الياس خوري - القدس العربي

«هالوين» على الطريقة اللبنانية – الياس خوري – القدس العربي

احتفل لبنان بالهالوين بطريقة مبتكرة، فنحن لم نعرف هذا الاحتفال التنكري قبل أن يأتينا في زمن العولمة.

عيدنا التنكري في لبنان كان بسيطاً وطفولياً، وهو مرتبط بعيد القديسة بربارة، حيث يطوف الأطفال بأقنعتهم على البيوت، يغنون للقديسة الشهيدة وينالون الإكراميات.




عيد للبراءة والمزاح والتسلية والتعبير البسيط، وأكل القمح المسلوق بعد أن يضاف إليه السكر والجوز واللوز والصنوبر، ويرش فوقه ماء الزهر، فيختلط عطر زهر الليمون بمذاق القمح، في احتفالية تمزج الطبيعة بالتواضع.

ثم جاءنا الهالوين على الطريقة الأمريكية. أذكر أنني عندما رأيت مسيرات الهالوين في نيويورك، وكان ذلك في أواخر السبعينيات، أصبت بالرعب. ولم أستطع أن أربط بين التنكرية الأمريكية التي تمزج أفلام الرعب بالسخرية منها، وبين عيد جميع القديسين، أو بينها وبين احتفالنا اللبناني البسيط بعيد البربارة. أجبرت نفسي، كي لا أبدو ساذجاً أمام أصدقائي الأمريكيين، على ابتلاع هذه الكمية من الغرابة، ولم أقل إنني أصبت بالهلع وأنا أرى احتفالاً بالعنف المقنّع.

وبينما ضمر عيد البربارة وتهمش في لبنان، بدأت تطل علينا أشكال الأقنعة المخيفة المرتبطة بالهالوين. لكننا لم نشهد مسيرات صاخبة كالتي تشهدها أمريكا، بل اقتصر هالويننا على مجموعات تحتفل به في البارات والمقاهي والبيوت، وهي ترطن بالإنكليزية المتأمركة.

لكن هذا العام، بدت الأمور مختلفة.

فللمرة الأولى احتفل لبنان بالهالوين في أكبر حفلة تنكرية في تاريخه، قادها رئيس الجمهورية وهو محاط بأنصاره، معلناً نهاية عهده بصفتها نصراً، كأن الجنرال لا يملّ من الهزائم، بل كأنه يسعى إليها بعد أن يقوم بإلباسها أقنعة الانتصارات.

الجنرال يغادر القصر تاركاً وراءه الفراغ الذي أتي إليه بعدما تم ترئيسه، منذ ست سنوات. جاء الرجل إلى الفراغ ويترك وراءه الفراغ، لكنه أيضاً حوّل كل شيء إلى فراغ. جاء من هجرته/منفاه الفرنسي، كي يقوم بإرسال عشرات ألوف اللبنانيات واللبنانيين إلى المنافي، انتشى بمظاهر السلطة، تاركاً السلطة للفراغ اللصوصي، الذي حفل به عهده.

من السهل الآن أن نلصق كل المصائب بالجنرال وصهره ومن لف لفهما. صحيح أن كابوسه ينزاح عن صدورنا، لكن يجب الّا ننسى أن هذا الكابوس ليس سوى جزء من الطبقة الكابوسية التي تهيمن على لبنان وتقوده إلى الخراب. غيرأن الجنرال يمتلك ميزة إضافية خاصة، فهو يدّعي البراءة ويحاضر في العفاف!

ليس عون أكثر سوءاً من غيره من أفراد المافيا الحاكمة، وليس أكثر تلوناً منهم. كلهم يملكون جلوداً حرباوية تغيّر ألوانها مع تغير الأزمنة. لكننا لم نشهد حرباء بهذه الليونة، ولم نعرف رجلاً على استعداد لفعل أي شيء وكل شيء من أجل هدف واحد، هو السلطة والتسلط.

أفرغ حزبه من أغلبية الناشطين الذين دخلوا السجون من أجل فكرتي الاستقلال والسيادة، لكنه طردهم عندما باع الفكرتين معاً.

الخطاب العنصري ضد اللاجئين السوريين الذي صاغه جبران باسيل، ترافق مع التحالف مع النظام الاستبدادي السوري الذي دمر سورية وشرد أهلها. مفارقة ليست مستغربة، يكرهون الشعب ويحبون الديكتاتور. وهم في ذلك يشبهون أغلبية الأنظمة العربية التي كانت تدعي حباً لفلسطين وتكره اللاجئين الفلسطينيين وتقمعهم.

الظاهرة العونية ليست فريدة، لكنها مستفزة. وهي تذكرنا بعبارة سعيد تقي الدين عن “عفاف التي تحاضر في العفاف”.

هذه الصفحة انتهت ويجب أن يتم إسدال الستار عليها، ولكن علينا ألا نتفاءل بهذه النهاية. فعون يغادر السلطة من دون أن تغادره شهوة التسلط. كما أنه يغادرها وحده، بينما يبقى كل الفاسدين واللصوص في أماكنهم، أي أن ذهاب الرجل إلى الفراغ لا يعني نهاية نظام النهب والمحاصصة والفساد والارتهان للخارج.

مسكين الجنرال، يقول إنهم “ما خلوه”، وهو على حق في هذا، إذ لو سمحوا له لأقام ديكتاتورية تشبه جنون القذافي. والحقيقة أنني كنت أتساءل خلال هذه السنوات الست الطوال، أين الكتاب البرتقالي؟ لماذا لم يؤلف أو يؤلفوا له كتاباً يشبه كتاب القذافي الأخضر؟ لماذا هذا “التواضع”؟ الجنرال يستحق كتاباً قذافياً نحفظه عن ظهر قلب، لكنهم لم يسمحوا له.

ميزة هذه العصابة الحاكمة التي تمسك بالرسن الطائفي كي تتسلط على البلاد، أنها تضبط لعبتها بسبب تناقضاتها. هناك ديكتاتور أو أكثر في كل طائفة على حدة، وهذا ما منع الجنرال من التحول إلى ما كان يشتهيه.

هذه العصابة أعلنت عجزها عن معالجة كارثة الإفلاس التي صنعتها، فعادت إلى لعبتها الطائفية المتوحشة واستخدمتها لقمع احتمالات الثورة.
من المؤسف أن يمضي الرجل وحيداً، ولا يذهبون كلهم معه.

لا نحزن على الرجل، بل نأسف لأن العصابة إياها باقية ومتسلطة في الفراغ وعلى الفراغ.

هذه الأيام ليست للحزن أو الفرح، بل للاحتفال مع فخامته بالهالوين، وبهذا الحمام التنكري الذي أعده جبران باسيل.

الأقنعة ملأت ساحة القصر الرئاسي، أقنعة من كلمات وصلت إلى ذروتها في عبارة تقول بأن الرجل “انتقل من الحجر إلى البشر”. كلام بلا معنى، ومعنى لا يجد كلماته في هالوين الوداع.

تفرجوا على الأقنعة، وتأملوا زمن السياسة اللبنانية التي تدور في الفراغ وتصنع الفراغ وتتربع على عرش الفراغ.