تقرير لمركز “سكايز”: عهد عون الأسوأ على حرية التعبير في لبنان

بعد ست سنوات من الحكم، انتهى عهد الرئيس اللبناني، ميشال عون، “العهد القوي على الحريات”، بحسب ما وصفه تقرير صدر عن مركز “سكايز” للدفاع عن الحريات الإعلامية والصحفية، وهي اتهامات رفضها عضو في تكتل “لبنان القوي”، قائلا إنها “باتت مقززة”.

منذ تاريخ تولي عون الرئاسة في 31 أكتوبر 2016، شهد لبنان بحسب التقرير “تراجعا خطيرا لحرية التعبير، واقترب من تصنيف الدول المستبدّة والبوليسية، خاصة بعد أن تصاعدت الممارسات القمعية”، حيث تم توثيق أكثر من 801 انتهاكا ضد الحريات الإعلامية والثقافية.




يسلط التقرير الضوء كما تقول معدّته، الباحثة والكاتبة في “سكايز”، وداد جربوع، على “واقع الحريات الإعلامية والثقافية خلال عهد عون، مظهرا كيف تراجعت بشكل خطير جدا، وذلك باستخدام نصوص قانونية عدة تقييد حرية التعبير، وهو ما لم يكن مستغربا بعد رصد كل الانتهاكات التي مورست على مدى سنوات حكمه”.

اللافت، كما تقول جربوع، “ليس فقط عدد الانتهاكات، بل أنواعها، منها الاغتيالات والهجمات المسلحة على ممتلكات إعلامية والاعتداء على صحفيين وناشطين من قبل جهات رسمية وغير رسمية، وأيضا استدعاء واستجواب وتوقيف بعضهم بقضايا تتعلق بحرية التعبير، ومنهم من صدرت بحقهم أحكام قضائية، إضافة إلى مثول ناشطين أمام المحكمة العسكرية”.

لم يسلم المواطنون كذلك من الانتهاكات، حيث طالتهم، وفق الباحثة في “سكايز”، “الاستدعاءات والاحتجاز والاستجواب على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبرت أنها تمس برئيس الجمهورية أو بمقامه، عدا عن الرقابة الرسمية وغير الرسمية التي مورست على الأعمال والنشاطات، واستخدام القوة المفرطة والعنف بوجه المتظاهرين والمراسلين تحديدا خلال ثورة 17 أكتوبر”.

تقرير “سكايز” لم يشكل صدمة للبنانيين، ففي شهر مايو الماضي، أشار تقرير صادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” تحت عنوان “عصر الاستقطاب الجديد”، تراجع لبنان في “التصنيف العالمي لحرية الصحافة للعام 2022″، إذ حل في المرتبة 130 بين 180 دولة، بعد أن كان في المرتبة 107 في العام السابق، والمرتبة 98 في العام 2016.

“بورصة” الانتهاكات

وثّق مركز “سكايز” 7 انتهاكات في الشهرين الأخيرين من العام 2016، لترتفع بعدها وتيرة الانتهاكات بشكل سريع إلى 80 انتهاكا في العام 2017، و97 انتهاكا في 2018، ثم تصاعد عدد الانتهاكات إلى 234 انتهاكا فـي 2019 وهي السنة التي اعتبرت الأكثر قمعا لحرية التعبير في عهد عون، أي أثناء الاحتجاجات الشعبية التي بدأت فـي 17 أكتوبر، لتعود وتنخفض إلى 193 انتهاكا في 2020، ثم 117 في العام 2021، وأخيرا سجل 73 انتهاكا في الأشهر العشرة الأوائل من العام الحالي.

الهدف من المسار القمعي الممنهج الذي رسخته السلطة السياسية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والنيابات العامة، كما جاء في التقرير، “إسكات الانتقادات الموجهة للسياسيين، فتصاعدت وتيرة الاستدعاءات بحق الصحافيين والناشطين والمواطنين من قبل النيابة العامة التمييزية والأجهزة الأمنية المختلفة، من مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية، وأمن الدولة، والمباحث الجنائية وحتى الأمن العام اللبناني وشعبة المعلومات. وكانت معظم الاستدعاءات على خلفية شكاوى قدح وذم وتحقير، بحق سياسيين والأجهزة الأمنية”.

ينفي نقيب الصحافة عوني الكعكي، أن تكون الصحافة قمعت في عهد عون، قائلا “نعم هو عهد سيء وفاشل وعهد جهنم، لكن لا علاقة لذلك بقضية الحريات”.

وفيما يتعلق باستدعاء الصحفيين إلى المحاكم الجنائية والمحكمة العسكرية عوضا عن محكمة المطبوعات صاحبة الاختصاص، رد الكعكي، في حديث لموقع “الحرة”، قائلا: “حصل ذلك لكن ليس بشكل كبير، فدائما تحاول السلطة الضغط، لكن يبقى لبنان أقل البلدان في العالم في ارتكاب مثل هذه الممارسات، فهو بلد الحريات، إنما لا توجد حرية مطلقة وإلا لما قتل صحفيين بسبب آرائهم”.

من الصحفيين الذين جرى استدعائهم من قبل المباحث الجنائية المركزية للمثول أمامها في قصر العدل، الصحفي محمد نمر، وذلك على خلفية إخبار مقدّم بحقه من رئاسة الجمهورية، بسبب نشره خبرا تحت عنوان “كيف موّل التيار الوطني حملته الانتخابية؟”.

وتعليقا على تقرير “سكايز”، قال نمر إن “أي حكم يشعر بالخطر جراء معاملته أو فشله ينقض على الإعلام ويتجه إلى قمعه خوفا من أن ينقل صورته الحقيقية”، لافتا إلى أنه “عند كل محطة في لبنان نشهد محاولات لقمع حرية الرأي والتعبير، وقد بلغت ذروتها في عمليات الاغتيال التي تعرض لها أبرز الصحفيين كجبران تويني وسمير قصير (قبل تولي عون الرئاسة بسنوات)، وفي المرحلة الأخيرة لقمان سليم (خلال تولي عون الرئاسة)”.

“لكن رغم محاولات القمع من قبل العهد، ودفعه الإعلاميين والصحفيين إلى مراجع غير صالحة، كالمحاكم الجنائية وغيرها، إلا أنهم استطاعوا”، كما يقول نمر لموقع “الحرة”، أن “يظهروا حقيقته الطائفية وخروجه عن الدستور في كثير من المحطات”.

وعلى عكس نمر، يرى الصحفي والكاتب السياسي ميشال أبو نجم أن “عهد عون تميز بالتسامح واحترام الحريات الإعلامية والحرص عليها، والدليل عدم رفعه أي دعوى على الرغم من الهجوم والشتائم التي تعرض لها من قبل إعلاميين وناشطين في الشأن العام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ومن قبل قنوات تلفزيونية، حيث يمكن ملاحظة المحتوى الذي كانت تبثه ضد العهد لاسيما خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، ومع ذلك لم نشهد أي رد يتناسب مع الشتائم والانتقادات العنيفة التي وجهت إلى رئيس الجمهورية وإلى مقام الرئاسة”.

لكن ماذا عن الاستدعاءات لاسيما أمام المحاكم غير مختصة، عن ذلك أجاب في حديث لموقع “الحرة” أن “هذا الأمر يجب أن تُسأل عنه الأجهزة الأمنية أكثر من رئاسة الجمهورية”.

ركائز قانونية.. فضفاضة

تم الاستناد في الملاحقات التي جرت في عهد عون، على النصوص القانونية الجزائية المتعلقة بالقدح والذم والتحقير المنصوص عليها في قانون العقوبات اللبناني وقانون القضاء العسكري وقانون المطبوعات، تقول جربوع “على الرغم من أن الدستور اللبناني يكفل حرية الرأي والتعبير قولا وكتابة، وعلى الرغم من مصادقة لبنان على مواثيق دولية تكفل هذه الحرية، إلا أن ذلك لا يتطابق مع قانون العقوبات اللبناني الذي يجرّم حرية التعبير مستخدما تلك النصوص القانونية”.

فوق ذلك، لم يعرّف القانون اللبناني كما أشار التقرير “مصطلحات القدح والذم والتحقير بشكل واضح، ما سمح ويسمح للسلطة السياسية والقضائية باستخدام هذه التعابير الفضفاضة لقمع كل من ينتقد رئيس الجمهورية أو غيره من المسؤولين الرسميين، وبالتالي يتحول فعل التعبير عن الرأي إلى جريمة يعاقب عليها القانون بغرامة أو سجن لفترة تصل إلى سنتين، في تعارض واضح مع التزامات لبنان الدولية في حماية حرية التعبير”.

ونشر التقرير نص المواد القانونية التي استند عليها العهد، وهي المادة 384 من قانون العقوبات اللبناني، التي تنص على عقوبة السجن من ستة أشهر إلى سنتين على من حقّر رئيس الدولة، وتفرض العقوبة نفسها على من حقّر العلم أو الشعار الوطني علانية بإحدى الوسائل المذكورة في المادة 209، في حين تعاقب المادة 386 بالسجن من شهرين إلى سنتين على الذم بإحدى الوسائل المعينة في المادة 209 إذا وقع على رئيس الدولة وإذا وجّه على المحاكم أو الهيئات المنظمة أو الجيش أو الإدارات العامة.

والمادة 388 التي تنص على السجن من شهر إلى سنة على القدح بإحدى الوسائل المبينة في المادة 209 إذا وقع على رئيس الدولة وإذا وجه الى المحاكم والهيئات المنظمة والجيش أو الإدارات العامة.

كذلك المادة 23 من قانون المطبوعات التي تنص على أنه “إذا تعرضت إحدى المطبوعات لشخص رئيس الدولة بما يعتبر مسا بكرامته أو نشرت ما يتضمن بحقه أو بحق رئيس دولة أجنبية، تحركت دعوى الحق العام أو تحقيرا أو قدحا أو ذما بدون شكوى المتضرر، ويحق للنائب العام الاستئنافي أن يصادر أعداد المطبوعة وأن يحيلها إلى القضاء المختص الذي يعود له أن يقضي بنتيجة المحاكمة بالسجن من شهرين إلى سنتين وبالغرامة من 50 مليون ليرة إلى 100 مليون ليرة لبنانية أو بإحدى هاتين العقوبتين، ولا يجوز بأي حال أن تقل عقوبة السجن عن شهر واحد والغرامة عن حدها الأدنى”.

استخدام النصوص القانونية الجزائية بشكل متزايد ضد الصحفيين والناشطين والمواطنين الذين عبروا عن آرائهم من خلال منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي منتقدين فيها رئيس الجمهورية، دفعهم كما تشدد جربوع “على ممارسة الرقابة الذاتية هربا من ممارسات الأجهزة الأمنية والقضائية”.

ولفت التقرير إلى أنه “في العام 2020 تم تفعيل قرار قديم يفرض على الصحافيين والمراسلين الحصول على ترخيص مسبق من قبل مديريات التوجيه في الجيش اللبناني للسماح لهم بالتصوير وإجراء مقابلات صحفية مع المواطنين”، وفوق هذا امتنعت الدولة اللبنانية كما تقول جربوع “عـن توقيع البيان الختامي للاجتماع الوزاري الصادر عن المؤتمر العالمي الثاني لحرية الاعلام في العام 2020، بحجة التحفظات اللبنانية وتحديدا تلك المدافعة عـن حق مثليي الجنس بحرية التعبير والوصول إلى الإعلام، ما ساعد على ازدياد حملات التحريض والترهيب وتحديدا خلال السنتين الماضيتين بحق مجتمع الميم عين والتي تركزت من قبل شخصيات سياسية ودينية”.

ومن أجل الوقوف على الفارق في تعامل الرئيس عون مع الحريات والرئيس الذي سبقه إلى قصر بعبدا، لاسيما فيما يتعلق بالتعرض لمقام رئاسة الجمهورية، قارن التقرير كما تقول جربوع “بين عهد عون وعهد الرئيس ميشال سليمان الذي امتد من 25 مايو 2008، حتى 24 مايو 2014، وقد ظهر مدى الفرق الشاسع بين العهدين، فبينما سجّل في عهد عون 29 انتهاكا، سجلت خمس انتهاكات فقط في عهد سليمان”.

يرفض عضو تكتل لبنان القوي، النائب غسان عطالله، ما ورد في تقرير “سكايز” مشددا أنه “لا أحد بتاريخ لبنان هوجم بالطريقة التي هوجم بها العهد ومحبيه، من دون أن يحاسب أو يحاكم أي من المهاجمين، ولو أن مشهدا واحدا من الذي رأيناه خلال السنوات الثلاث الأخيرة حصل في عهد آخر لكان تطور الأمر إلى فتنة وحرب أهلية”.

ويضيف في حديث لموقع “الحرة” أنه “من المعيب أن يقال لرئيس تحمّل بصدره الإهانات والشتائم بسبب مواقفه الوطنية، أن في عهده حصل قمعا للحريات، فما الذي كان مطلوبا منه؟ أن يسمح لبضعة زعران احراق قصر بعبدا كي يقال إن الحريات مصانة”؟! مشددا أن “هذه الاتهامات باتت مقززة”.

وعن الاستدعاءات والتوقيفات التي طالت صحفيين وإعلاميين وناشطين علق عطالله متسائلا “هل يفترض ألا تتم محاكمة من قتل عسكريا خلال المظاهرات أو من ضرب عناصر القوى الأمنية واعتدى على الأملاك العامة والخاصة، في حين أن حرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، أم أنهم يريدون أن تنهار الدولة”؟!

استمرار “الخطر”

وثق مركز “سكايز” خلال عهد عون 29 انتهاكا يتعلق بتحقير الرئيس أو المس بمقام الرئاسة وسمعة الرئيس، عبر منشورات أو فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أخبار أو مقالات على المواقع الإخبارية،” ففي العام 2017 تم تسجيل أربع حالات اعتقال لناشطين وصحفيين ومواطنين، واللافت بحسب التقرير الفترة الزمنية للحجز الاحتياطي التي تراوحت بين ثلاثة أيام و13 يوما”.

وفي العام 2018، تضاعفت حالات اعتقال الناشطين والصحفيين والمواطنين، وكان اللافت خلال هذه السنة بحسب التقرير “التنكيل بالموقوفين، كما حصل مع القاصر يوسف العبدالله الذي تم التحقيق معه وهو مكبل اليدين ومعصوب العينين بسبب وضع صورة بروفايل على حسابه على الواتساب اعتبرت مهينة بحق الرئيس، والصحافي محمد عواد الذي تم اقتياده مكبل اليدين فيما تعرض الناشط خالد عبوس إلى الضرب المبرح والشتم خلال التحقيق معه، كما كان لافتا الحكم الذي أصدرته القاضية المنفردة الجزائية في بعبدا نادين نجم بحق الصحافي فداء عيتاني والذي قضى بسجنه أربعة أشهر غيابيا”.

وفي العام التالي، سجلت ثماني حالات كان أبرزها “الدعوى التي رفعت ضد صحيفة نداء الوطن بسبب مانشيت تحت عنوان “سفراء جدد في بعبدا، أهلا بكم في جمهورية خامنئي” بتهمة المس بكرامة رئيس الجمهورية، وفي العام 2020 انخفضت وتيرة الانتهاكات وذلك مع بدء تفشي فيروس كورونا حيث لم يسجل إلا خمس حالات، وفي العام 2021 تم تسجيل حالتين، ولكن كان لافتا سحب الأمن العام جواز سفر الكوميدي توفيق بريدي بسبب فيديو ساخر ينتقد فيه عون”.

والعام الحالي، تم تسجيل حالتين، وكان لافتا موقف الصحافي محمد نمر الذي رفض المثول أمام المباحث الجنائية مصّرا على المثول فقط أمام محكمة المطبوعات.

على الرغم من كل الانتهاكات التي جرى تسجيلها، يصرّ عطالله أن” العهد احترم الحريات بأعلى منسوب من الرقي، مع العلم أن القضاء يتحرك بحسب الدستور من دون أي تبليغ عند إهانة رئيس الجمهورية أو مقام الرئاسة، فإما أن يحترم الدستور وإلا فليصار إلى تعديله، ومع ذلك لم يكن الرئيس عون يقبل بأن تتم محاسبة أحد”، في حين تشدد جربوع “كل الانتهاكات التي رصدناها، تدفع إلى التأكيد أن عهد عون ” هو عهد قمع الحريات وكمّ الأفواه”.

في السنوات الأخيرة لعهد عون انكسر حاجز الخوف عند المواطنين والناشطين والصحفيين، بحسب ما يشير التقرير “تحديدا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر، وما تلاها من أزمات متلاحقة عصفت بالبلد، لا سيما الأزمة الاقتصادية التي أشار البنك الدولي إلى أنها من أسوأ الأزمات التي شهدها العالم منذ الخمسينات القرن التاسع عشر، ما دفع الناس إلى التعبير عن رأيها بشكل واضح مع استخدام لغة الشتم بسبب شعورها بأنها وصلت إلى حائط مسدود”.

مع رحيل عون، تحرر قصر بعبدا، كما يقول نمر، “من السياسة الكيدية تجاه الصحفيين والإعلاميين، ومن المستشارين الذين استخدموا قلم الرئاسة من أجل الثائر من مصداقيتهم، ولا شك أن الاعلام سيتحرر أكثر، لكن من ناحية أخرى طالما أن هناك ميليشيا في لبنان لا تعترف بالقوانين ولا تهتم بكل ما يرتبط بالدولة، ستبقى الحريات في خطر”.




الحرة