الدفع الى صدام سنّي – شيعي “خطيئة عظيمة”

سركيس نعوم – النهار

عاد قبل يومين رئيس الجمهورية #ميشال عون الى مقرّ إقامته الجديد في الرابية قبل انتهاء ولايته الرئاسية بيوم واحد، علماً بأنه كان يُفترض أن يغادر قصر الرئاسة منتصف ليل آخر يوم من رئاسته أي يوم أمس الاثنين أو ربما قبل المنتصف بقليل. لكن عاملين قد يكونان دفعاه الى العودة الى الحياة العادية قبل 24 ساعة أو أكثر من “الموعد الدستوري”. الأول حرصه على أن يكون له وداع للرئاسة شعبي يبدأ بحشد كبير لمؤيّدين له في محيط قصر بعبدا وربّما في باحته الداخلية أيضاً يمتدّ الى الشوارع والطرق الرئيسية التي لا بدّ أن يمر فيها في أثناء توجّهه الى الرابية. الثاني إدراكه أن مغادرة القصر الرئاسي أمس وهو الأخير من رئاسته الى الحياة العادية في منزله الجديد لن يكون مستحسناً في أول يوم عمل من أسبوع ولا سيما في ظل انقسام الشعوب ال#لبنانية بين مؤيّد له بشدّة ومعارض له بشدّة أيضاً. طبعاً لا يتوهّم لبناني واحد أن الرئيس “السابق” عون سيمارس الحياة الطبيعية الهادئة التي يعيشها كل رئيس دولة من العالم الأول عاد الى بيته سواء في المدينة أو في الريف كي يتابع حياته أو ما بقي منها بهدوء بعيداً من السياسة التي صارت “لوثة” في لبنان ومع أفراد عائلته وخصوصاً أحفاده. فشعار محطته التلفزيونية OTV هو “معك مكملين”. وشعاره هو متابعة المعركة التي خاضها معظم أيام رئاسته من أجل تأمين كل ما يحتاج إليه “الابن” الذي لم يُرزقه أي صهره ورئيس “التيار الوطني الحر” الذي أسّسه هو أي النائب الحالي والوزير السابق جبران باسيل من أجل متابعة المسيرة السياسية التي أطلقها هو، والتي اعتبرها وطنية علماً بأنها ليست كذلك في رأي نصف “شعبه” المسيحي على الأقل والغالبية الساحقة من الشعبين السنّي والدرزي وعلى الأقل نصف الشعب الشيعي. علماً بأن النصف الثاني من الشعب الأخير لا ينظر باستحسان وتأييد الى مواقف صهره و”عنترياته” كما الى طموحاته غير المقبولة وربما غير المستحقة. هذا فضلاً عن عجز عقله عن ضبط لسانه وعن استعدائه الأصدقاء والحلفاء والحُماة قبل الأخصام والأعداء، وعن إجماع المهتمّين بلبنان من دول إقليمية مهمّة ودول عظمى في العالم على سلبية شخصيته وتساؤلهم عن نظافة الكفّ التي يدّعيها، علماً بأنها قد تكون في حال وجودها القاسم لا بل الجامع المشترك الوحيد بينه وبين أخصامه والأعداء أو معظمهم.




في أيّ حال، الرئيس السابق منذ منتصف ليل أمس ميشال عون سيكون حراً في طريقة الحياة التي سيختار. لكنه ليس حراً في ممارسة السياسة التي لم يعرف غيرها طوال حياتيه العسكرية والسياسية المنطلقة من حب السلطة ومن تبديل الاقتناعات من أجل إشباعها. على ذلك أدلّة كثيرة. لكن محبّيه ومناصريه والمؤمنين به وهم ليسوا قلّة يوم ظنّوا أن حماية الوطن هدفه الوحيد وكذلك حماية الاستقلال والسيادة والمسيحيين ودورهم غايته القصوى. هل خاب ظنّهم هذا فيه بعدما عرفوا، إذا عرفوا أو صدّقوا ما عرفوه وما قاله ويقوله أخصامهم، كيف عاد الى الوطن وبأيّ طريقة وهل دفع ثمن العودة لخارج معيّن ثمّ لداخل معيّن؟ أم هم يسمعون منه عِبر خلفه في السياسة وربما لاحقاً في الرئاسة وفي اللقاءات الصريحة ما يطمئنهم الى أنه لم يتغيّر ولن يتغيّر وأن خلفه الوحيد في السياسة والسلطة سيقوم باللازم من أجل تصحيح الأمور واستعادة المسيحيين الدور الأول في لبنان عندما يحين وقت ذلك؟ طبعاً لا يعني ذلك أن أخصامه المسيحيين منزّهون عن الانتقاد وبقسوة أحياناً لأنهم مثله غلّبوا المصلحة الخاصة على المصلحة العامة والوطنية واستطراداً المسيحية.

في أيّ حال، ليس الهدف من “المقالة الوداعية” تذكير الناس برئاسة عون وولاية عهد باسيل وبالإنجازات الوطنية التي عملاها معاً والتي أسهمت بها شعوب لبنان كلّها بواسطة قادتها وزعمائها وأحزابها وعشائرها وسياسييها على اختلاف طوائفهم والمذاهب، بل هو تذكيره أي الرئيس المنتهية ولايته بأن ممارسته السلطة كانت مخالفة للدستور، وأن استعادته صلاحيات الرئاسة المارونية بالقوة والعناد وبحماية حليفه الأقوى كانت فاشلة وكانت ضرباً لهذه الرئاسة وستكون لها يوم يعاد النظر في صيغة لبنان ونظامه وميثاقه، وهو يوم آتٍ، آثار بالغة السلبية على الوجود المسيحي في البلاد، إذ مثلما تسبّب الرئيس السابق أمين الجميّل بتقليص صلاحيات #رئاسة الجمهورية في الطائف، تسبّب أو سيتسبّب الرئيس المنتهية ولايته أمس بتقليص أكبر ونهائي بحيث تُصبح الرئاسة المارونية للدولة رمزية وتُضعف حصّة الموارنة والمسيحيين من الوظائف الأكثر أهمية في البلاد. وإن كان أخصامه المسيحيون والموارنة منهم تحديداً يظنون أنهم سيحفظون الدور المسيحي الأساسي أو المهم في البلاد من جراء تحالفهم مع “شعوب” أخرى فإنهم سيكونون واهمين مثل عون وصهره وغيرهما. ذلك أن الشعب اللبناني لم يعد واحداً وأن سنّته وشيعته يشكّلون نحو 70 في المئة منه، وهم في البداية والنهاية مسلمون ويفضّلون عدم الانجرار الى صراع مذهبي كان دائماً حلم المسيحيين على تنوّع قادتهم لأنه يمكّنهم من استعادة سلطة وصلاحيات يفتقدونها. وسيظلّون يفتقدونها في رأي “الموقف هذا النهار”. لهذا السبب أقام “حزب الله” وزعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري “ربط نزاع” برغم استهجان الكثيرين من السنّة ذلك وربما من الشيعة. طبعاً يفضّل الشيعة أن يكون المسيحيون الى جانبهم في وجه الآخرين لأسباب متنوّعة. وربّما يفضّل السنّة أيضاً أن يكونوا على وفاق مع المسيحيين، لكن الحقيقة والموضوعية تقتضيان الإشارة الى أن الشعور السنّي تجاه المسيحيين ليس أو لم يعد ما كان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام 2005، والى أنه لن يعود الى وضعه السابق رغم تحالفاتهم العربية. والحقيقة والموضوعية تقتضيان الإشارة أيضاً الى أن الشيعة أحرجهم حليفهم المسيحي أكثر من مرّة. لكنهم تجنّبوا العواقب ولم يتخلّوا عنه. وإذا ظنّ أنصاره أنهم يستطيعون متابعة تصرّفهم غير العاقل وغير الناضج مع الشيعة فإن العواقب ستكون وخيمة عليهم وعلى البلاد.

في النهاية لن يكون الوضع بعد الشغورين الرسمي الرئاسي وغير الرسمي الحكومي لن يعود الى ما كان عليه. أمور كثيرة ستتغيّر بعد أن تتابع البلاد انهيارها ومعها الدولة ويصبح الحلّ الوحيد التغيير الجذري، علماً بأن تحقيقه ليس سهلاً وقد لا يكون على البارد.