عون الخارج من الفراغ وإليه: جبران أو لا أحد

سابين عويس – النهار

أما وقد انتهى عهد الرئيس #ميشال عون الى تهديد بفوضى دستورية عارمة تقصٓد ان يتوّج بها مسار التعطيل الممنهج الذي التزمه حكمه على مدى الولاية الرئاسية، تعود الحياة الى دورتها الطبيعية، في محاولة لملمةٍ للشظايا الاخيرة لرصاصة الرحمة التي أطلقها على الموقع الرئاسي الاول.




مع انقضاء الساعات الاخيرة من الولاية، سقطت آخر أوراق الضغط التي مارسها عون على رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي لدفعه الى تشكيل حكومة في ربع الساعة الاخير. ولم يكن مرسوم قبول استقالة الحكومة قبل يوم من انتهاء الولاية بعيداً عن هذا الهدف، لعلّه بذلك ينتزع الحكومة التي يريدها، والتي تتيح له تمديد عمر ولايته والتحضير لتولّي صهره النائب #جبران باسيل الرئاسة من بعده.

بقطع النظر عن كل الملاحظات التي يمكن إدراجها حول خطاب الرؤية الاخير، إلا ان ما بدا واضحاً فيه في شكل لا يقبل الالتباس، ان عون خاطب جمهوره من موقعه السياسي كزعيم لـ “التيار الوطني الحر”، وليس كرئيس لكل ال#لبنانيين. فرسم بخطابه خريطة عمله السياسي في المرحلة المقبلة معارضاً وإنما من خارج المعارضة القائمة، معبّداً الطريق امام باسيل الذي بدا من جانبه مستنزِفاً ما تبقّى من نبض في عروق الرئيس الخارج. فمعركة رئاسة باسيل ستنطلق من المقر الجديد لعون، وعلى أكتاف الاخير الذي اطلق عملياً هذه المعركة من قصر بعبدا وقبل خروجه منه، من خلال ما ادلى به واستفاض حول أحقية باسيل بالموقع، وحول سقوط العقوبات الأميركية عنه ما ان يصبح في بعبدا.

لا شك في ان الزمن توقف عند الجنرال في التسعينات. وقد ساعدته احتفالية خروجه من القصر على استعادة تلك المشهديات التي ترفع الأدرينالين في الدم، من دون ان تأخذ في الاعتبار تغيّر المشهدية ما بين العام 1990 عندما سلّم عون قصر بعبدا للنظام السوري، وما بين العام 2022 عندما سلّم السلطة لـ”حزب الله”، الذي تعود له كلمة اساسية في سيد بعبدا الجديد.

لعل هذا ما دفع باسيل الى لقاء الأمين العام للحزب قبل ايام، في سعي لتلمّس الطريق بعد 31 تشرين الاول.

تضاربت المعلومات حول نتائج اللقاء، وحول موقف الحزب من الاستحقاقات المقبلة. كان من المهم قرار علني حول مسألتين أساسيتين، تزيلان الضبابية حيال تلك الاستحقاقات: هل يتضامن الحزب مع التيار ويقدِم على سحب وزيريه من الحكومة المستقيلة اذا انسحب منها وزراء التيار؟ وهل سيستعيض عن الورقة البيضاء بإعلان اسم مرشحه الى الرئاسة؟
يعوّل باسيل على تمايز الحزب عن رئيس المجلس نبيه بري الذي فتح معه معركة “كسر عضم”، واضعاً اياه بين فكّي الحليف المسيحي والشريك الشيعي، وسط تهويل بالاقتراب اكثر من المحور الآخر، عززه كلام بدأ يتردد بقوة عن قرب رفع واشنطن العقوبات عن رئيس التيار، على نحو يسمح له بالفوز بكرسي بعبدا؟

انتظر باسيل انتهاء ولاية عمه وخروجه من بعبدا ليسرّ الى المقربين منه بنيّته ملء الشغور فيه. يعتبر الرجل ان الوراثة السياسية لموقع عمه على رأس التيار، تؤهله ايضاً لوراثته في موقع الرئاسة. ولِمَ لا طالما كانت مهمة العهد على مدى الولاية تأمين كل مستلزمات ولوجستيات العبور الآمن من رئاسة التيار الى #رئاسة الجمهورية. كل التفاهمات والتسويات التي اوصلت عون الى بعبدا انتُهكت وأُخِلّ بها. فانسحب سعد الحريري الى الإمارات، وانكفأ جعجع في معراب. أما على المقلب الشيعي، فبلغت المعركة مع بري مستويات غير مسبوقة لا مطرح للصلح او التسويات فيها. وما لم يقدمه بري لعون في جلسة انتخابه رئيساً، لن يقدمه حتماً لباسيل. فأي تحالفات يعوّل عليها باسيل لفتح أبواب القصر أمامه؟

تبدأ معركة باسيل أولاً في الإعلان عن ترشحه المرتقب في اطلالة له مساء اليوم، يسعى من خلالها الى ارباك المشهد الانتخابي، عبر ارباك الحليف الشيعي أولاً، الميّال الى تبنّي ترشيح زعيم “المردة” سليمان فرنجية.

هل لباسيل حظوظ في قلب الطاولة والتحالفات؟
في أحد اللقاءات الصحافية، كشف باسيل امام “النهار” ان استراتيجيته تعتمد على سياسة الرفض حتى الوصول الى تحقيق الهدف. نجحت هذه الاستراتيجية مع عون. أبقى كرسي الرئاسة شاغرة أكثر من عامين حتى تعب الجميع وسلٓم برئاسته. يراهن باسيل على عامل الوقت وتغير الظروف. فما يُنظر اليه على انه مستحيل اليوم يمكن ان يصبح ممكناً غداً.

ولكن ماذا عن القوى السياسية صاحبة القرار في الاستحقاق الرئاسي، وهل ستكون يوماً على استعداد للاستسلام امام عناد باسيل، او من يمكن ان يسميه اذا اعتمد سياسة رفع السقف للوصول الى مرشح من اختياره؟

حتى الآن لا يظهر اسم باسيل على اي رادار ضمن المرشحين الجديين. وبحسب الأوساط السياسية المتابعة، فإن الاولوية اليوم وبعد طَي صفحة عون في بعبدا، يجب ألا تجنح في اتجاه الانزلاق في متاهات الفوضى الدستورية التي اثارها عبر توقيعه مرسوم استقالة الحكومة، على نحو يغرق البلاد في متاهات تفسير الدستور والدفع نحو اجتهادات من شأنها ان تمثل خطراً حقيقياً على الدستور، كما على الاعراف المتبعة، والتي خرقها عون بتوقيعه. كما يجب ألا تجنح كذلك في اتجاه استعادة الحياة وتيرتها الطبيعية، في محاولة للرد على اداء عون، بحيث تتولى حكومة ميقاتي صلاحيات الرئيس وتستمر في تصريف الاعمال بالمفهوم الضيق بداية، قبل الانتقال، اذا فرضت الظروف ذلك، الى توسيع نطاق تسيير الاعمال، فيعود مجلس الوزراء الى الانعقاد. والمشهد نفسه في ساحة النجمة، التي ستشهد الخميس المقبل تلاوة الرسالة الاخيرة لعون، من دون ان تكون لها أية مفاعيل، على غرار الرسائل السابقة، فيما يستعد رئيس المجلس لإطلاق جلسات الحوار، بديلاً من جلسات الانتخاب من اجل التوافق على مرشح.

وفي رأي الأوساط نفسها، ان هذه الأمور يجب ألا تشغل الوسط السياسي عن الاستحقاق الرئاسي الذي يفترض ان تكون له اولوية على كل الاولويات الاخرى، بحيث لا يتحول الشغور عادة، ويعطى الفريق العوني مادة دسمة لإطلاق معركته تحت عنوان استعادة الموقع المسيحي الاول!