السعودية لا تتعاطى مع حكومة لبنانية تضمّ “حزب الله”!

سركيس نعوم – النهار

اعتبر #لبنانيون كثيرون دعوة المملكة العربية #السعودية عبر سفيرها في لبنان #وليد البخاري غالبية المكوّنات اللبنانية والأحزاب والتيارات والحركات والشخصيات السياسية الى الاحتفال الأسبوع الماضي بالذكرى الـ33 لتوقيع “اتفاق الطائف” الذي رعته على أرضها، والذي أنهى الحرب الأهلية بينها، اعتبروها عودةً الى التزام تقديم ما يحتاج إليه من مساعدات في كل المجالات بعد تخلٍّ عنه استمرّ مدة طويلة. لكنها، أي الدعوة السعودية، لم تكن واسعة الأهداف على النحو الذي تصوّره اللبنانيون. ذلك أن الدعوة الاحتفالية حقّقت نجاحاً جيداً لكن غير كامل لأن الدعوات الى الاشتراك فيه لم تشمل أحد فريقي “الثنائية الشيعية” الممثلة سياسياً وحتى دينياً للغالبية الكبيرة جداً داخل الطائفة وهو “#حزب الله”. السبب معروف ولا ضرورة لأن يفصح عنه السفير البخاري أو غيره من المسؤولين في الرياض، وهو انقطاع العلاقة كلياً بين المملكة و”الحزب”. أما أسباب ذلك فكثيرة أولها كون الأخير جزءاً من استراتيجيا الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي اعتبرتها السعودية ومعها غالبية دول الخليج خطراً يهدّدها وأنظمتها من جرّاء سياسة تصدير الثورة الإسلامية الشيعية الإيرانية إليها. ثانيها تدخّل إيران الإسلامية هذه في اليمن عبر الحوثيين فيه ونجاحها بواسطتهم في إنجاح الثورة على رئيسه علي عبد الله صالح أيام “الربيع العربي” ولاحقاً في الاستيلاء عليها وبدء تأسيس الدولة التي يرغبون في أن تحكمهم بدعم مباشر تسليحي وتدريبي وسياسي ومعنوي ومالي من طهران. ثالثها إخفاق المملكة بعد شنّها حرباً على حوثيي اليمن عام 2015 بهدف تحرير المناطق التي يحتلها الحوثيون منه أو فيه وإعادة جمع الشمل بين أهلها وأهل المناطق اليمنية التي عصيت على الحوثيين رغم دعم إيران، إخفاقها في تحقيق أهدافها وأولها الفوز عسكرياً على الحوثيين وإعادة بناء يمن قريب منها وإبعاد شبح إيران ونفوذها وحتى إسلامها عنه.




طبعاً لا يعني ذلك أن المملكة وضعت في سلة واحدة “حزب الله”، الحزب السياسي الممثل لشريحة شيعية كبيرة جداً والحزب العسكري الذي يمتلك جيشاً قادراً على خوض حرب عصابات وحرب نظامية في آن واحد بعد اشتراكه في الحرب الأهلية السورية التي يسمّيها هو حرباً كونية على سوريا، وحركة “أمل” التي يترأسها نبيه بري. فهي وجّهت له الدعوة رسمياً لحضور الاحتفاء بالسنوات الـ33 لاتفاق الطائف بوصفه رئيساً لمجلس النواب لكنها في الحقيقة كانت تُرسل دعوتها المذكورة الى الزعيم الشيعي الشريك لـ”حزب الله” في قيادة الشيعة اللبنانيين منذ زمن طويل. قبل بري الدعوة شاكراً لكنه أرسل من يمثله لحضور الاحتفالية “الطائفية” نائباً سنياً عن طرابلس. لهذا السبب لم يجد مقعداً له في الصف الأمامي. انطلاقاً من ذلك لا يمكن أن يُتهم بري بعدم تلبية دعوة المملكة للاشتراك في ذكرى ولادة الطائف. لكن يُمكن التساؤل: هل هدفه من تمثيله السنّي فيها إفهام من يلزم أنه لبّى الدعوة كرئيس مجلس نواب لا كزعيم شيعي مشارك لـ”حزب الله” في قيادة الطائفة الشيعية وربما لمعرفته الوثيقة بأن الجو الشيعي العام في “الحركة” و”الحزب” ليس متعاطفاً مع المملكة لأسباب لها علاقة بموقفها السلبي من إيران أو بالأحرى بالموقف السلبي لإيران منها.

في أي حال، المقصود من هذه المقدمة الطويلة معرفة إن كان إحياء السعودية ذكرى ولادة اتفاق الطائف الذي نسيه اللبنانيون عملياً وفعلياً، ولا يتذكّرونه إلا في المناسبات الرسمية حيث يسود “التكاذب” الى حد كبير، مؤشراً عملياً الى عودة اهتمامها بلبنان والى رغبتها في مساعدته على تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية والمالية والنقدية وانقسامه عمودياً وأفقياً؟ لا يمكن إنكار أن المملكة عادت الى الاهتمام ببلاد الأرز. فقد بدا ذلك جلياً في تحركها بواسطة أحد كبار مستشاري ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء فيها الأمير محمد بن سلمان وهو نزار العلولا وسفيرها في لبنان وليد البخاري في اتجاه أوروبا وتحديداً فرنسا ومعها واشنطن من أجل وقف انزلاقه نحو جهنم تمهيداً لإخراجه منها. لكن الذي بدا ويبدو جلياً أيضاً أن اهتمامها يتخذ شكل معركة تخوضها في لبنان ضد فريق معادٍ لها ولمصالحها فيه وعامل على تقليص دورها السياسي وغير السياسي فيه أيضاً، وفي الوقت نفسه لإعادة القوة والدور الى حلفائها الطبيعيين فيه أي السنّة والمسيحيين والدروز. الأهم من ذلك محاولتها المستمرة استمالة فريق شيعي وازن أكثر مرونة من “الحزب” وقادر بوزنه الشعبي أيضاً على إنجاح المسعى السعودي لإعادة تشكيل دولة لبنانية عربية مؤيّدة لها. الذي يبدو جلياً أيضاً أن المملكة تخوض في لبنان معركة غير مباشرة بل مباشرة ضد إيران الإسلامية التي هدفها إدخاله في “كوكبها” الإقليمي، فيما الهدف السعودي هو استعادته بكل شعوبه الى العروبة. أما استعادته الى الإسلام “العربي” من الإسلام “الفارسي” فهي هدف دائم أيضاً. لكن النجاح في تحقيقه كما في تحقيق الأهداف الأخرى المذكورة أعلاه لم يعد ممكناً إلا بعد انحسار الحروب الإقليمية العسكرية وغير العسكرية العربية – الفارسية والعربية – الإسرائيلية، كما بعد انحسار حرب روسيا على أوكرانيا والحرب الصعبة غير العسكرية بين واشنطن وطهران.

انطلاقاً من ذلك يمكن القول إن لبنان لن تتحسّن أحواله ويستعيد قسماً مهماً من عافيته من دون التزام مالي سعودي كبير. والسعودية غير مستعدة الآن لإنفاق كهذا للأسباب المشروحة أعلاه. لكنها تنتظر نجاح فرنسا في ترتيب لأوضاع لبنان مع “حزب الله” و”حركة أمل” واستطراداً إيران. وهذا انتظار قد يطول نصف سنة على الأقل أو ربما أكثر. السبب أن الحركة الفرنسية – السعودية – الأميركية – الإيرانية – الداخلية اللبنانية لا تزال غير ناضجة. إلا أن التفاهم الدولي وارد وكذلك التسوية الرئاسية وما بعد الرئاسية التي ستنجم عنه. إلا أن المجهول هو موعده، ذلك أن السعودية لا تزال تقول حتى اليوم “أنا لا أتعاطى مع حكومة لبنانية فيها حزب الله”.