“الطائف” يحاكي الفراغ و”العوني” يُشعل الساحة المسيحية… “حزب الله” يرتب محوره لفرض أجندته الرئاسية!

ابراهيم حيدر – النهار

تعكس الاجواء السياسية في لبنان حال الانتظار لتطورات إقليمية ودولية تسهم في انضاج الحلول لتسويات تؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة. وبالتوازي توحي المواقف المعلنة للأطراف والصراعات المحتدمة بعد انتهاء ولاية #ميشال عون بأن الفراغ قد يطول ويحمل معه أخطاراً على البنية اللبنانية في ظل الفوضى الدستورية في الحكم واستمرار التفكك المجتمعي وضمن البيئات الطائفية. التطور الوحيد الذي يمكن إدراجه في خانة الحوار هو انعقاد مؤتمر الطائف الذي نظمته السفارة السعودية بمشاركة مختلف القوى باستثناء “#حزب الله”، لكنه بقدر ما شكل تواصلاً حوارياً، إلا أنه يحمل في طياته الكثير من التناقضات، إذ ليس كل ما قيل في المؤتمر يعبر عن توجهات المشاركين وإن كان الجامع فيه التركيز على مرجعية الطائف والمناصفة.




انتهى المؤتمر وعاد الجميع إلى قواعدهم الطائفية، إذ أن الأجواء الداخلية لا تؤسس لحوار لبناني فعلي لانتاج تسوية تحت سقف الطائف على الرغم من اعلان كل القوى التزامها به بما فيهم “حزب الله” الذي أكد عدم السعي لتغييره، لكن الواقع يناقض ذلك بعدما جرى تهشيم بنود الطائف على مدى السنوات الماضية منذ أن فعلت الوصاية السورية كل ما يمكن لتطبيقه وفق مصالحها بحيث بات الدستور مجرد واجهة لسيطرة الامر الواقع. ولعل السنوات الست من #العهد العوني كانت كفيلة بتفريغ الطائف من مضمونه حين أصر رئيس الجمهورية على ممارسة صلاحيات فرضتها السيطرة الحزبية على مفاصل البلاد بالاتفاق مع “حزب الله” وقدم نفسه طرفاً في الصراع الداخلي منقضاً على صلاحيات الرئاسة الثالثة وخوض مواجهات مع الرئاسة الثانية التي باتت اليوم في الجهة الدستورية الوحيدة في البلاد.

لا تنظر القوى السياسية والطائفية اليوم إلى تسوية تحت سقف الطائف. وما يجري في البلاد يؤكد سعيها للاستثمار في الفراغ ومحاولة تحسين مراكزها انطلاقاً من الرهان على تطورات خارجية لإنجاز التسوية. وبينما تبدو موازين القوى الإقليمية والدولية متغيرة لا يظهر أن هناك اهتماماً خارجياً بالداخل اللبناني إن كان عبر مبادرات وضغوط لانتاج حل يقوم على انجاز الاستحقاقات المعلقة وإعادة الاستقرار للوضع اللبناني. وفي التحرك الإقليمي والدولي اختارت السعودية استحضار الطائف لإعادة تفعيل دورها في الداخل اللبناني، وهو أمر إيجابي في الاطار العام لكنه لا يستند إلى ركائز في البيئة السنية المشتتة، لكن اتخاذها الطائف مرجعاً يقدم فرصة لاعادة ترتيب الأولويات اللبنانية نحو الحل. وفي حين أن الأميركيين يدعون لإنجاز الاستحقاقات وتشكيل حكومة اصلاحات، إلا أنهم منشغلون بالانتخابات النصفية وبملفات إقليمية ودولية متفجرة، وهم حذروا من استمرار الوضع اللبناني على ما هو عليه وتفكك الدولة، وكان لهم ما أرادوا بإخراج اتفاق ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل وتحييد هذه المنطقة عن الصراع بموافقة إيرانية، ما يعني أن “حزب الله” سيرتد إلى الداخل ويحاول فرض أجندته وكلمته في الاستحقاقات خصوصاً انتخاب الرئيس.

لا يوجد قوة دفع دولية اليوم لصوغ آلية للتفاهم الداخلي وانجاز الاستحقاقات وتحقيق الاستقرار، وذلك على الرغم من الدعم الفرنسي للطائف واعلان الأمم المتحدة تمسكها بالسلم الاهلي. وتفيد أجواء مواكبة للتحرك الدولي، أن التواصل مع “حزب الله” لم يفض إلى أي نتيجة طالما أن لا تطورات في الملفات الإقليمية العالقة بين إيران والولايات المتحدة، باستثناء ما حدث في العراق، وهو أمر لا يمكن البناء عليه لبنانياً نظراً لما يمثله من نفوذ إيراني لا يمكن أن يقدم تنازلات بلا مقابل.

في غياب المبادرت الدولية الضاغطة، سيكون الوضع اللبناني أمام احتمالات شتى. ويتوقع وفق مصدر سياسي متابع أن نشهد في المرحلة المقبلة توترات على غير صعيد خصوصاً في الساحة المسيحية. التيار الوطني الحر يسعى إلى إثبات شعبيته وكلمته مسيحياً، ولا يتوانى عن اطلاق حملات وإحداث تشنج داخلي لمنع التوافق على أسماء يرفضها لرئاسة الجمهورية، وقد جاءت أحداث الـ”أم تي في” لتعكس هذا التوجه، بعد الحملات على قائد الجيش جوزف عون. ويتخوف المصدر من أن تكون الحادثة مقدمة لتوترات واشكالات بالتحرك وفقاً لأجندات مسبقة بهدف شد العصب لإدامة الفراغ، واستدراج القوى المسيحية الاخرى خصوصاً القوات اللبنانية إلى التحرك لمواجهات في الشارع، وبالتالي فرض أمر واقع يدفع “حزب الله” إلى التمسك بحليفه العوني قبل أن يعلن مرشحه لرئاسة الجمهورية، والمتوقع أن يكون سليمان فرنجية.

بعد انتهاء ولاية عون، ارتدّت القوى الطائفية اللبنانية إلى قواعدها وبيئاتها لتخوض مواجهات من أجل تحسين مراكزها في ظل الفوضى الدستورية. بدأ التيار الوطني الحر معركته الجديدة من خارج الحكم من دون أن يقطع مع “حزب الله” الحليف الذي يشكل سنداً انطلاقاً من تجربة التغطيات المتبادلة خلال السنوات الماضية. ويريد الحزب الخارج من المأزق بعد الموافقة على اتفاق الترسيم أن يبقي روابط العلاقة مع التيار العوني، إلى أن تحين اللحظة المناسبة محلياً ودولياً لإيصال رئيس تحت جناحه إلى قصر بعبدا.

التصعيد العوني لن ينسحب ضد “حزب الله”. لا افتراق للحليفين وإن كانت الرؤى متباعدة في النظر إلى الملفات الاساسية، إذ أن التيار العوني يسعّر خطابه الطائفي تحت عنوان حقوق المسيحيين لاستعادة جمهوره وشد عصبه، والتي تقتضي خلق جو مسيحي متصلب أو متعاطف، فيما الحزب يريد التهدئة حالياً كي لا تنقلب الأمور ضده، وهو مقتنع انه بحاجة إلى الغطاء المسيحي للتيار، وهذا ما يلعب عليه جبران باسيل لإبقاء العلاقة مع الحزب أساسية حتى لو انفتح الأخير على القوى السياسية والطائفية الأخرى.

“حزب الله” الذي شكل رافعة للتحالف الحاكم طوال عهد عون، ليس بفائض قوته وحسب إنما أيضاً بأدواره الإقليمية المتعددة، قد يصوّب على اتفاق الطائف إذا طُرحت مسالة تغيير النظام ارضاءً لحليفه العوني. إذ لم يعد في إمكان الحزب شد عصب جمهوره بعد الترسيم، فهو حكماً ارتد إلى الداخل، ويسعى إلى إعادة ترتيب محوره والعلاقة بين حلفائه. وقد بات واضحاً أن باسيل يرفض ترشيح فرنجية للرئاسة ضمن المحور الممانع، ويدعو للاتفاق على شخصية أخرى بعد اقتناعه أن لا حظوظ له رئاسياً أو على الاقل هي لمرحلة لاحقة، لكن “حزب الله” يستعد لفرض شروطه عندما تتوفر الظروف المناسبة، والرئاسة في طليعتها مقابل الاتفاق على تسويات في الملفات الأخرى مثل الحكومة وغيرها، انما حتى الآن لا اتفاق على الرئيس التوافقي غير المحسوب على أي طرف، ويعني أن التسوية لا تزال مؤجلة.