ميشال عون من التبشير برئيس ماروني “قوي” إلى إحياء ميليشيا “الحرس القديم”

لم يترك الرئيس اللبناني ميشال عون المنتهية ولايته الفراغ خلفه فحسب، وهو يغادر قصر بعبدا، بل فتح رحيله بعد عهد شهد لبنان فيه العديد من الكوارث الأمنية والسياسية والاقتصادية، الباب لما هو أخطر من ذلك. حديث بيروت هذه الأيام لا يتوقف عن ميليشيا العونيين التي كشفت عن وجهها الخميس الماضي خلال بث حلقة من برنامج “صار الوقت” للإعلامي مارسل غانم، مهاجمة بالرشاشات مبنى “أم تي في”.

عهد الرئيس المسيحي القوي، كما نعتَه أنصاره في التيار الوطني الحر الذي يقوده صهره الوزير جبران باسيل، أرجع لبنان إلى الوراء مراحل على مستوى الاقتصاد والعلاقات العربية والإقليمية وألحقه بالمحور الإيراني.




وبدأت عودة “الحرس العوني القديم”، التي يخشاها اللبنانيون اليوم، حين اقتحمت قوات أمن التيار الوطني الحر أستوديو “أم تي في” بعد أن وجه أحد الضيوف، وهو النائب وضاح الصادق، والصحافي محمد نمر انتقادات لأداء عهد عون وما أسمياه “الارتماء في أحضان السوري والإيراني”. وبدأ تحطيم الأستوديو والاعتداء على الأبنية المجاورة وإطلاق النار، حتى اضطر مقدم البرنامج على الهواء مباشرة إلى مناشدة الجيشِ التدخلَ.

تدخل الجيش وتم فض الإشكال أمام المحطة التلفزيونية وأعاد الوضع إلى طبيعته. ولكن المشكلة لم تنته، فقد بدت كما لو أنها إعلان رسمي عن عودة الميليشيا الخاصة بعون بعد انقضاء عهده.

واعتبر الحزب التقدمي الاشتراكي، على لسان مستشار رئيسه رامي الريس، أن ما حصل يمثل “الغوغائية والجهل!”، رافضاً المس بالحريات الإعلامية. أما القوات اللبنانية فقد عبّر عن موقفها عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك بالقول “اعتداء الحرس القديم والصبية الجدد على ‘أم تي في’ نتاج عقل عوني لا يتبدل. اعتداء ذكّرنا بالاعتداء على بكركي واستحضر مشهد القمصان السود”.

ثمن الرئاسة

منذ أواخر الحرب الأهلية اللبنانية وعون يبحث عن كرسي الرئاسة، حتى حين كان مؤقتاً بعد أن سلّمه الرئيس أمين الجميل السلطة إثر انتهاء فترته، ظل يتصرف كرئيس جمهورية غير منتخب. ثم قادته حربه مع الجيش السوري أيام الرئيس حافظ الأسد إلى الفرار من بعبدا نحو السفارة الفرنسية، ومنها إلى باريس التي قضى فيها 15 عاماً في المنفى قبل أن يعود ليواصل شق طريقه نحو كرسي الرئاسة مجدداً.

في عام 2008 كان عليه أن يمشي في طريق مصافحة الأسد بعد حرب شرسة مع نظامه ونظام والده، وبعد الدور الذي لعبه عون في استصدار قانون “محاسبة سوريا” في الولايات المتحدة، بذريعة أنها كانت تحتل لبنان، إلا أن عون ذهب إلى الأسد وكأن شيئاً لم يكن، لتذليل كل عقبة أمام طموحه. أما السوريون فكانوا يرغبون في تقريب عون نكاية بخصومهم الذين تكتلوا ضدهم بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.

ولم يكن الرجل الذي يبلغ اليوم 88 عاماً قادراً على الجلوس على كرسي الرئاسة لولا التفاهم الذي أجراه مع كل من رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري ومن قبل مع رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، وفي الخلفية وتدعيماً للاتفاقين كان على عون أن يؤسس لتحالف قوي مع حزب الله، فدشّن عهداً لم يعرف لبنان مثيلاً له في الأزمات والانقسام السياسي والاجتماعي.

أما علاقات لبنان مع المجتمع الدولي فقد تعرّضت لهزّات عنيفة بسبب ضعف عون أمام حزب الله، ومثلها واجهت علاقات هذا البلد الصغير مع محيطه العربي، فسحبت الدول الخليجية سفاراتها وقطعت علاقاتها مع دولة رأت أنها صارت تسبح في مياه نظام الولي الفقيه.

انهارت الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي إلى نحو 25 ضعفاً، وفقدت الكهرباء بأرقام قياسية، وسقط قتلى وجرحى بين المدنيين وانتعشت سوق تصنيع وتهريب المخدرات، قبل أن يشهد لبنان أعلى رقم لهجرة الشباب إلى الخارج.

وتقول إحصاءات اللبنانيين إن فترة عون كانت نصف فترة التعطيل الحكومي، باعتبار أن الحكومات التي أشرفت عليها كانت “حكومات تصريف أعمال”، وفقاً لدراسة نشرتها “الدولية للمعلومات”.

كما ارتفعت نسبة الشقاق الطائفي والتوترات بين المكونات السياسية بشكل لم يعرفه اللبنانيون منذ اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب والاقتتال الداخلي. وقد يعود الغضب على الحريري عائداً في جانب منه إلى ذلك التفاهم الذي أجراه مع عون وسهّل له الوصول إلى الرئاسة، قبل أن ينقلب الأخير على الحريري ومَن خلفه مِن الدول العربية، ومن ثمّ ضد نادي رؤساء الحكومات السابقين والطائفة السنية في لبنان.

التفاهمات التي يعود إليها الفضل في جلب عون إلى الرئاسة، سواء مع الحريري أو جعجع، حطمها عون بمجرد أن اعتلى كرسيه في قصر بعبدا مُبقيا على تحالفه الوثيق مع حزب الله

وكانت الصلاحيات التي أراد عون استثمارها ترتطم بالميثاقية التي هي جوهر الطائفِ والعملِ السياسي اللبناني منذ استقلال لبنان. إلا أن عون أراد كسر ذلك، لرغبة منه ومن تياره في تقليص نفوذ السنة في لبنان عبر تقليص صلاحيات رئيس الحكومة السني. بالطبع كان ذلك ليزيد رصيده لدى حزب الله ومرجعيته في إيران. وبعد قطع قالب الحلوى بين جعجع وعون في اتفاق معراب، وإعلان المصالحة المسيحية – المسيحية، عادت تلك المصالحة وانهارت تماماً.

وكان وليد جنبلاط ونبيه بري وسليمان فرنجية في مرمى نيران عون الذي لم يوفّر حتى حزب الكتائب اللبنانية الذي كان رئيسه الجميّل هو من جاء به أول مرة إلى بعبدا كما سلف، فوصلت العلاقة مع هذا الحزب الذي مثل الموارنة تاريخياً وسياسياً إلى طريق مسدود أيضاً في عهد الرئيس عون. وطالت ضربات عون رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبود، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والاثنان من أبرز الشخصيات المارونية، ولكن ذلك لم يمنع الرئيس القوي من الدخول في صراع معهما.

لبنان العوني

اصطبغ لبنان بشخصية تشبه شخصية عون خلال عهده، فباتت علاقاته ممزقة ومتقلبة، لا تعرف بوصلة ثابتة؛ تطالب حكومته بدعم العرب اقتصادياً في أحلك الظروف التي مر ويمرّ بها، من جهة، ويهاجم الرئيس ووزراؤه السعودية ودول الخليج دفاعاً عن الحوثيين في اليمن من جهة ثانية، يحاول اللبنانيون رأب الصدع مع السعودية والإمارات والكويت، وفي الوقت ذاته ترسَل الشحنات الملغمة بالمخدرات والكبتاغون من لبنان إلى هذه البلدان، حتى اضطرت السعودية في العام الماضي إلى حظر دخول الخضروات والفواكه اللبنانية إلى أراضيها أو حتى المرور عبرها نحو دول أخرى.

حجزت البنوك أرصدة المواطنين وضيّقت عليهم سبل العيش إلى أدنى حد، فانفجرت انتفاضية شعبية في خريف العام 2019، طالبت بعزل الطبقة السياسية كلها وعلى رأسها عون، موجهة سهام نقدها وشعاراتها إلى فساد الحكومة والعهد كله.

ولم يكن بوسع عون احتواء الانتفاضة، فالإصلاح غير ممكن في ظل تفاهماته الهشة والمنهارة، فيما طالب المتظاهرون بمحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة، وتنظيم انتخابات مبكرة. ولم يكن من أثر لتلك الانتفاضة سوى استقالة الحريري الذي ظنّ أنه سيغيب فترة ثم يعود مجدداً، لكنه ترك الساحة فارغة لعون وحزب الله.

وحين سئل عون ذات مرّة إلى أين يمكن أن يذهب اللبنانيون في ظل هذه الظروف؟ لم يتردد في القول “إلى جهنم”، لكنهم كانوا يذهبون في طريق الهجرة، فقد ارتفعت نسبة المهاجرين خلال العام الماضي وحده بنسبة 346 في المئة عن معدّلها العام.

الرئيس المنقذ

يعتمد لبنان في قسط كبير من اقتصاده على السياحة، وهي الباب الوحيد المتبقي في ظل الوضع الخانق، ومع ذلك فإن الموسم السياحي الذي شهده زوار لبنان قبل عامين كان كارثياً، فقد استفاقوا هم واللبنانيون على صوت انفجار ضخم لم يعرفوا له مثيلاً حتى في زمن الحرب. كان قنبلة من نوع آخر بالطبع، فقد أدى تخزين كميات هائلة من نترات الأمونيوم -الذي يعود إلى عام 2014 وكشفت تقارير أنه كان ضمن الشحنات التي كانت تلتف على العقوبات ضد النظام السوري- إلى انفجار مرفأ بيروت ورئته الاقتصادية. ففقد نحو 220 لبنانياً حياتهم، وأصيب أكثر من ستة آلاف آخرين، وطال الانفجار مساحة تدمير غطت نصف بيروت.

في عهد عون صار أكثر من 80 في المئة من اللبنانيين تحت خط الفقر، وارتفعت نسبة البطالة من 11.4 في المئة قبل اعتلائه سدة الرئاسة إلى 29.6 في المئة خلال يناير العام الجاري، واعتبرت بيانات البنك الدولي عهد عون الاقتصادي من بين “الأسوأ في العالم منذ عقود”، فخلاله خسرت الليرة اللبنانية 95 في المئة من قيمتها.

وآخر ما أشرف عليه عون وحلفاؤه هو توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بعد اكتشاف كميات كبيرة من الغاز قبالة السواحل اللبنانية. فبعد جولات طويلة من المفاوضات تعود بدايتها إلى عام 2012 شهد شهر أكتوبر الماضي الإعلان عن ولادة اتفاق لبناني – إسرائيلي، رفض حزب الله وأمينه العام حسن نصرالله تسميته باتفاق تطبيع أو اعتراف بإسرائيل.

وفيما أعلن الرئيس المسيحي القوي عن أن اتصالاً هاتفياً “إيجابيا” أجراه مع نظيره السوري سيكون مقدمة لترسيم الحدود السورية – اللبنانية، نفى السوريون ذلك، واعتبروا أن حدوث شيء مماثل أمر مستبعد في هذا الوقت.

ولم يتبق من أثر عون سوى هذه الجردة من الكوارث، فيما كان يرغب في أن يكون إرثه امتداداً لما اعتبره نضالاً طويلاً من أجل المسيحيين ومن أجل استقلال لبنان وسيادته، وكان من الممكن في تصوّره أن يتحقق ذلك فقط في حال توريث الرئاسة لصهره باسيل الذي أحرق بنفسه أوراقه الشعبية والسياسية بالعديد من الاضطرابات التي يبدو أنها بدأت اليوم تتحول إلى سلوك ميليشياوي ليحقق بنظرية حزب الله ما لم يستطع تحقيقه بالسياسة.