سمير عطا الله

ما بعد الثلثاء – سمير عطالله – النهار

تغيرت اشياء كثيرة في الجنرال #ميشال عون، إلا شارة النصر، بالإصبعين، في الذهاب وفي الاياب، قائداً للجيش، رئيساً للوزراء، رئيساً للجمهورية، ثم جنرالاً من جديد. النصر. غادر الجنرال #لبنان منفياً الى فرنسا، في ملالة عسكرية، ثم في سفينة فرنسية، باعتباره بطل ما سوف يصبح 14 آذار، رافعاً شارة النصر. وعاد الى لبنان بعد 15 عاماً، على طائرة رسمية فرنسية، وقد اصبح رمزاً للزعامة المسيحية في جبهة 8 آذار. وشارة النصر. وانتظر الجنرال عامين ونصف عام، وانتظر معه لبنان، الى ان رُفعت شارة النصر من داخل قصر بعبدا هذه المرة، وفي اقتراع شبه جماعي.

وعندما ترك قصر بعبدا ظهر الأحد، رافعا شارة النصر، كان معه شباب المفتدى، وأعلام البرتقال وفرقة الزجالين القريبة الى قلبه، بعدما زال هذا النوع من الحداء، مع الأسف، من عادات الافراح اللبنانية.




بقيت شارة النصر واحدة، وتغير كل ما حولها. فهي ايضاً علامة الصلابة والصمود، وعودة “الشعب العظيم” الى بعبدا، مظفراً بالفوز، مكللاً بالسيادة والاستقلال. وهذه المرة وريثه الى جانبه. دخل هو الى القصر يحمي الجمهورية، وترك ضلعه يحمي التيار. وما بينهما البرزخ، جسر الجنة.

منذ اعلان النصرين، ما بين بعبدا والشالوحي، لم يعد للسياسة ضرورة في لبنان. بل اصبحت تطفلاً مزعجاً وإعاقة لحلم الجنرال. وحاول الرئيس ان يُفهم الجميع هذا الواقع عندما اعلن للعموم “ان الوزير باسيل متقدم في سباق الرئاسة”، لكن غلاظ العقول، لا يفهمون، لا بالإشارة ولا بالمشير. وهكذا، طفق الرئيس السند يجول في انحاء الجمهورية الموعودة، ساحلاً وجبلاً، مُبلغاً من عسى ومن عصى، ان ارادة الجنرال لا تناقَش ولا تُرد.

جاء الجنرال عون الى بعبدا حاملاً سيرة حافلة، وإن مختلفاً عليها. لكن سيرة الصهر الشاب كانت لاتزال خالية حتى في الترتيبات العائلية الملزمة، من المؤهِّل الوحيد وهو النسب. والنسب قابل لشكوك الضعف البشري، وليس معصوماً كالصلب. ومع ذلك كانت للرئيس مشيئته: هذا هو ابني الحبيب.

بلغ الأمر في اصطفاء الرئيس للوريث انه بدأ جلسة مجلس الوزراء ذات يوم ومعه دراسة من 20 صفحة حول ضرورة بواخر الفيول. وفي لهجته العسكرية طالب الوزراء السامعين بان يفهموا، مستعيناً بأحد الأمثال الشعبية التي تحلو له، قائلاً في حدّة: “عنزة ولو طارت”. ثم رمى الدراسة امامه، فيما تفهّم الوزراء معاني الغضب، صامتين صمت الحقائب، وبينها حقيبة محاربة الفساد، التي ظهرت في اول حكومة ومعها غابت كذلك، مع الاعتذار من قرآنيات رشيد درباس، المعتذر بالله من لقب الوزير منذ ان عبس صاحبنا وتولى.

اليوم الأخير في بعبدا كان يوم الاحد.”بيّ الكل” يعود جنرالاً، لقبه الأثير، ويودّع الجماعة: “الله، لبنان وعون وبس”. لا تسيئوا فهمنا. الآخرون خوارج. أو مرتكبون. كمثل سهيل عبود، مخرّب القضاء ومبعثر العدالة. والعدالة اوسمتها القاضيات نجم وعون ونصار. وبس. سبحان ربك يعز من يشاء ويذل من يشاء. وكل يوم يشاهد اللبنانيون على تلفزيوناتهم صورة لمدخل “قصر العدل” الرثّ الكئيب الفقير الذليل وامامه تظاهرة. أيتام، ارامل مفقودين، سجناء، ضحايا مرافىء غرقى موتى، وسهيل عبود لا يتحرك. وحدها غادة عون تدور على ابواب العدالة ومعها “مهدتها” ورماح أمن الدولة. وقائد أمن الدولة يحب الصراحة ويجمع الاعلاميين ليبلغهم ان امن الدولة في خطر. مجرد مصارحة.

بكّر الجنرال في مغادرة القصر. يوماً وليلة لم يبقَ من شدة توقه الى العمل الحرّ بعيداً عن الرسميات الهادرة للوقت والزمن. هدر لا معنى له. يبقى الرئيس في دارته ويسافر المسافرون حول العالم: جنوب افريقيا، لاس فيغاس، نيوزيلندا. فقط يكون الرئيس في وفد الأمم المتحدة. ومعه فقط وزير الخارجية. ووزير الخارجية معه الله والرئيس. صورة تذكارية. عائلية.
الرحلة الى موسكو تتضمن اضافة حضارية: الى جانب الرئيس ووزيره، ابنة الرئيس. هذه عادات مألوفة في موسكو. ليونيد بريجنيف لم يكن يسافر من دون ابنته. فاليري جيسكار- ديستان كان احب ما لديه المفاخرة بابنائه. مرة تولّى ابنه البكر رئاسة الحرس. (باللباس المدني).
“انتظروا الثلثاء” قال احد نواب “التيار”. توعّد لا وعد. لا مزاح بعد الثلثاء. سيدة أخرى في جموع بعبدا المغنّية، قالت: “لاقونا بعد يوم الثلثاء”. خير. يكون الرئيس قد نفض عن كتفيه غبار عبء الرئاسة، والاثقال التي فُرضت عليه فرضاً. ذكّرتنا سيدة الجموع هذه بأميرتنا، مي زيادة، التي كان لها أهم صالون ادبي في مصر، يؤمّه كبار المصريين كل ثلثاء. وكان من جملة مَن هاموا بمي من ادباء وشعراء ومفكرين الشاعر اسماعيل صبري، الذي قال فيها:
إن لم امتّع بمي ناظري غداً

انكرت صبحك يا يوم الثلثاء
كان اللبنانيون، أو اكثريتهم، أو بعضهم، يتمنون لو منحهم الرئيس ومنحوه، وداعاً آخر. خطاب للجميع غفران واستغفار، ولا يقتصر عهد بكامله على بضعة اسماء، شكراً او استنكاراً، خصوصاً أنه هو من ندد بالثأر والثأريين. وكان أحرى به ان يتذكر ان خاتم البنين قد ضمّن جميع قيمه السامية “خطبة الوداع”. فأي مناسبة أعلى من يوم المصالحة الكبرى؟ لكننا في ذلك اليوم رأينا نائباً يهدد كل من ليس في الجماعة بما “بعد يوم الثلثاء”.

ليش يا عمي؟ بماذا اخطأ اللبنانيون؟ متى لم يقدّروا فضل الله عليهم “الذي رزقنا الترسيم”؟ يحسن بنا ان نقرر من الذي رزقنا: الله أم الوزير باسيل أم هوكشتاين أم الياس بو صعب. أنا شخصياً، إن انسَ لا انسى، يوم نشر الوزير باسيل صورته محلّقاً على اجنحة التواضع وتحتها مكتوب: جبنالكم النفط. وجاب لنا الكهرباء، 24 على 24. وعلَّم اميركا وبريطانيا كيفية ادارة البلدان من دون موازنة. علّمهم في دافوس. وعلّمهم في لندن. ثم رحنا نرى نتائج الدروس في كل مصرف وكل بيت وكل مصنع وكل مدرسة مغلقة. ما من احد طالب بشيء سوى القليل من التواضع. لكن عبثاً. وقد ابلغ الجنرال الجميع “ان الوزير باسيل نشأ على يدي”. ولم يتبلغوا.
وصل الجنرال الى الرئاسة وقد اقترع له لبنان، حلفاء وخصوم وبين بين. وودّعها من دون ان يودعها الى احد. فسوف يكون ذلك مشهداً لا يطاق. إنه “الرجل الذي تتطلع الرئاسة اليه”. و”الرئيس الذي ستبكي الناس دماً من بعده” وفق النائب الالمعي اياه. ليش يا عمي؟ ليش ما في إلا تهديد ببزة الجنرالية و”بعد يوم الثلثاء”؟ هل نسيت يا نائب ان الله “رزقنا الترسيم”؟ ست سنوات من الصراع: الرئيس والرئيسان. استدعاءات ورفوض. حروب سياسية ومعارك انتخابية وخلافات مع الجميع. وأسى واحزان. ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة عدوّان. قبل التكليف وخلال وبعد. والبلد حطام والجماعة وحدهم يرقصون!