هل صحيح أن عيون المستثمرين القطريين على فنادق لبنان؟

هناك عبارة تتكرر في فنادق كثيرة: إن أرضيناك تحدّث عنا وإن لم نكن عند حسن ظنك فتحدث إلينا. الفنادق في لبنان، التي أرضت في زماِنِها الزوار من كلِ العالم، قصّة في ذاتها. فكيف حالها اليوم؟ فلنتحدث عنها. فلنسأل عنها. فلنطرح السؤال جدياً: هل هناك من يشتري حقا فنادق لبنان؟ هل عيون المستثمرين على القطاع الفندقي في البلد المنهار؟ وماذا عن فنادق لبنان العريقة؟ هل تتغيّر؟ هل تنتهي فنادق وتتأسس فنادق؟

كثر الحديث في الشهرين الماضيين عن اتجاه المستثمرين، بعيون عشرة عشرة، الى شراء فنادق عريقة في لبنان والإستحواذ عليها. أوتيل فينيسيا العريق واحد منها. وفينيسيا الذي بناه في العام 1953 نجيب صالحه، الذي عاش العزّ وعاش الحرب، كأنه مرصود. ما إن ينهض من كبوة حتى يسقط في أخرى. بريجيت باردو زارته في ألقه. وأفلام عديدة صوّرت فيه، أحدها كان فيلم twenty- four hours to kill في العام 1965. فيلم غامض في قصر ساحر. ومن يؤمن بالتعاويذ يقول: سحروا الفندق ما جعله لا يتوقف عن دفع أثمان المراحل في البلد.




لا نثق بالسحر بل بالفوضى التي تعمّ البلاد وتجعل كل ما هو جميل يدفع أثمان أغلاطها. في كل حال، هل نتسرع وننجرف مع القائلين إن مستثمرين قطريين ينوون شراء الفندق- المعلَم؟

إشاعة

رئيس إتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق بيار الأشقر يجيب عن تساؤلاتنا: «قرأتُ هذا الخبر عبر الواتساب، فأرسلته مباشرة الى مازن صالحه مستغرباً، فأجابني: لا صحّة لهذا الخبر. كلو أخبار جرايد».

بيار الأشقر تأكد من الجواب من مصدره. مديرة العلاقات العامة والتسويق في فينيسيا أكدت كلام الأشقر «لا صحّة لما قيل عن بيع الأوتيل ولا مفاوضات حول ذلك، كما ان فينيسيا ليس بصدد الإقفال. نحن، وأقولها لكم الآن، بصدد إفتتاح المرحلة الثالثة من خطتنا لمعاودة نشاط الفندق. افتتحنا الشقق والسويت، كما افتتحنا خدمة الحجر في الثالث من تشرين الأول، وسمينا ذلك soft opening (قصدنا به الإفتتاح التدريجي طابق وراء طابق) وسنفتتح الطوابق العالية من المبنى الثالث. لو كنا بصدد البيع لما فعلنا ذلك. مازن صالحة هو المالك ويبقى».

فندق فينيسيا، بعد كل ما أصابه، ليس للبيع. ماذا عن الفنادق الأخرى؟ وهل صحيح أن عيون مستثمرين قطريين على القطاع الفندقي اللبناني؟ هل صحيح أن القطاع الفندقي في لبنان يؤول الى الأجانب والعرب لا الى مستثمرين لبنانيين؟

كثر الكلام في الآونة الأخيرة عن توجه جهاز قطر للإستثمار الى القطاع الفندقي اللبناني. وقد استثمر فعلياً في فندق الفاندوم في بيروت والعمل جار لاستكمال خطته الإستثمارية. ولمن لا يعرف جهاز قطر للإستثمار فهو صندوق ثروة سيادي تابع لقطر ويرأسه تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني ويعنى بالإستثمار المحلي والخارجي وخصوصا في الأسواق العالمية. فما رأي بيار الأشقر في ذلك؟

يؤكد نقيب أصحاب الفنادق في لبنان «أن 90 في المئة من المؤسسات الفندقية في لبنان لبنانية، أما أكبر المؤسسات الفندقية السياحية فنسبة 90 في المئة منها خارجية وهناك إستثمارات مشتركة بين لبنان وأجانب. بكلام آخر الإستثمارات التي تفوق الـ 150 مليون دولار هي أجنبية». وبتوضيح أدق من أصل 560 فندقاً في لبنان حالياً هناك 60 على الأكثر أجنبية فقط لا غير وإن كانت قيمتها عالية جداً. ويتابع الأشقر «نحن من يُمسك بالقطاع فعلياً حتى ولو كانت الفنادق الأجنبية أكبر. نحن من نسيطر على السعر ونحدد الأسعار».

مازن صالحة باع فندق الفاندوم لا فينيسيا بسبب تعثر عانى منه وسدد ما عليه من إستحقاقات ويقول الأشقر «في أي حال كل شيء في عالم التجارة والسياحة عرض وطلب وخاضع للبيع والشراء ومن يملك المال يمكنه إذا اتفق مع أي مستثمر محلي أو أجنبي، في لبنان أم في نيويورك أم في إيطاليا أو في الخليج العربي، الإستجابة للعرض والطلب».

الإستثمار = إستقرار

لكن، هناك أسماء عريقة بيعها يهز من في البلد؟ يجيب الأشقر «هذا يهزناً عاطفيا بشكل سلبي أما تجارياً فله تأثير ايجابي «بوزيتيف» ومعناه ان الوضع في البلد يتجه نحو الإستقرار. فلا أحد يستثمر في مكان غير مستقرّ. ويستطرد: في كل حال نحن كنقابة لم نسمع عن حالات بيع. نحن لدينا زملاء عديدون ولم نسمع، كما لم يخبرنا أحدهم، عن نوايا ببيع فنادقهم. ثمة حالات محصورة سببها أن أصحاب الفنادق بلغوا عمراً متقدماً وأولادهم خارج البلد، أطباء مثلاً، ولا يرون أنفسهم في القطاع. تلك حالات إستثنائية».

ننظر الى اوتيل البريستول فنراه مهجوراً مقفلا بلا حراك. هو الفندق الوحيد الذي أقفل في البلد، من فئة خمس نجوم، في شارع مدام كوري في بيروت، أقفل بعد خمسين عاماً من افتتاحه. إقفاله طبعاً أثّر معنويا على اللبنانيين الذين يرون فيه عراقة واستقبل في تاريخه ضيوفا مشهورين أمثال ألبرت الثاني أمير موناكو ومحمد رضا بهلوي شاه ايران وجاك شيراك رئيس فرنسا وشهدت قبته لقاءات البريستول الشهيرة.

فنادق جديدة

مدير عام مجموعة فنادق لانكستر في لبنان وليد إسماعيل يتحدث عن الشغل «عال العال» في تشرين الثاني هذا في فنادق لبنان ويقول «لا معلومات عن فنادق كبيرة معروضة للإستثمار حاليا في لبنان. سمعنا أن فينيسيا قد يباع. مجرد «خبر» ورد إلينا. لكن، على ما نعتقد أن صاحبه إكتفى ببيع فاندوم وفي آخر النهار لن يُقدم على ذلك في شأن فينيسيا لأنه مرتبط باسم العائلة. ويستطرد قائلا: هناك فنادق تفتح. أوتيل غاليريا فتح حديثاً. ورمادا داون تاون فتح. نأمل خيرا».

هناك خمسة فروع لفندق لانكستر في لبنان، أربعة في بيروت وواحد في الحدث. والشغل، كما سمعنا، «عال». بيار الأشقر من جهته يقول: «الحلّ في لبنان لكل القطاعات، لا للقطاع الفندقي فحسب، هو السياسة. بعد إتفاق الدوحة (2008)، «فوّلت» الفنادق في كلِ لبنان في غضون ثلاثة أيام. فليتوقفوا عن إفتعال مشاكل فتُحلّ كل القصص. حققت المصارف في عام واحد، عام 2010، ارباحاً قُدّرت 9,3 مليارات دولار وحين بدأت مشاكل سوريا بدأنا في التراجع».

الشائعات كثيرة. هناك من يصرّ في الآونة الأخيرة على القول، عن قصد، بأن دول خليجية تعمل على شراء فنادق كبيرة في لبنان لأن البلد، بعد الترسيم، عاد واعداً. لكن، كما قال بيار الأشقر، «الإستثمارات عرض وطلب لكن لا شيء يوحي، أقله حتى الآن، أن الطلبات للإستثمار مكدسة».

أيام العز

الثابت الوحيد هو ان الإستثمارات القطرية في القطاع الفندقي في لبنان تمّت في «الفاندوم». أوتيل موفنبيك (لمالكه الوليد بن طلال) بيع في 2017 طبعا لأسباب خاصة. أوتيل لوغراي متوقف بعد كل ما أصابه … وسيعود نبضه إليه. لا شيء إذا حتى اللحظة يمكن أن يهز عرش الأسماء الفندقية العريقة في البلاد. ثمة أسماء محفوظة في التاريخ وإن نساها كثير من اللبنانيين. فندق دير الأمراء في دير القمر إسألوا عنه. فندق المير أمين في بيت الدين. فندق القادري الكبير في زحلة… ونحن نغوص أكثر في تاريخ الفنادق العريقة نصل الى بحمدون وتحديداً الى فندق الأمباسادور. هو أقفل أيام زمان، في ستينات القرن الماضي، أي في عصر لبنان الذهبي، والسبب بحسب ما قيل وقتها: خطأ بروتوكولي. لن ندخل طبعاً في التفاصيل فما نحن فيه يكفي «اللي فينا مكفينا» في الأيام الحالية. لكن، ما ننتبه إليه هو أن لبنان السياحي والفندقي كان دائماً مقصداً لميسوري العالم. كان لبنان الذي نُحبّ. الأيام تغيرت. الزمان تغيّر. فهل عيون المستثمرين عادت الى القطاع الذي كان يدرّ عملة «فريش» على البلد؟

يبدو أن لا شيء أكيداً في كلِ ما نراه ونسمعه من «حكي جرايد»- كما وصف مازن صالحة كل الكلام حين سأله بيار الأشقر عن النية ببيع فينيسيا – وإذا صحّ أن فينيسيا أو غيره تحت مجهر عيون المستثمرين فذلك، بحسب أصحاب القطاع الفندقي، بحدِّ ذاته بارقة جميلة. لكن، لا شيء أكيد أبداً.

نداء الوطن