كباش “أمل” و”التيار” إلى انحسار… وميقاتي يفكّك “الرسالة”

رضوان عقيل – النهار

كان لافتا لمتابعي جلسة مناقشة رسالة الرئيس السابق ميشال عون في البرلمان امس حال الهدوء الشامل بين نواب “التيار الوطني الحر” وحركة “أمل” بعد موجات السخونة الاعلامية والسياسية بين الطرفين في الايام الاخيرة والتي تتجه نحو الانحسار. ولا يعني ذلك انهما دخلا في هدنة اعلامية لأن اي تصريح من اي جهة كفيل باستعادة المواجهات التي لم تنتهِ فصولها على مدار السنوات الاخيرة. ولا يخفي حليفهما “حزب الله” انه مستاء ومتضرر من حدوث هذه الشروخ في صفوف جبهته التي لا يبدو انها متماسكة كما يجب، وهي غير قادرة الى اليوم على التلاقي في خيار واحد حول الاسم الذي ستتقدم به الى الانتخابات الرئاسية في جلسة انتخاب جدية غير مسرحية كتلك التي انعقدت في الشهرين الاخيرين.




ونجح البرلمان في تمرير جلسة الرسالة للنظر في وضع حكومة تصريف الاعمال، وانتهت بالطريقة المعهودة من الرئيس نبيه بري في التعامل مع هذا النوع من الرسائل وتخطيها بأقل نسبة من الاضرار بين الافرقاء، ولو لم يخرج نواب “لبنان القوي” ورئيس تكتلهم جبران باسيل راضين عن حصيلة ما تم التوصل اليه إذ كانوا يريدون مواجهة الرئيس نجيب ميقاتي بكل قوتهم حيث تصدى لهم اولاً النائب فؤاد مخزومي ثم نائب الضنية جهاد الصمد، وهما لا يلتقيان مع ميقاتي وسياساته لكنهما دافعا بشدة عن صلاحيات رئيس الحكومة وتعاطيه مع مرحلة تصريف الاعمال الى حين تحقيق الهدف الاكبر وهو انتخاب رئيس، وهذه الجملة لم تفارق ألسنة الجميع بدل اطالة الشغور الرئاسي القاتل. ونجح بري في حبك خلاصة شكلت مخرجاً مستنداً الى اصول تكليف رئيس تشكيل حكومة وفقا للمادة 53 من الدستور، وضرورة مضيّ حكومة تصريف الاعمال وفق الاصول الدستورية المطلوبة من ميقاتي الذي خرج من هذه المواجهة مرتاحا لخلاصة ما توصل اليه النواب. وهو لم يكن على علم بالحصيلة النهائية التي توصّل اليها بري والتي تلقّاها نواب “القوات اللبنانية” بترحيب مع ابداء حرص النائب جورج عدوان على عدم الخلط بين صلاحيات حكومة تصريف الاعمال ومهمات رئيس الجمهورية. وكان من الملاحظ ان “القوات” لم تتلاقَ مع نواب الكتائب الذين غادروا القاعة مع النواب “التغييريين” لأن المسألة تعدّت رسالة عون الذي اصبح خارج القصر الجمهوري وباتت تتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية وموقعه. وفهم كل طرف خلاصة بري بحسب ما يطمح اليه. بالنسبة الى العونيين و”القوات” فقد سلموا بحكومة تصريف الاعمال مع عدم دعوة رئيسها الى عقد جلسة وزارية، بينما الواقع يقول ان ميقاتي سيقدِم على مثل هذه الخطوة بالتشاور مع مكونات الحكومة عندما تدعو الحاجة القصوى الى مثل هذه الجلسة، مع تصميمه على هذه النقطة من دون اشارته الى اي رغبة في القفز فوق حدود صلاحياته.

ولم تخلُ الجلسة من رشقات بين نواب سنّة ومسيحيين عمل الجميع على استدراك خطورة الخوض في غمارها. وردّ بري بالمباشر على المطالبين بالدعوة الى اجراء تعديلات في الدستور تقضي بانتخاب الرئيس من الشعب بحسب دعوة باسيل. ولم يكن في مصلحة رئيس المجلس فتح سجالات بين اعضاء كتلته والعونيين، ولا سيما ان معركة من هذا النوع لا تكسبه اي نقاط على خشبة مسرحه النيابي الذي تحوّل “ميني حوار” بين الكتل، فعمل سريعاً على تفكيك اكثر من صاعق يهدد الجلسة ويزيد سوداوية المشهد السياسي الذي لا يدعو الى الاطمئنان على وقْع هذا الكمّ من الازمات. وساهمت اتصالات “حزب الله” مع حليفيه وكلمة النائب محمد رعد المدروسة والمتوازنة في عدم إحداث اي شرارة بين حليفَي الحزب الذي يعرف سلفاً ان ليس من مصلحة هذا الفريق حصول اي اشتباك في صفوفه، ولا سيما انه لم يتمكن بعد من بلورة الاسم الذي يريد انتخابه للرئاسة. ولم تُسجل على “غروب” النواب العونيين اي اشارة الى معاودة فتح سجالات مع كتلة “التنمية والتحرير”.

من جهتهم، يؤكد العونيون انهم قالوا كلمتهم على مسمع كل الكتل النيابية انطلاقا من قواعد حرصهم على موقع رئاسة الجمهورية. وتقول مصادرهم إنهم لم يدخلوا القاعة بهدف فتح اشتباك و”أردنا ان نتعاطى مع الامور بايجابية”. ويعلّق نائب من صفوفهم هنا بالقول انه في النهاية لا فائدة من خوض اي معارك اعلامية مع كتلة “أمل” التي ستكون في النهاية في موقع واحد مع “لبنان القوي” في اللحظة الحقيقية مهما طالت المسافات لانتخاب رئيس للجمهورية. اي بمعنى ان ثمة حاجة انتخابية متبادلة بين الكتلتين “ومن دون ذلك نقوم بتقديم هدايا مجانية للجبهة النيابية المقابلة”.

وفي لحظة حماوة المناوشات النيابية لا يبدو ان جمهور سائر الافرقاء بات يستهوي هذا النوع من “الهوايات” بين النواب في وقت تتجه الدولة ومؤسساتها نحو مزيد من الانحدار والانهيارات الاجتماعية من انصار كل الافرقاء الذين يعرفون ان الاستمرار في هذا النهج القائم من النكايات المفتوحة لن يؤدي الى انتخاب رئيس للبلاد حيث سيكون النواب الـ 128 في أول جلسة – امتحان الخميس المقبل بعد البدء بفصل الشغور الرئاسي الذي سيجرّ المزيد من الويلات على اللبنانيين في حال عدم تمكن البرلمان من انتخاب رئيس للبلاد.