لماذا يبدو جنبلاط المرتاح والواثق بين قلقين ومأزومين؟

ابراهيم بيرم – النهار

في الظاهر يبدو رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي #وليد جنبلاط الأكثر اطمئناناً وثقة بين مأزومين وقلقين ومهجوسين، وهي صفات تنطبق على كل المكونات والأطر السياسية من يسارها الى يمينها مروراً بالمرتاحين الى اكتسابهم صفة “التغييريين”.




وعلى ذلك يظهر زعيم المختارة بمظهر النأي بنفسه عن كل عاصفة السجال والجدال السياسي التي طغت على المشهد السياسي منذ ما بعد ظهور نتائج الانتخابات النيابية في منتصف أيار الماضي، وهي التي تضاعف عصفها في الأسابيع القليلة الماضية وتحديداً مع دنوّ موعد الشغور الرئاسي والفراغ الحكومي المعلومين سلفاً.

وخلافاً لجاري العادة يعزف جنبلاط وفق الراصدين لحركته، منذ نحو عشرة أيام، عن إطلاق أية تصريحات أو توزيع أي تغريدات من تغريداته المكثفة والمثقلة بالرسائل والأبعاد المثيرة للجدال.

وقد واكبه في ذلك الناطقون بلسانه بعدما اكتفوا بالمساهمة العابرة في الحملة على العهد العوني محمّلين إيّاه تبعة كل الإخفاقات والانهيارات الحاصلة.

حيال ذلك فان السؤال المطروح: هل هذا الأداء المتعقل الهادئ في لحظة التموّجات السياسية وخلط الأوراق هو فعلاً دليل ثقة الرجل بالمستقبل وعلامة اطمئنان الى متانة وضعه وموقعه في المعادلة السياسية الآتية ساعتها على أي صورة استقرّت؟

حسب العارفين بطوايا الحالة الجنبلاطية فإن الرجل كان من البراعة والحذاقة أن رسم بوضوح ودقة خريطة طريقه في مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية استشرافاً منه لطبيعة المستقبل السياسي بعد هذه المحطة وما يمكن أن تنطوي عليه من تحوّلات.

ومعلوم أن الزعيم الاشتراكي خرج من تلك الانتخابات بربح مضاف. ومن يومها أسند ظهره الى هذا الإنجاز المكين وانطلق تالياً ليعيد حياكة صورته الجديدة في قلب المشهد الواعد بالتحولات، وهي صورة الأكثر توازناً من كل ما سلف منذ الخروج السوري من لبنان في ربيع عام 2005.

فهو أعاد على المستوى الشيعي، إحياء موجبات حلفه القديم مع الرئيس نبيه بري ماحياً بذلك بعض اهتزاز أصابه إبان فترة الانتخابات.

والاهم من ذلك أنه أعاد مدّ جسور العلاقة مع “حزب الله” وفق قواعد مختلفة، وكانت ذروة ذلك في لقاء كليمنصو النادر الذي جمعه مع ركني الاتصالات السياسية في قيادة الحزب حسين الخليل ووفيق صفا، موحياً للحزب بأنه ثابت هذه المرة في ترسيخ قواعد علاقة جديدة اختصارها التزام جادّ بعدم استئناف المواجهات بينهما من جهة مع حرّية اتخاذ المواقف وفق المصلحة من جهة أخرى. وهو ما فسّره الحزب لاحقاً بأنه ينطبق عليه الشعار السياسي المعروف ومفاده: فلنتفق على ما يمكن أن نتفق عليه وليعذر أحدنا الآخر على ما نختلف عليه.

وحتى الآن ورغم مرور نحو شهرين على بدء العمل بهذه المعادلة المعقدة فإن دوائر القرار في الحزب لديها استنتاج مفاده أن الزعيم الاشتراكي كان وفياً لعهده ولمقوّمات هذه المعادلة الصعبة، فهو من حينها الى اليوم قدّم أكثر من برهان عملاني يوحي بأن الأمور آخذة مجراها التطبيعي خصوصاً في أعقاب إطلاقه موقفاً يُعتدّ به فحواه أن الترسيم البحري مع إسرائيل إنجاز ما كان ليتم لولا تهديدات سيد الحزب ومسيّرات جناحه العسكري.

وعلى مستوى السنّية السياسية بذل جنبلاط أيضاً جهوداً بغية التكيّف مع المرحلة الجديدة التي تمر بها هذه الساحة منذ أن انكفأ وريث زعامتها التاريخية الرئيس سعد الحريري وجمّد نشاط تيّاره ومنذ أن قرّرت الرياض “إعادة هيكلة” توازنات اللعبة السياسية في هذه الساحة. وبمعنى آخر، ولأن بيك المختارة يعتبر نفسه الأدرى بشعاب الحالة السياسية السنّية وتعقيداتها وتوازناتها فإنه يعدّ نفسه “الناجي الأكبر” ممّا أصاب هذه الساحة من تحوّلات واهتزازات. فهو التزم الى حد بعيد بالتوجه المعروف القاضي بالتصويت للنائب ميشال معوّض رئيساً مرشحاً للرئاسة الأولى ولكنه ظلّ يبلغ من يهمّه الأمر بأنه ما انفك ملتزماً ضمناً بالشعار الذي كان من السبّاقين الى رفع لوائه وهو أنه يرى أن المرحلة تستوجب البحث عن رئيس “غير استفزازي”. وذلك سيكون بطبيعة الحال عندما تحين ساعة الجد و”تركب” التسوية المنتظرة والمزدوجة (داخلياً وخارجياً) والرامية فعلاً الى ملء الشغور الذي غمر قصر بعبدا بعد خروج الرئيس ميشال عون.

أما على المستوى المسيحي فقد حكم أيضاً جنبلاط الأمر، إذ نجح في إعادة خط التواصل والتهدئة مع التيار الوطني الحر خافضاً من منسوب هجماته المعروفة بحدتها على العهد العوني الى اقصى الحدود، لكنه في المقابل لم يقطع حبل التواصل مع حزب القوات اللبنانية لدرجة أن رئيس الحزب سمير جعجع اعتبر في إحدى إطلالاته أخيراً أنه وجنبلاط “في حيّز سياسي واحد” وإن اختلفت الرؤى وتباينت الآراء حيال بعض الملفات والقضايا.

وليس خافياً أن حرص جعجع على تظهير الجانب المملوء من كأس علاقته بالزعيم التقدمي هو لتقديم برهان حيال انفتاح القوات خصوصاً أن معراب استقبلت وفداً من كتلة اللقاء الديموقراطي في إطار جولة لها.

ومن خلال كل هذا الأداء البارع والدقيق تمكن جنبلاط ومناصروه من أن يظهروا المنسوب العالي من الاطمئنان والثقة بأن الرجل قد نجح في حجز مكان له في أي معادلة مقبلة. وأبعد من ذلك، بإمكان الرجل أن يطمئن بعد صدور نتائج الانتخابات الأخيرة بأنه أعاد الاعتبار للتموضع الذي يحبذه لنفسه وهو “بيضة القبّان” الذي تفوز المعادلة التي إليها يجنح والواقع الذي إليه يميل.

ولعل بوادر ذلك تتبدّى في الكلام الساري منذ فترة في الاوساط السياسية ويتبنّاه أنصار زعيم تيار المردة سليمان فرنجية ومفاده أنه لا يمكن لفرنجية أن يحقق حلمه بالوصول الى قصر بعبدا إلا إذا وفى بري بوعدٍ أعطاه وهو أنه سيبذل جهوداً لإقناع حليفه جنبلاط بإعطاء أمر لكتلته بالتصويت لفرنجية.

وفي كل الأحوال يبدو الجنبلاطيون مرتاحين الى الغموض الذي يكتنف موقفهم النهائي من موضوع الرئاسة الأولى.