ميشال عون: عهد لن ينسى

عارف العبد – المدن

لمناسبة مرور أربعين سنة على اغتيال بشير الجميل اجرت (ام تي في) حوارا مع ارملته صولانج وقد سئلت عن علاقته خلال مسيرته بالضابط في الجيش اللبناني آنذاك ميشال عون والذي كان معروفا باسمه الحركي يومها “رعد”.




أجابت صولانج ان زوجها بشير كان لديه مجموعة كبيرة من المعاونين في كل الاختصاصات ومن ضمن المعاونين العسكريين كان الضابط ميشال عون.

بينت التجارب الأمنية ان بشير كان يثق بعون وقد تقاطعت علاقتهما في أكثر من مناسبة وعلى وجه الخصوص ابان اقتحام مخيم تل الزعتر وبعدها خلال دخول القوات الإسرائيلية الى مدينة بيروت وتحديدا الى مناطق الطريق الجديدة ومحيط مخيمي صبرا وشاتيلا. وقد روى مستشار بشير الجميل الدكتور جورج فريحة تفاصيل كثيرة ومتعددة لم تكن معروفة او معلنة عن علاقة الاثنين ومستوى دور ميشال عون آنذاك في كتابه المهم المعنون:” مع بشير ذكريات ومذكرات”.

صحيح ان ميشال عون كان من الفريق الأمني والعسكري الذي يعمل مع بشير لكنه لم يكن مطواعا بيد الأخير بشكل كامل، وقد أظهرت الوقائع ان عون كانت له حتى مع بشير “نتعات” تعكس شخصيته غير المنضبطة والمترددة والمتقلبة في أكثر من واقعة.

كما هو معروف فان عون كان قريبا في بداياته من فكر وتوجهات ما سمي يومها “التنظيم” الذي اسسه وقاده جورج عدوان وقد تقاطع الرجلان في الأفكار والمعتقدات والتوجهات وقد تأثر بتلك الأجواء والأفكار التي سادت يومها لدى أطراف الجبهة اللبنانية الشهيرة لمحاربة وتحرير لبنان من ما كان يسمى: بالغرباء من الفلسطينيين.

انخرط ميشال عون الضابط في قلب الحرب الاهلية وكانت له أدوار متعددة على جبهات القتال ولم يسجل انه كان يفضل او يقف الى جانب الدعوات والاتجاهات التقسيمية التي انتشرت وظهرت ابان مرحلة حرب السنتين.

حين كان يقال ان عون يتولى محورا من المحاور القتالية التي كان يتولاها الجيش كان الامر يوحي لقادة الجبهة اللبنانية بالراحة في أحيان كثيرة. لكن طموحه كان دائما لان يتولى قيادة الجيش وأكثر، وقد لعب قربه من بشير دورا في ابعاده عن هذا المركز في بداية ولاية امين الجميل الذي فضل عليه ابراهيم طنوس.

امين الجميل فضل ان يختار من يعجبه هو وليس من عمل مع اخيه بشير، وميشال عون كان واحدا منهم.

حين شهدت رئاسة الجمهورية حدث الشغور الأول عبر استقالة بشارة الخوري من منصبه إثر انتفاضة 1952، كلف الخوري يومها قائد الجيش آنذاك فؤاد شهاب الماروني لرئاسة حكومة عسكرية انتقالية استمرت مهمتها لأيام فقط عمل خلالها شهاب على تامين الاجواء المثالية والمناسبة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو كميل شمعون.

مارس شهاب الدور المطلوب منه بأمانه ونبل وعاد بعد انتخاب الرئيس الجديد الى قيادة الجيش للسهر على إزالة اثار الهبة او “القومة” التي رافقت احداث اسقاط الرئيس الخوري يومها.

الطريقة الشفافة والهادئة والموزونة التي تصرف بها قائد الجيش، هي التي اهلته للوصول الى رئاسة الجمهورية حين حط الاتفاق على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية وكان البحث جاريا عن الرجل المناسب ابان صعود نجم ونفوذ زعامة جمال عبد الناصر العربية.

التجربة التي عاشها قائد الجيش فؤاد شهاب حين عينه الخوري رئيسا لحكومة عسكرية انتقالية حدثت مع ميشال عون عام 1988 فأقدم امين الجميل في تكرار لما سبق على تكليف ميشال عون الماروني رئاسة حكومة عسكرية انتقالية مهمتها كانت شبيهة بمهمة حكومة شهاب لكن الذي اختلف هنا ان ميشال عون لم يكن فؤاد شهاب وبدلا من سعيه لتامين انتخاب رئيس للجمهورية بشكل سريع لإخراج البلاد من المأزق يومها، قرر الانقلاب على التكليف والتمرد في قصر بعبدا واختراع الازمات والاوهام والحروب واحدة بعد الأخرى واطلاق معاركه الخاسرة والمدمرة التي اسفرت عن تنادي العالم وسماحه لحافظ الاسد اقتحام الجيش السوري لوزارة الدفاع وقصر بعبدا وفراره الى السفارة الفرنسية أولا ومن ثم ابعاده الى فرنسا.

بنود كثيرة ادخلت على الدستور اللبناني كانت بمثابة رد فعل على تصرف ميشال عون المتهور خلال تمرده غير المبرر في بعبدا، منها تصعيب وتعقيد احتمال حل مجلس النواب وافقاد المؤسسات الدستورية توازنها بين بعضها البعض.

لم يستطع ميشال عون المبعد الى فرنسا تناسي ان اتفاق الطائف قضى باخراجه من عرينه يوم تمرد وبالقوة.

لهذه الاسباب حمل في صدره كل الاحقاد اللازمة لتدمير هذا الدستور وتعديل بنوده إذا ما توفر له ذلك.

حين وصل الجنرال عون الى رئاسة الجمهورية بعد التسوية الرئاسية الشهيرة مع سعد الحريري لم يستطع ان يترك ماضيه خلفه وينتقل الى الموقع الذي صاغه الدستور له:” رئیس الجمهوریة هو رئیس الدولة ورمز وحدة الوطن. یسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضیه”.

لم يخف المقربون من الرئيس وحاشيته عدم اعجابهم بالدستور او رغبتهم في تعديله او الانقلاب عليه.

مستشاره الاقرب سليم جريصاتي والذي اعلن عدم موافقته على اخر تصرف قام به عون في التوقيع على مرسوم استقالة الحكومة المستقيلة، كان اعلن بصراحة في محاضرة في الجامعة اليسوعية ان هناك مناطق رمادية في الدستور وعلى الرئيس الممارسة بشكل يعدل هذه المناطق الرمادية، بمعنى ان يعيد كتابة بعض الفقرات بالحبر الاسود.

اغلب تصرفات الرئيس دلت على اتجاه واضح لديه وهو اعادة الامور الى الوراء اي تجاوز الدستور والعودة الى ممارسات ما قبل الطائف مع اضافة رغباته وشطحاته الهمايونية مع البطانة العونية المحيطة به.

كانت تجربة تعيين مجلس ادارة لتلفزيون لبنان، هذه المؤسسة الصغيرة والعريقة والتاريخية هي المقياس الذي كشف حقيقة تفكيره.

اقدم وزير الاعلام الاول في عهده ملحم رياشي ومعد اتفاق معراب وانشودة “اوعى خيك” الشهيرة على اجراء مباراة عبر مجلس الخدمة المدنية لاختيار رئيس مجلس ادارة التلفزيون من بين نحو 200 اسم وقد نجح المجلس في اختيار ثلاثة اسماء من المتبارين وقد تم رفعهم الى مجلس الوزراء لاختيار رئيس من بينهم.

النتيجة كانت ان الرئيس عون رفض الالتزام بنتيجة هذه الالية، على اساس ان العرف فيما سبق من سنوات، كان يقضي بان رئيس مجلس ادارة هذه المؤسسة يعينه رئيس الجمهورية، وهو يريد تعيين شخص يختاره هو لا من يفرض عليه.

وصل عون الى الرئاسة الاولى وعاد الى الرابية بعد ست سنوات وتلفزيون لبنان من دون رئيس لمجلس الادارة او ادارة ترعى شؤون المؤسسة وموظفيها الذين تولوا النقل المباشر لوقائع مغادرته قصر بعبدا الى منزله الجديد، وكل ذلك لان الرئيس رفض التراجع او التنازل عن ما اعتبره حقه في تعيين من يريد.

هذه التجربة البسيطة كانت نموذجا عن الذهنية التي ادار بها الرئيس الثالث عشر للجمهورية البلاد طوال الفترة الماضية.

صحيح ان الدستور الحالي قد حد من صلاحيات رئيس الجمهورية بعد ان كانت في السابق تقارب صلاحيات “ملك على جمهورية” حسب تعبير الرئيس سليم الحص. لكن الصحيح ان رئيس الدولة في الدستور الحالي اعطي دور حجر العقد الرئيسي في البناء اللبناني.

إذا مال الرئيس يمنة مالت الجمهورية معه واذا التزم نص وروح الدستور يمكن للبلاد ان تتنفس بحرية وسهولة.

لم يعط الدستور الامرة لاحد، لكنه اعطى رئيس الجمهورية الامساك بدفة القيادة يمنة او يسرة نحو الموج الهائج او نحو البحار الهادئة.

مشكلة الرئيس عون اضافة الى طبعه المتقلب والفردي، انه تقاسم القيادة مع صهره جبران باسيل المحبوب من قطاعات واسعة من الجمهور اللبناني والذي يغلب على طبعه الشر والمناكفة والاستفراد والعناد، بدل اجادة فن التسوية المطلوبة في احيان كثيرة في بلد معقد متعدد الاهواء.

فشل جبران باسيل وعمه في تقديم اي انجاز جدي ملموس في الملفات التي تولى ادارتها واحتاجها الناس مع انفاق هائل من دون طائل، فانهارت كل المشاريع التي كان يمكن ان تنهض بالبلاد التي تحولت من النور الى العتمة المكلفة بعد ان خسرت بسبب الانخراط في محور الممانعة بقيادة ايران كل الدعم العربي والدولي الممكن.

حين يجري الحديث عن احراق بغداد يبرز اسم هولاكو، وحين يذكر نيرون نتذكر روما، وحين نتحدث عن انهيار لبنان الحديث لن ننسى عهد ميشال عون.