إفلاس “FTX” يقسم خبراء بعالم تشفير العملات.. ضرورة تنظيم يقابلها “فقاعة قابلة للانفجار”

تَمُرّ سوق العملات الرقمية بفترة حرجة، بعد أن تلقت ضربات عدة كان آخرها الانخفاض في أسعار العملات الرقمية، وصولا إلى إفلاس منصة التداول FTX واختفاء ما لا يقل عن مليار دولار من أموال العملاء في هذه البورصة.

وينقسم المحللون إلى فئتين، الأولى تدافع عن سوق العملات الرقمية معتبرة أن هذه المشاكل تحدث في جميع الأسواق الأخرى، وتعزو ما يحصل إلى غياب القوانين التي ترعى البلوكتشين.




والبلوكشين هي التقنية التي تسمح لفرد أو لشركة بنقل أصول ذات قيمة إلى شخص آخر بأمان ومن دون تدخل أي وسيط.

أما الفئة الثانية فتقول إن ما حصل مع FTX دلالة واضحة على هشاشة هذه السوق وعدم جديتها وأنها آيلة إلى الزوال.

فهل يمكن القول إن عصر التشفير والعملات الرقمية انتهى؟ وما جدية هذه السوق وكيف يمكن ضبطها؟

قصة انهيار FTX

بدأت القصة التي هزت عالم العملات المشفرة في 2 نوفمبر وبلغت ذروتها الجمعة عندما تقدمت FTX لحماية محكمة الإفلاس الأميركية، وبعد استقالة مؤسسها سام بانكمان فرايد من منصبه كرئيس تنفيذي، وفق رويترز.

وحصل الإفلاس بعد تعثر منصة تداول العملات في جمع المليارات لدرء الإفلاس بعد أن سارع المتداولون لسحب 6 مليارات دولار منها خلال 72 ساعة فقط، إثر علمهم بعملية احتيال.

من جهتها، تخلت شركة “بايننس” المنافسة عن صفقة إنقاذ مقترحة لـFTX هذا الأسبوع.

وقالت FTX في بيان على تويتر إن شركة تجارة العملات المشفرة التابعة لها “ألاميدا” ونحو 130 من شركاتها الأخرى بدأت إجراءات طوعية بشأن الإفلاس بموجب الفصل 11 في ولاية ديلاوير.

ومن جهة مقابلة، أوضح أشخاص مطلعون على الأمر لـ”رويترز” أن ما لا يقل عن مليار دولار من أموال العملاء اختفت من FTX. وأشاروا إلى أن بانكمان فرايد حَوّل سرا 10 مليارات دولار من أموال العملاء من FTX إلى “ألاميدا”.

وقالوا إن جزءا كبيرا من هذه الأموال اختفت منذ ذلك الحين، حيث قدر أحد المصادر المبلغ المفقود بنحو 1,7 مليار دولار، ويقدر شخص آخر الفجوة بين مليار دولار وملياري دولار، بحسب رويترز.

هذا الأمر أدى إلى اضطرابات استمرت تسعة أيام في أسواق العملات المشفرة المتعثرة، ما أدى إلى انخفاض عملة البتكوين إلى أدنى مستوياتها في عامين.

انفجار “فقاعة” العملات الرقمية؟

يعتبر خبير الأسواق المالية نديم السبع أن FTX ليست أول منصة تفلس، ولن تكون الأخيرة، فإن منصات تداول عملات رقمية أخرى ستتهاوى تباعا كـ”الدومينو”.

لكنه يشير في حديث لموقع “الحرة” إلى أنه “لا يمكن القول إن عصر التشفير انتهى لأن السوق أكبر من مجرد منصة تداول، ففكرة البلوكتشين أوسع من مجرّد عملة رقمية تتداول وتتهاوى”.

وتابع أن ما يحصل هو غسل للسوق بحيث يتم تنظيفها من كل المنصات التي كانت تستخدم أموال الناس من أجل استثمارات مشبوهة. وهذا الأمر يؤدي الآن إلى العديد من الخسائر.

ويمر عصر التشفير بمرحلة حساسة، لكنها لن تقضي عليه، بل سيستمر بشكل مختل، وفق السبع.

وأكد أنه “في سوق العملات الرقمية من الطبيعي أن تخسر الناس أموالها، بخاصة أنهم يستثمرون بأصول ذات درجة أخطار مرتفعة.

من جهته، يشرح الخبير المالي دان قزي، الذي يعرف عن نفسه أنه معارض للعملات الرقمية، أن “هذه العملات ليست سوى احتيال يغر الناس، ونهايتها الانهيار الكلي”، ويضيف في حديث لموقع “الحرة” أن “هذا الانهيار لن يحصل الآن”.

فالنسبة لقزي، يجب أن يحصل أمران كي تنهار العملات الرقمية بشكل كلي:

بداية، يترتب الانتهاء من ظاهرة التقليد الأعمى، بعد أن يعجز الأشخاص الذين خسروا أموالهم في هذه العملات من الدخول مجددا إلى المضاربة، وتاليا لن يكونوا عاملا محفزا للآخرين كي يقلدوهم.

ومن ناحية ثانية، يجب أن تحصل عملية محاسبة تؤثر في الأسواق، فالعملات المشفرة غير مراقبة، وكل ما هو ممنوع في الأسواق العادية مسموح في سوق العملات الرقمية، وهذا يؤدي إلى استغلال العديد من المؤسسات لهذا الوضع، والاستفادة من الناس التي لا تعلم كثيرا عن المجال.

ويشير إلى أهمية “تدخل السلطات في عالم التشفير، أو وضع حد له من خلال محاسبة المؤسسات الخارجة عن القانون، وقد تكون حادثة FTX عبرة في هذا المجال”.

إلا أن الرئيس التنفيذي لـ”كوين بايس” (CoinBase) برايان أرمسترونغ لديه رأي مختلف، فقد اعتبر في مقال كتبه في موقع “سي أن بي سي” أن “سقوط FTX حصل نتيجة لممارسات تجارية محفوفة بالمخاطر وغير أخلاقية، بما في ذلك تضارب المصالح بين الكيانات المتشابكة، وكذلك قرار إقراض أصول العملاء من دون إذن”.

البلوكتشين تحل المشكلة؟

أشار أرمسترونغ إلى أن “هذه الأنشطة تحدث في الأسواق المالية التقليدية أيضا”، موضحا أن “تقنية البلوكتشين ستجعل من السهل التتبع ومقاضاة الفاعلين بمرور الوقت”.

لكن قزي يؤكد أن “البلوكشين ليست تكنولوجيا، إنما منهجية، أي طريقة عمل”.

وتعني أن الأشخاص يضعون أموالهم في نظام غير معروف مكان وجوده ولا من يديره، ولا من يطلع عليه، حسب قزي الذي سأل: “ما هي المشكلة التي يحلها هذا النظام؟”.

وشدد قزي على أنه “من يدعي أن العملات الرقمية هي المستقبل، عليه أن يحدد المشكلة التي ستحلها العملات؟ بالواقع لن تحل أي شيء”.

سوق من دون تنظيم

يوضح السبع أن “في سوق العملات المشفرة لا يوجد تنظيم، فهي معرضة لحصول تبييض أموال، وذلك نتيجة غياب القوانين التي ترعاها”.

وأكد “ضرورة التدقيق الشامل في حسابات الشركات التي تتداول بالعملات الرقمية”، مضيفا أنه “علينا رؤية محاسبة الأفراد الذين يؤسسون منصات عملات رقمية ومن ثم تفلس وتثبت مسؤوليتهم في إدارة سيولة المستثمرين بطريقة خاطئة”.

واعتبر أنه “على البنوك المركزية إجبار منصات التداول على إيداع مبلغ إلزامي لديها مرتبط بحجم الاستثمارات، وإلزامها بالتصريح عن أعمالها”.

وضمن هذا الإطار، يكتب أرمسترونغ في موقع “سي أن بي سي” أن “بعد الذي حصل هذا الأسبوع من أحداث، نشهد دعوات لمزيد من التنظيم لقطاع التشفير، ووضع قيود أكثر صرامة. والمشكلة تكمن في أنه حتى الآن، يرفض المسؤولون تقديم لوائح واضحة ومعقولة للعملات المشفرة من شأنها حماية المستهلكين”.

ويرى أرمسترونغ أنه “من الصعب التعامل مع تنظيم التشفير في الولايات المتحدة، بعد الفشل في توفير إطار عملي لكيفية تقديم هذه الخدمات بطريقة آمنة وشفافة”.

ويعتبر أنه “نتيجة لذلك، كان المستهلكون الأميركيون والمتداولون المتقدمون على حد سواء يتعاملون مع منصات خارجية محفوفة بالمخاطر”، مشيرا إن “أكثر من 95 في المئة من نشاط تداول العملات المشفرة يحدث في البورصات الخارجية”.

إلا أن قزي يدحض هذه النظرية، قائلا إن “من يدعم العملات المشفرة هم الأفراد الذين يرفضون تدخل الدولة، لذلك يبحثون عن عملة خارج إطار مؤسساتها ونظامها، وهؤلاء يطالبون الآن الدول أن تضع أنظمة وقوانين كي ترعى هذه العملات الرقمية، فهذا يضعهم في حالة تناقض”.

ويوضح قزي أنه “لدى تأسيس شركة، تقوم الأخيرة بإنتاج سلع أو خدمات، فتستمد الشركة قيمتها من سلعها وخدماتها”، ويسأل: “العملات الرقمية ماذا تنتج؟ وتاليا ما هي قيمتها”.

ويضيف قزي: “قد يقول أحدهم إن العملات الرقمية تستمد قيمتها من احتمال أن يأتي وقت تحل فيه مكان الدولار أو أي عملة أخرى، فنظريا ممكن أن تصبح عملة مشفرة هي عملة العالم”، ويتابع: “إذا ذهبنا بهذا التحليل، هناك آلاف العملات الرقمية، فإن ذلك يعني أن آلاف منها ستنهرا أيضا”.