بعد خسارتها في خيرسون التي أضرّت بهيبتها العسكرية.. هل أثبتت تهديدات روسيا النووية أنها عديمة الفائدة؟

يبدو أن تهديدات روسيا بتوجيه ضربات نووية لحماية الأراضي التي ضمتها إليها من أوكرانيا، وإبقاء مدينة خيرسون الآن في أيديها باتت غير فعالة. فبشكل دراماتيكي، أعلنت موسكو اكتمال انسحاب قواتها من خيرسون الاستراتيجية جنوب أوكرانيا، حيث قالت وزارة الدفاع الروسية إن جميع القوات والمعدات نُقلت إلى الضفة الشرقية لنهر دنيبرو.

هل أثبت تهديدات روسيا النووية فشلها؟

يرى محللون أن إعلان روسيا، وعلى لسان وزير دفاعها سيرجي شويغو، إخلاء مدينة خيرسون، أن الحرب الروسية الكارثية في أوكرانيا، تسير بشكل سيئ للغاية بالنسبة للكرملين، وأن فكرة استخدام أسلحة نووية ليست أمراً عملياً.




ويقول جون إراث، كبير مديري السياسات في “مركز الحد من التسلح وعدم الانتشار” الأمريكي، إنه بعد إعلان الرئيس فلاديمير بوتين، في سبتمبر/أيلول الماضي أن خيرسون هي مدينة “روسية إلى الأبد”، يبدو أن القوات الآن تنسحب لتجنب مزيد من الخسائر، ولضعف إمكاناتها.

حيث تمثل هذه الخسارة، بحسب إراث، “أسوأ هزيمة” عسكرية لروسيا منذ حرب أفغانستان، كما أنها شكل من أشكال “الإذلال العسكري” للقوات الروسية. ومن الواضح الآن أن تجنيد 300.000 من جنود الاحتياط لم يفعل شيئاً يُذكر لتغيير ساحة المعركة لكفة موسكو، بخلاف إهدار الأرواح دون داعٍ.

الحرب كشفت عن نقاط ضعف أساسية لدى الجيش الروسي

كما أنه بات من الواضح أن التحديث العسكري الروسي الذي تم التباهي به كثيراً على مدار العقد الماضي، مصحوباً بمليارات الروبل من الإنفاق الإضافي، وتجارب الصواريخ النووية والبالستية، لم تفعل شيئاً يُذكر لمعالجة نقاط الضعف المنهجية للجيش الروسي التي كشفتها هذه الحرب الكارثية.

الأهم من ذلك، بحسب إراث، أن التحول الأخير للأحداث على طول نهر دنيبرو قد أظهر الافتقار التام لفائدة الأسلحة النووية.

وبحسب منظمة arms control center، تمتلك روسيا أكبر مخزون في العالم من الأسلحة النووية وكل الأسلحة النووية غير الاستراتيجية أو أسلحة “ساحة المعركة”.

مع ذلك، فإن امتلاك كل هذه الأسلحة لم يمنع وقوع كارثة عسكرية للجيش، بل ربما ساهم في حدوثها كما صرح بوتين في الماضي أن تحديث القوات النووية  بدلاً من القوات التقليدية، كان أولوية دفاعية قصوى لروسيا.

ويستشهد إراث في ذلك الطرح، أنه بالنظر إلى وزن الضربة التي تلحق بالهيبة العسكرية الروسية في أوكرانيا، فمن المحتمل أنه إذا اعتقدت هيئة الأركان العامة في موسكو أن استخدام الأسلحة النووية سيُحدث فرقاُ في أرض المعركة، لكانوا قد أوصوا بذلك بالفعل.

لماذا لم تستخدم روسيا أسلحتها النووية في أوكرانيا؟

بحسب مجلة “ناشونال إنترست” الأمريكية، يمكن اعتبار أن روسيا لم تلجأ لاستخدام أسلحة نووية حتى اللحظة، كمؤشر على أنها لا ينظر لهذه الأسلحة على أنها ستقدم قدرة مفيدة للقوات الروسية على الأرض.

ومن الممكن أيضاً أن يكون الكرملين قد رأى أن تكاليف استخدام الأسلحة النووية، من حيث العقوبات الإضافية والمزيد من العزلة، فاقت أي مكاسب أخرى محتملة. كما أن النقطة الأهم، هي أن القوة النووية الروسية لم تكن قادرة على تفادي الهزيمة.

ووفقاً لتقرير نشرته “وول ستريت جورنال” الأمريكية الأسبوع الماضي، فقد أفاد مسؤولون أمريكيون، أن مستشار الأمن القومي، جيك سوليفان، أجرى “محادثات سرية” مع كبار مساعدي الرئيس الروسي بوتين، في محاولة للحد من مخاطر استخدام أسلحة نووية في أوكرانيا، ولتحذير موسكو من مغبة اللجوء إلى السلاح النووي أو البيولوجي.

وقال هؤلاء المسؤولون إن المحادثات السرية، التي أجريت على مدار الأشهر الأخيرة بين سوليفان ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف سكرتير مجلس الأمن الروسي ويوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي، هدفت إلى الحد من مخاطر التصعيد النووي وإبقاء القنوات مفتوحة، وليست مناقشة تسوية للحرب.

وعندما ألمح بوتين وكبار مساعديه في سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن روسيا قد تستخدم الأسلحة النووية إذا حُشرت قواتها في الزاوية، قال سوليفان إن إدارة بايدن “تواصلت بشكل مباشر وسرّي وعلى مستويات عالية جداً مع الكرملين وأوصلت رسالة مهمة بأن أي استخدام من قبل روسيا للأسلحة النووية سيجعل موسكو تواجه عواقب وخيمة”. وهذا ما قد يكون دفع موسكو حتى الآن للتراجع عن هذه التهديدات وتفضيل الانسحاب في خيرسون.

“مزايا الأسلحة النووية لا ترقى للتكاليف”

يقول جون إراث، إنه على الرغم من ردع روسيا للغرب بشكل فعال عن تزويد أوكرانيا بأسلحة أكثر تقدماً مثل الصواريخ بعيدة المدى أو الطائرات الحديثة، فقد ثبت أن التهديد الضمني الروسي بالدفاع عن المناطق التي تم ضمها مؤخراً، بما في ذلك خيرسون، بأنه عديم الفائدة. ولم تنجح تكتيكات روسيا “الدبلوماسية” وتهديداتها النووية، في إبقاء خيرسون في أيدي الروس لمدة أطول على الأقل.

وإذا استمر هذا النمط، وفشلت جهود بوتين في استخدام الابتزاز النووي كأداة لتحقيق أهداف السياسة، فسيؤدي ذلك إلى إزالة التبرير الناشئ لامتلاك أسلحة نووية وإبراز أن أي مزايا قد تكون لمثل هذه الأسلحة لا ترقى إلى مستوى التكاليف.

وإذا كانت الأسلحة النووية غير قادرة على منع الهزيمة العسكرية، فهل تحتاج القوى النووية إلى الكثير منها؟ كحد أدنى بحسب إراث، يجب على الحكومات أن تناقش إزالة أسلحة ساحة المعركة الآن بعد أن ثبت أنه ليس لها دور. حيث إن التحكم الجيد في الأسلحة ليس بالأمر السهل، لكن استخلاص الدروس الصحيحة من المأساة في أوكرانيا يمكن أن يعيدها إلى مسارها الصحيح.