سجون لبنان بلا ماء في زمن الكوليرا.. مشاهد صادمة من وراء القضبان

“نريد ماء”.. صرخة أطلقها سجناء “رومية” في لبنان، بعد انقطاع المياه عنهم في ظل تفشي الكوليرا الذي تعاني منه البلاد، والخشية من أن يجد الوباء موطئ قدم بينهم، لاسيما وأن البيئة التي يعيشون فيها تشكل أرضية خصبة لانتشار كل أنواع البكتيريا والفيروسات.

خمسة أيام وسجن رومية بلا مياه، حالة من الهرج والمرج تسود يوميا داخله، حيث التقط بعض السجناء مقاطع مصورة وصوتية، في محاولة لإيصال صرختهم خارج القضبان، علّ من في السلطة يتحركون لتأمين أبسط حقوقهم، وتخفيف المعاناة التي أثقلت كاهلهم.




بحسب ما سبق أن أعلنه وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، تعاني السجون من ثلاث مشكلات، أولها الاكتظاظ، حيث بلغت نسبة المساجين 323 في المئة من القدرة الاستيعابية مع وجود أكثر من 8000 سجين، من ضمنهم 20.9 بالمئة فقط من المحكومين، أي أن هناك 79.1 بالمئة في السجون اللبنانية غير محكومين، إضافة إلى مشكلة الطبابة والتغذية، وقبل أيام أضيفت مشكلة المياه إلى سجن رومية.

الاكتظاظ الكبير الذي تئن منه السجون نتيجة بطء المحاكمات على مدى العقود الماضية، لم تحل دون إعلان عدد كبير من القضاة من مختلف الرتب والدرجات اضرابا مفتوحا منذ أغسطس الماضي، وذلك بعدما دقوا ناقوس الخطر عدة مرات، محذرين من أن ظروف العمل قد لامست خط التعذر، من دون أن يلقوا آذانا صاغية من السلطات.

ويعد سجن رومية من أكبر السجون في لبنان، وهو يتسع كما يؤكد مدير مركز حقوق السجين في نقابة المحامين في طرابلس والمدافع عن حقوق الانسان، المحامي محمد صبلوح “لـ 1500 سجين كحد أقصى، إلا أنه يضم حاليا ما يزيد عن الـ 4 آلاف سجين”.

تحذيرات عدة أطلقت منذ فترة طويلة، لاسيما مع بدء الأزمة الاقتصادية، من أن سجون لبنان قنابل موقوتة اقترب موعد انفجارها، لكن وزير الداخلية نفى الخميس صحة ذلك قائلا “نتابع وضع السجناء وموضوع الاستشفاء ونؤمن الكهرباء والمحروقات للسجون”.

حلّ “ترقيعي”

مياه الاستخدام والشرب مقطوعة عن كل المباني في سجن رومية، بحسب ما تؤكده نائبة رئيس جمعية لجان أهالي الموقوفين، رائدة الصلح، “أما السبب كما يقول السجناء عطل أصاب أسطل المياه الرئيسي المتواجد أمام مبنى المحكومين، وكما اعتدنا في لبنان على الحلول الترقيعية، فإن الحل السريع الذي اتخذته القوى الأمنية، هو تزويد السجن بمياه من خلال صهاريج، لا تكاد تفرغ حمولتها حتى تتبخر نتيجة الاكتظاظ”.

“أي كمية من المياه ستكفي ما يزيد عن الـ 4 آلاف سجين، فلو أن كل واحد منهم أراد غسل يديه فقط لاحتاجوا إلى عشرات الصهاريج، هذا إن لم يقوموا بغسل الخضار والأواني وثيابهم والاستحمام وقضاء حاجاتهم”.

هي مشكلة طارئة تعمل القوى الأمنية على حلها بحسب ما أكدت قوى الأمن الداخلي، شارحة في حديث لموقع “الحرة” أن “العطل أصاب إمدادات المياه، حيث يعمل فريق كبير من أجل عودة الأمور إلى طبيعتها، ومن المتوقع ان ينجح في ذلك اليوم، وإلى حينه يجري إمداد السجن بصهاريج مياه”.

مشاكل عدة تقع بين السجناء يوميا بسبب المياه، فكل واحد منهم يريد تعبئة العبوات العائدة له قبل الآخر، تقول الصلح، شارحة “حالتهم تدمي القلوب، فهم يعجزون عن الاستحمام، والدخول إلى المراحيض المقززة، والتي تعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتفشي الأوبئة ومنها الكوليرا، التي نخشى ظهورها لاسيما بعد انتشار أمراض جلدية لا تعد ولا تحصى بين المساجين”.

حمام في أحد سجون لبنان

وأشارت إلى أن “المقتدرين من السجناء يتمكنون من شراء عبوات مياه لقضاء حاجتهم، ومع ذلك فهم معرضون كما باقي السجناء لخطر الإصابة بالكوليرا كونهم يعيشون في مكان موبوء”.

معاناة السجون من قلّة النظافة ليست بالأمر الجديد، كما يقول صبلوح، شارحا لموقع “الحرة”، “قبل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد كان الوضع سيئا، والآن وصل إلى الدرك الأسفل”.

حمام في أحد سجون لبنان
حمام في أحد سجون لبنان

ويضيف “عرّت الأزمة المسؤولين حيث كشفت سوء إدارتهم للسجون وعدم تحملهم مسؤولياتهم في تأمين أبسط حقوق النزلاء. الوضع صعب جدا، ويوما بعد يوم تتراكم الأزمات في لبنان، ومن يدفع الثمن المواطنون اللبنانيون سواء كانوا داخل السجن أم خارجه، لكن السجناء يدفعون الثمن مضاعفا هم وعائلاتهم”.

يشدد صبلوح على أن الخطر كبير من تفشي الكوليرا في السجون، فكيف مع انقطاع المياه السلاح الأساسي لمحاربة هذه البكتيريا القاتلة، وتأمين اللقاح وإن كان خطوة مهمة إلا أنها منقوصة إذا لم تتوفر كل العوامل التي تشكّل حصنا منيعا ضد هذا الوباء الخطير”.

وكانت قوى الأمن الداخلي باشرت بالتعاون مع وزارة الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الداخلية والبلديات واللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات مانحة، بتنظيم حملة تلقيح ضد وباء الكوليرا، لمن يرغب من نزلاء السجون في لبنان” بحسب ما أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.

وأوضحت أن “الصليب الأحمر اللبناني بدأ عمليّات التلقيح في المرحلة الأولى في الرابع من الشهر الجاري، في سجون رومية المركزي وزحلة وطرابلس، إضافة إلى تلقي العناصر المعنية خدمة السجون وحراستها جرعات اللقاح. وقد لاقت هذه الخطوة ارتياحا لدى السجناء”، مشيرة إلى أن “الحملة مستمرة حتى تأمين تلقيح يشمل كل السجناء الراغبين بذلك”.

الكوليرا “تطل برأسها”

في الوقت الذي أعلن فيه وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال فراس الأبيض كما تقول الصلح “أن الكوليرا عبارة عن بكتيريا سريعة الانتقال علينا الوقاية منها، والسيطرة عليها سهلة شرط تأمين المياه السليمة والنظيفة، حيث يمكن القضاء عليها بغسل اليدين، نجد أن أدنى معايير النظافة غير متوفرة في السجون، وقد بدأت الكوليرا بالظهور فيها، فقد سجّل سجن القبة في شمال البلاد حالة وفاة تبين من خلال اتصال أجرته صحفية متابعة لملف السجناء، مع المستشفى الحكومي، أن سبب الوفاة هو الكوليرا، ويوم أمس أعلن وزير الداخلية وجود حالتين في قصر العدل في طرابلس، ونحمد الله أنه لم يتم تسجيل أي حالة حتى الآن في سجن رومية لأن ذلك سيشكل كارثة كبيرة سيصعب احتوائها”.

يضم سجن رومية خمسة مباني وهي، مبنى المحكومين ومبنى الأحداث (يضم الجناح “و” التأديبي)، والمبنى “د” والمبنى “ب” والمبنى “ج” الذي تم انشائه مؤخرا، وقد شهد عدة “انتفاضات” على مدار الأعوام الماضية في محاولة من السجناء للضغط على المسؤولين لتحسين وضعهم وتسريع المحاكمات، وصولا إلى المطالبة بالعفو العام، إلا أن القوى الأمنية تمكنت في كل مرة من ضبط الوضع.

الأوضاع الصعبة التي يعيشها السجناء دفعت عددا منهم في الآونة الأخيرة إلى الهروب، آخرها من سجن “أميون” في الكورة شمال البلاد، حيث تمكنت مجموعة مؤلفة من 18 سجينا من الفرار فجر الأربعاء الماضي، عن ذلك تعلق الصلح “لا يمكننا لوم السجناء الذين يجدون أنفسهم مخيرين بين الموت أو مواجهة المجهول، فالوضع في السجون من سيء إلى أسوأ، والسياسيون أبعد ما يكونون عن إعطاء أهمية لهذا الملف وكأن السجين ليس انسانا يستحق الحياة”.

رغم كل التحذيرات التي أطلقها صبلوح، وطرحه حلولا متنوعة، إلا أنه كما يقول لم يلق آذانا صاغية من المسؤولين اللبنانيين الذين وصفهم بـ”معدومي الضمير”، “لا يبالون بالسجناء وبوضعهم المعيشي، لا بل لا يهتمون بالشعب اللبناني”، مشيرا إلى أنه “سبق أن طرحت مشروع قانون يساهم في حل القضية إلا أنه لم يتم إقراره، وبعدها انتهاء مدة ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تعقدت الأمور أكثر، اذ أي تشريع قانوني يحتاج إلى توقيع رئيس البلاد، وعلينا أن لا ننسى أن القضاء يتحمل جزء كبيرا من المسؤولية بسبب اعتكافه عن العمل، تاركا عددا كبيرا من السجناء من دون محاكمات أو اخلاء السبيل”.

وكان مولوي أكد الشهر الماضي بعد اجتماع عقده مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لبحث أوضاع السجون، أن العمل جار على حل مشكلة اكتظاظ السجون، واعدا السجناء أنه لن ينساهم ولن يهملهم، لافتا إلى تأكيد وزير الصحة أنه سيتم اتخاذ كل التدابير والاجراءات الضرورية لتعقيم المواد الغذائية والمياه.

إذا استمرت الأمور على هذا النحو، سيصل الوضع في سجن رومية إلى ما لا تحمد عقباه، كما يحذر صبلوح، شارحا “كلما ازداد الخناق على السجناء اقترب موعد ثورتهم، فالخلاص الوحيد الذي سيتوفر لهم من حالة الموت البطيء التي يعيشونها سيكون بالثورة لانتزاع حقوقهم”، ولتدارك الأمر طالب المجتمع الدولي بأن يأخذ قضية السجون على عاتقه “أولا لتحسين وضع السجون في لبنان، وثانيا لوضع آلية لمحاسبة المسؤولين عن الاستهتار بحياة من هم خلف القضبان، على مختلف الصعد الصحية والغذائية والبيئية، تاركين إياهم يواجهون مصيرهم المأساوي من دون أي حلول”.