اللبنانيون وحلم الهجرة.. الأرقام تكشف الواقع

أسرار شبارو – الحرة

“شكّل انفجار مرفأ بيروت نقطة تحوّل في حياتي، فقد كان الصدمة التي أيقظتني من غيبوبة طويلة رفضت خلالها فكرة الهجرة، فرؤيتي لأشلاء الضحايا المتناثرة في كل مكان ومن بينها لعدد من زملائي، دفعتني لاتخاذ أصعب قرار، كوني أدركت أن بقائي في لبنان مخاطرة ليس فقط بمستقبل ولديّ، بل بحياتهما كذلك”.. كلمات قالها فيصل، إطفائي سابق في إطفاء مدينة بيروت.




4 سنوات خدم خلالها فيصل مدينته بيروت، خاطر بحياته من أجلها وأهلها، عارض زوجته التي تحمل الجنسية الألمانية مراراً لهجرة وطنه مع كل مطب أمني أو سياسي أو اقتصادي مرّ على لبنان، ويقول لموقع “الحرة” ” كان دائما لدي أمل أن تتحسن الظروف، ورغم الانهيار الاقتصادي الكبير وتآكل قيمة راتبي نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار صممت على البقاء والاستثمار في تعليم أولادي، إلى أن وقع الانفجار عندها حسمت أمري واقتلعت جذوري من وطني بيديّ، هاجرت قبل خمسة أشهر بحثاً عن الأمن والأمان لزوجتي وطفليّ”.

يحلم الشاب الثلاثيني باليوم الذي يتمكن فيه من العودة إلى وطنه، رغم الفرق الكبير الذي لامسه في ألمانيا، سواء تعلّق الأمر كما يقول “بالنظام أو الشعب المحب والأمان أو حرية التعبير، لكن يبقى للبنان رونقه الخاص في قلبي، فهو خزان ذكرياتي والأرض التي تحتضن أهلي وأحبتي، وإلى حين حضنهم من جديد أسعى الآن للعمل في المهنة التي لطالما أحببتها وأحببت بدلتها”.

تتزايد أعداد اللبنانيين المهاجرين والمغادرين، سعياً لتحسين ظروف حياتهم الصعبة، أو للحصول على فرصة عمل أصبحت مستحيلة في وطنهم، وذلك في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية لدى أكثريتهم نتيجة انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل العملات الأجنبية، ونتيجة ارتفاع نسبة البطالة التي تقدر بـ 38%، بحسب ما أشار إليه تقرير لـ “الدولية للمعلومات”.

وجاء في التقرير أن عدد المهاجرين والمغادرين وصل “منذ بداية العام 2022 وحتّى منتصف شهر أكتوبر 2022 إلى 42,199 شخصاً مقارنة بـ 65,172 شخصاً للفترة عينها من العام 2021، أما في الفترة ما بين 1992- 2022، حتّى منتصف شهر أكتوبر، فوصل العدد إلى 815,410 أشخاص، أي بمتوسط سنوي 27,180 شخصاً”.

تشكيك بنتائج الاحصاءات

حصلت سارة لاوند على شهادة في إدارة الأعمال عام 2017، لتبدأ رحلة البحث عن وظيفة في وطنها، إلا أنها اصطدمت بجدار عنصري، وهو رفض توظيفها بسبب الحجاب الذي ترتديه، وتقول ” واجهت هذا العائق لنحو عامين، ومع اندلاع الثورة عام 2019 فتح باب العمل لي في إحدى الجمعيات غير الحكومية، ورغم أن راتبي كان بالدولار الفريش إلا أنني لم أكن أشعر بالأمان، كان طموحي وظيفة تؤمن لي الاستقرار، وبما أن ذلك شبه مستحيل في لبنان فكّرت بالهجرة إلى بلد يقدّر الإنسان، وقد على شجعني على ذلك والدي”.

قصدت ابنة الستة وعشرين ربيعاً دبي بحثاً عن وظيفة، وقبل ثمانية أشهر نجحت في ذلك، لتنتقل للعيش هناك، وتقول لموقع “الحرة”، “رغم أن الرواتب ليست مرتفعة جداً إلا أنه يكفيني الخبرة التي أكتسبها والتقدير الذي ألمسه، فقد تم منحي شهادة تميّز للربع الثالث من السنة” مشددة ” قرار الهجرة صعب جداً إلا أني سعيدة أني اتخذته، كوني أعيش الآن في بلد يحترمني وحجابي، ولا أفكر بالعودة والاستقرار في وطني بعد الآن”.

أرقام الهجرة تتحدث عن الموقف الحالي في لبنان
أرقام الهجرة تتحدث عن الموقف الحالي في لبنان

كشف تقرير “الدولية للمعلومات” أن 257,852 شخصاً غادر لبنان خلال الأعوام 2017- 2022، أما العدد الأكبر سنويّاً خلال هذه الفترة فكان في العام 2021، إذ بلغ 79,134، يليه 67,884 شخصاً في العام 2011. وكان لافتاً أن نحو 100 ألف شخصٍ غادروا خلال الأعوام الثلاثة 1992-1994 التي تلت انتهاء الحرب، وكذلك سجّل العدد ارتفاعاً، ووصل إلى 205,237 شخصاً في الأعوام 2011- 2015.

أمّا في العامين 2005- 2006، اللذين شهدا اغتيال الرئيس رفيق الحريري وحرب تموز، فقد بلغ العدد بحسب “الدولية للمعلومات” نحو 45 ألفاً، “أي أنه لم يكن مرتفعاً قياساً بالظروف العسكرية التي شهدها لبنان، في حين وجدنا الارتفاع في السنوات المستقرة أمنيّاً والمتراجعة اقتصادياً واجتماعياً، لذا يمكننا التأكيد أن السبب الأساسي للهجرة هو السبب الاقتصادي والحياتي”.

وعن الرغبة في الهجرة، أظهر مسح أجرته إدارة الإحصاء المركزي، بدعم مالي ومساعدة فني من منظمة العمل الدولية، نشرت نتائجه في شهر مايو الماضي، فإنه “عند سؤال المقيمين في لبنان بعمر 15 سنة وما فوق عن ذلك، أبدى أكثر من نصفهم 52% رغبته بالهجرة من لبنان. أما حسب الفئات العمرية فكانت الرغبة بالهجرة أكثر لدى الفئات الشابة 69% ممن هم بعمر 15-24 سنة و66 % ممن هم بعمر 25-44 سنة، مقابل 10 % فقط لدى المسنين بعمر 65 سنة وأكثر”.

و”عند السؤال عما إذا كانوا قد باشروا بمعاملات الهجرة، تبين أن 7% من الأفراد المقيمين في لبنان بعمر 15 سنة وما فوق الذين أبدوا الرغبة في الهجرة قد باشروا فعلياً بمعاملات الهجرة، وقد صرحت أكثرية هؤلاء 5.88% أن سبب الهجرة هو الوضع الاقتصادي الحالي في لبنان”.

الأرقام التي يتم التوصل إليها فيما يتعلق بالهجرة، تعتبرها خبيرة الهجرة، رئيسة المجلس الإستشاري لإوڠ‍ما ڠ‍روب إنترناشونال، الدكتورة ڠ‍يتا حوراني، غير دقيقة، من دون أن تنفي أن نسبة المهاجرين من لبنان كبيرة، “لا سيما من الفئة الشابة والعائلات الصغيرة، كما أن كما إن هناك حركة كبيرة من اجل الهجرة العائلية عبر قوانين “جمع الشمل” وذلك بسبب الأوضاع المأساوية التي وصل اليها لبنان.”

السبب الأساسي الذي يحول دون التمكن من تحديد رقم دقيق للمهاجرين، بحسب حوراني “عدم وجود عمليات ممنهجة متبعة  من قبل الدولة اللبنانية لجمع البيانات من  القادمين والمغادرين من الذين يحملون الجنسية اللبنانية، فالقاعدة المتبعة في لبنان هي حرية التحرك، من دون إلزام المغادرين بتحديد الأسباب والوجهة النهائية، حيث تقتصر الإحصاءات على طرح عدد القادمين من المغادرين، في وقت أن بعض المقيمين خارج لبنان يضطرون إلى قصده عدة مرات خلال السنة، عدا أن عدداً منهم يدخلون البلد عبر جوازات سفر أجنبية وبالتالي لا تشملهم الإحصاءات”.

قراءة في الأرقام

الهجرة ليست ظاهرة جديدة على اللبنانيين، كما تؤكد الأستاذة الجامعية والباحثة الاجتماعية، البروفيسورة وديعة الأميوني، “فقد بدأت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي أيام الحكم العثماني، لتستمر بوتيرة متفاوتة عبر عقود طويلة، اما خلال السنوات الـ30 الماضية، فجاءت لدواع مختلفة منها ما هو اقتصادي وأمني وسياسي يتعدى المستوى الداخلي إلى المستوى الإقليمي، كون لبنان يتأثر دائما بالتجاذبات الإقليمية”.

وبحسب الإحصاءات التي نشرتها “الدولية للمعلومات” يظهر كما تقوله الأميوني لموقع “الحرة” أنه “بين عامي 1992 و1993 سجّلت الهجرة أرقاماً كبيرة بعد حرب الإلغاء والتحرير، وغياب تطبيق النظام الديمقراطي وعدم الثقة بالدولة الذي استمر بعد توقيع اتفاق الطائف، نتيجة تأخر تطبيقه كدستور جديد للبنان، والدليل انه تم تعيين النواب حينها بدلاً من انتخابهم، وقد استمرت الفوضى إلى حين انتظام الحكم في لبنان واكتشاف معالمه، فتراجعت أرقام المهاجرين حتى عام 2005 تاريخ اغتيال رفيق الحريري، حيث انتفى الاستقرار الأمني وفترة النهضة التي شهدها لبنان في عهده، ونتيجة ذلك ارتفعت أعداد المهاجرين إلى 29718 في العام التالي بسبب الواقع الأمني”.

تأرجح مؤشر الهجرة في السنوات الماضية نزولاً وصعوداً، تأثر بحسب الأميوني “بشكل كبير بالواقع الاقتصادي، لحين تولي العماد ميشال عون رئاسة الجمهورية عام 2016، فخلال هذه السنة تراجع العدد إلى 11650 حيث وضع الناس آمالهم بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أن الفشل السياسي والاقتصادي الذي تتحمل مسؤوليته كل الطبقة الحاكمة بعد ذلك دفع بالأرقام صعوداً، وصولاً إلى اندلاع الثورة عام 2019 حيث تم تسجيل 66806 مهاجراً ومن ثم انفجار المرفأ في عام 2020”.

لكن رغم ذلك، كما تقول الأستاذة الجامعية “انخفض العدد في هذا العام إلى 17721، ويعود السبب هنا إلى وباء كورونا الذي ضرب العالم متسبباً بإغلاق المطارات، قبل ان يعاود مؤشر الهجرة في لبنان صعوده، لا بل تضاعف دراماتيكيًا في العام التالي اي 2021 حيث بلغ 79134، ولولا أزمة جوازات السفر هذا العام لكان سجّل لبنان ربما مئتي ألف مهاجر بدلاً من 42199 إلى حد الآن”.

وتنعكس الأزمة الاقتصادية في لبنان على كافة جوانب الحياة، لاسيما على قيمة الرواتب بالعملة المحلية، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار الذي تجاوز عتبة الأربعين ألف ليرة، في حين أن الحد الأدنى للأجور بات يناهز 16 دولاراً في الشهر، مقابل ارتفاع كبير في أسعار السلع والمواد الغذائية.

ووفقاً لمسح إدارة الإحصاء المركزي، ارتفع معدل البطالة في لبنان من 11.4% في فترة 2018-2019 إلى 29.6% في يناير 2022، مما يشير إلى أن ما يقارب ثلث القوى العاملة الناشطة كانت عاطلة عن العمل في يناير 2022. وقد كانت نسبة النساء العاطلات عن العمل أكثر من الرجال، حيث بلغ معدل بطالة النساء 32.7% مقارنة بمعدل الرجال 28.4 %، في حين بلغ معدل الشباب 47.8% ضعف معدل البالغين 25.6%..

واستنادا لنتائج المسح، فإن العمالة غير المنظمة- العمالة التي لا تغطيها بشكل كاف الترتيبات الرسمية والنظم للحماية تمثل الآن أكثر من 60% من مجموع العمالة في لبنان.

إلى الخلاص

عرف اللبنانيون عدة مراحل من الهجرة سواء خلال الحرب الأهلية أو بعدها، إلا أن الهجرة الحالية كما تقول حوراني “هي من أصعب أنواع الهجرات منذ الحرب الاهلية عام 1975 كونها هجرة بهدف عدم العودة او “الهجرة الدائمة”، وذلك بسبب اليأس، والخيبة، وانعدام الأمل بمستقبل أفضل في لبنان.

والوجهة الرئيسية للبنانيين هي دول الخليج وأميركا وأوروبا وكندا وأستراليا، كما أن مصر وتركيا وقبرص عادت لتكون من ضمن الدول التي يقصدها اللبنانيون لبناء مستقبلهم بعد تعذّر ذلك في وطنهم نتيجة الانهيار الاقتصادي وعدم قيام الطبقة الحاكمة بواجبها، لا سيما الإصلاحات التي يطالب بها الشعب اللبناني كما تطالب بها الدول الصديقة للبنان والمؤسسات الدولية من أجل مدّ يد العون له.

وتؤكد الأميوني أن تراجع عدد المهاجرين من لبنان هذا العام مقارنة بالعام الماضي، يعود إلى أن “الأوضاع ساءت أكثر من السنة الماضية والهجرة تحتاج إلى أموال، وهو ما يفتقده العدد الأكبر من اللبنانيين، سواء نتيجة حجز أموالهم في المصارف أو عدم تمكّنهم من تسييل أصولهم وعقاراتهم، كما أن أزمة جوازات السفر في لبنان لعبت دوراً كبيراً، إضافة إلى الركود الاقتصادي العالمي وانخفاض الطلب على العمالة، وغير ذلك”.

قبل سنة بدأت زينة رحلة البحث عن وظيفة في دولة خليجية وقد تكّبدت لذلك عناء وجهداً والكثير من الأموال، وبعدما حصلت على الموافقة وتأشيرة اصطدمت بعائق تجديد جواز سفرها، فقد تم تحديد موعد لها على المنصة الالكترونية التابعة للأمن العام سنة 2024، وهو “موعد فلكي” كما تقول ما دفعها إلى التوجه للأمن العام اللبناني حاملة معها الأوراق المطلوبة لتقديم استثناء، وقفت في طابور لعدة ساعات، حتى صدمت بأنها تحتاج إلى إرفاق ملفها بعقد عمل وبالتالي لن يتم منحها جواز سفر.

“لا تريد الدولة اللبنانية أن ترحمنا ولا تسمح لدولة ثانية أن تقوم بذلك” بحسب ما تشدد زينة، قائلة “رغم الحرمان الذي نعيشه في بلدنا من أدنى مقومات العيش الكريم فلا كهرباء ولا ماء ولا قدرة لنا على الاستشفاء وشراء الدواء، تصرّ الطبقة الحاكمة على خنقنا حتى الموت، من خلال أزمة مفتعلة مهينة لكل لبناني، فحتى الدول التي تعاني من حروب تؤمن لمواطنيها جوازات السفر، التي هي حق من حقوقهم الأساسية”.

وتحاول زينة البحث عن وسيلة تمكّنها من الحصول على جواز سفرها، وتقول “سأغادر لبنان وإن مشياً على الأقدام، ليس بهدف بناء مستقبل أحلم به فقط، بل من أجل مساعدة عائلتي التي كما باقي اللبنانيين تراجع وضعها المادي بشكل كبير”.

وانخفضت نسبة مصادر دخل الأسر، كما أظهر مسح إدارة الإحصاء المركزي، فالأسر التي كانت تحصل على دخل من ممتلكات عقارية أو مالية من 14% في عامي 2018-2019، انخفض إلى 5% في 2022، كما انخفضت النسبة للأسر التي تحصل على دخل من التقاعد وبدلات من التأمينات الاجتماعية الاخرى من 28% إلى 10%.

أما الأسر التي استفادت من مساعدات حكومية فقد ارتفعت نسبتها من 5 إلى 11% والمساعدات غير الحكومية من 4 إلى 15%. أما نسبة الأسر التي صرحت أنها تستفيد من التحويلات المالية من المقيمين خارج لبنان كأحد مصادر الدخل فقد ارتفعت من 10% في عامي 2018-2019 الى 15% في عام 2022. أما بالنسبة إلى دخل الأسرة من جميع المصادر، فقد أظهرت نتائج المسح أن ما يقارب نصف الأسر المقيمة في لبنان 1.49% كان دخلها من جميع المصادر خلال الشهر السابق للمسح.

وتشكل الهجرة الحالية مأساة حقيقية، كما تشدد حوراني “نتيجة انعكاساتها السلبية الكبيرة على الديموغرافيا في لبنان، مع تراجع نسبة الفئة الشابة لصالح فئة الكبار في السن، كما لها تأثير في تراجع الإنتاجية وخسارة الأدمغة والطاقات البشرية، لكن في ذات الوقت لا يمكن لوم اللبناني على اتخاذ قرار الهجرة واللاعودة فمن حقه تحقيق طموحاته والبحث عن حياة آمنة وكريمة له ومستقبل أفضل لعائلته”.

لعل أخطر أنواع الهجرة، التي شهدها لبنان في الآونة الأخيرة هي هجرة الطاقم الطبي، حيث لفت وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، فراس الأبيض، إلى أن “أكثر من 40 في المئة من الأطباء و30 في المئة من الممرضين غادروا لبنان حتى اليوم، وهذا يعني أن نظامنا الصحي هش، وهو يئن تحت الأزمات ويكاد يجهد لتقديم الخدمات التي يحتاج إليها المريض”.

نتائج كارثية

وإضافة إلى الهجرة الشرعية تنشط عمليات الهجرة غير الشرعية للبنانيين وغير لبنانيين من المقيمين على الأراضي اللبنانية وبحسب تقرير نشرته “الدولية للمعلومات” الشهر الماضي، فإنه “منذ سبتمبر من العام 2013 ولغاية ايلول من العام الحالي 2022، بلغ عدد الضحايا الذين غرقوا في البحر في أثناء محاولاتهم للهجرة غير الشرعية 248 ضحية، يضاف إليهم المئات ممن هاجروا وانقطعت أخبارهم، فلم يُعرف إذا كانوا قد وصلوا إلى وجهتهم أو أن البحر قد ابتلعهم”.

نتائج الهجرة كارثية على لبنان، كما يؤكد الباحث الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، حيث يشرح لموقع “الحرة” أن “أحد عوامل النمو الاقتصادي ترتبط بعدد السكان، أي باليد العاملة التي نخسرها مع كل مهاجر، خاصة أن الذين يغادون هم أولئك الذين يتمتعون بالمعرفة والخبرة والتاريخ، ما يشكل خسارة كبيرة للاقتصاد اللبناني لصالح اقتصادات أخرى، وتعويض ذلك ليس سهلاً، لاسيما إذا بدأ لبنان بالإصلاحات التي تحتاج إلى خبرات، عدا عن التغيير في الهيكلية العمرية للديموغرافية اللبنانية، حيث سنصل إلى مرحلة يفتقد فيها المجتمع لفئة عمرية معينة لها دور كبير في دعم النظام الاجتماعي والصحي المستقبلي”.

وبحسب مسح إدارة الإحصاء المركزي، فإن “معدل النشاط الاقتصادي في لبنان، الذي يعادل نسبة القوى العاملة إلى إجمالي المقيمين بعمر 15 سنة وما فوق، انخفض من 8.48 % الى 4.43% ونعني بالقوى العاملة: العاملون + العاطلون من العمل بعمر 15 سنة وما فوق. أما معدل البطالة وهو نسبة العاطلين من العمل إلى إجمالي القوى العاملة، فقد ارتفع ارتفاعاً غير مسبوق من 4.11% الى ما يقارب 30% ما يعني أن حوالي ثلث القوى العاملة عاطلون من العمل”.

وقد أظهرت نتائج المسح أن “30% من العاطلين من العمل يبحثون عن عمل لفترة تزيد عن سنتين و19% لفترة تمتد بين السنة والسنتين، ما يعني أن حوالي نصف العاطلين من العمل في عام 2022 هم من صفوف البطالة طويلة الأمد التي تزيد عن فترة السنة”.

ويتأسف عجاقة كون “السياسة الاجتماعية مفقودة في لبنان، في وقت عودة القسم الأكبر من المهاجرين ضئيلة جداً، حتى لو تحسنّت الأوضاع الاقتصادية”. ولا يحد من الهجرة كما تقول حوراني إلا الأمان، والاقتصاد الفعّال وسوق العمل، “فأي انسان يحتاج إلى عمل لتأمين حياته، لكن للأسف لا تقوم الطبقة الحاكمة بأي خطوة لانتشال لبنان من الانهيار، وبالتالي فإن الهجرة ستسمر طالما أن اللبناني يعيش في حلقة مفرغة ولا يجد سبيلاً للخلاص إلا من خلال هذا القرار”.