نفسه في تدوين “فيضان عارم”، ضرب الدولة الصحراوية على غير عادة المطر والرمل.
في تراجيديات لبنان، تشمل المآسي والحروب والمجاعات الجميع، ويظل العنوان واحداً، ظالماً أو مظلوماً: #الموارنة.
ولم يكن في الكتب ولا في مخيّلات الإغريق ما يحدث في ايامنا اليوم. ولو كنا نتحدث عن زمن مضى ولم يكن ما يجري أخبار في يوميات الجرائد، لكان ما نشهد شيئاً ملحمياً وأخيل وطروادة وهيلانة، وربما هكتور، صاحب النظرية الحفاضية في تعليل الحلول الاقتصادية. لا تعوز اللبنانيين منابعُ الثقافة، ومنها على ما يبدو “الثورة الثقافية” الصينية التي تركت مليونين الى ستة ملايين قتيل، ودفتر أشعار أحمر بقلم ماو.




العنوان الدائم في تراجيديا لبنان، هو الموارنة. في اي مسرح قومي يمكن ان تجد ان المتنافسين الأساسيين على الرئاسة إثنان: واحد اغتيل والده وهو في الطريق الى احتفال الاستقلال، وواحد قُتل والده ووالدته وشقيقته الطفلة ونجا هو من عربدة الابادة، فقط لأنه لم يكن هناك. وإذا ما خطر لك إضافة عنصر درامي آخر، امكنك الاضافة ان الرجلين من بلدة واحدة ايضاً.
في كل قراءتي عن الموارنة لم استطع الوصول الى قاعدة واحدة. فقط على سبيل الجدل، يخطر لي ان ثمة شبهاً بينهم وبين الألمان، هم غوته واينشتاين وبيتهوفن ونيتشه، وهم هتلر وهيملر وغوبلز وزوجة غوبلز وابناؤهما.

وهنا جبران خليل جبران وحنان الاجنحة المتكسرة، وكنيسة مزيارة ومجزرة حالات وأجساد الرفاق تطفو بدمائها فوق مياه المسبح.
ولكنْ تلك كانت الحرب! أجل. ولكن متى لم تكن هناك حروب. ومتى لم تكن هناك صراعات ومقاتل ومشاهد كأنها من رواية “العرّاب”، كما رسمها الروائي الراحل جبور الدويهي في تحفته الوجودية “مطر حزيران”. هنا لا يشبه الماروني قرينه الالماني المتألم حباً كما في “آلام فيرتر”، بل اشخاص فرنسيس كوبولا، احد اعظم صنّاع السينما: عائلة مجلّلة بالسواد، تنتظر الموت، وأخرى كثيرة السواد، تنتظر الثأر.
الموارنة عصور الأدب والفكر وأئمّة اللغة وحراسها، ثم الموارنة يرفضون انهم عرب وأن وثاقهم، ولو لم يكن ميثاقهم، هو العروبة. هم الاستقلال والسيادة، وهم من يرسلون الرعاع الى بكركي لتهديد و”تهزيء” سيدها صفير. وهم من يفصلون الجيش ويرسلونه يدير مرافىء الميليشيات ويوجهون مدافعه صوب البيوت والمستشفيات والميثاق والدستور والطمأنينة ومرافىء الهرب.

في هذه التراجيديا الرهيبة، تقف الأسر اللبنانية الأخرى حائرة وخائفة وممتلئة ألماً ويأساً. مرة أخرى تضع القوى المارونية البلد في مهب العواصف ورِكاب المجهول. ويزداد السلوك الوطني خفة والخطاب الوطني رثاثة وابتذالاً وشارعاً. سباق لا يتوقف نحو العدميات والاعتزاز بالسطوة وقوة الإعاقة. وصولات في الفراغ والخواء. وأين هو الوجود الماروني في كل هذا؟ وهل هناك قوة مارونية قادرة على اتخاذ شيء من قرار؟

ايضاً وايضاً في هذه التراجيديا القائمة على مسرح علني مفتوح، لماذا لا يحيق الصراع إلا بالمراكز المارونية في البلد؟ طبعاً إلا قيادة الجيش وقائده. فقد ظل الإثنان حيث مكانهما الطبيعي، فوق الترهات الخليعة والجموح الانتحاري.
هل هذا هو الوجه الماروني للبنان؟ قاضية أولى تذهب الى تطبيق القانون ومعها فرقة معاول ومهدّات، وحاكم #بنك مركزي تتخلع كرسيه تحته ولا يفارقها. ورئيس حزب أخفق في تشكيل حكومة فقرر ان يمضي في تشكيل الدولة وركائزها المارونية استناداً الى نجاح تجربته الباهرة في ذلك، من الباب الى الطاقة. عزّ بعد فاقة، الأمير علّاقة.

موسم. موسم تراجيدي كوميدي ميلودرامي، يتفرج فيه الآخرون على الموارنة وهم في انتظار قطار “المحطة” الذي يسير عَ “الفحم” بقيادة فيلمون وهبي: “قطار، ايوه، قطار. وعَ الفحم؟ عَ الفحم”. لست أملُّ في الساعات العبثية المريرة من تذكُّر أجمل القصص التي وضعها عاصي ومنصور في تصوير “الكوميديا اللبنانية” بالمعنى الدانتي. ودانتي اليغييري هو الذي سبق الجنرال عون في وصف جهنم، وقد سارع المسؤولون، كالعادة، الى سحب “الجملة من سياقها” في سلسلة السياقات التي كان يجري تصحيحها في مكاتب القصر، كلما “عصّب” الرئيس على أفعال المنظومة.

في الدائرة الخامسة من كوميديا دانتي يمتلىء نهر “ستيكس” بالاوساخ، فيسارع الشاعر الى الإدلاء بنصيحتيه: إياك ان تحرّك الامواج. أي اترك كل شيء على ما هو خوف ان تزداد الامور سوءاً ورائحة.
شبَّه الرئيس #نجيب ميقاتي حالتنا بالعصفورية. لكننا في الحقيقة أقرب الى “سفينة الجنون” المأخوذة عن الفصل الرابع في “جمهورية” افلاطون. وهي قصة سفينة تختل علاقة قبطانها بمعاونيه، ثم ينتقل الاختلال الى الركاب والمسافرين. هؤلاء، يجب ان يتأكدوا من صحة أحكامهم، لم يبقَ الكثير من السفينة فوق الماء.