الكشف عن عمليات إحراق النظام السوري لرفات الضحايا والتخلص منها بطريقة ممنهجة: لا تتركوا أثراً

كشف “المركز السوري للعدالة والمساءلة”، في تحقيق جديد، الإثنين، أن “المخابرات العسكرية السورية والفرقة التاسعة، التابعة لجيش النظام السوري، أحرقت جثث المدنيين والمنشقين وأعضاء المعارضة وغيرهم من غير المقاتلين الذين قتلوا في إعدامات ميدانية”.

ويفضح التقرير الطريقة الممنهجة التي وثّق بها النظام السوري تدمير الرفات البشرية.




وقال محمد العبد الله، المدير التنفيذي لـ “المركز السوري للعدالة والمساءلة” إن “ضباطاً رفيعي المستوى في المخابرات العسكرية السورية والجيش السوري شاركوا في التدمير غير المشروع للرفات”. وأضاف: “لقد فعلوا ذلك أثناء تصويرهم من قبل ضباط في المخابرات العسكرية، مما يشير إلى أن جميع مستويات الجيش كانت على دراية بإتلاف الأدلة على الجرائم”.

ويوثق التقرير حالات أَسَرَت فيها قوات النظام السوري أشخاصاً غير مقاتلين “كان ينبغي اعتبار هؤلاء المدنيين أشخاصًا محميين بموجب القانون الإنساني الدولي”. ويكشف تحقيق “المركز السوري للعدالة والمساءلة” أنهم “تعرضوا لعمليات إعدام ميدانية، وأن جثثهم دمرت، ما قد يعوق التحقيقات الجنائية التي يمكن استخدامها في جهود المساءلة المستقبلية”.

وقال المحقق الرئيسي في التقرير: «اعتمد تحقيق المركز السوري للعدالة والمساءلة على أدلة تم العثور عليها في جهاز كمبيوتر محمول حكومي يحتوي على أدلة فوتوغرافية وفيديو على التعذيب والقتل وجرائم ما بعد الوفاة التي ارتكبتها المخابرات العسكرية وأعضاء اللواء 34 المدرع التابع للفرقة التاسعة”. وأضاف: “بينما تم تقديم معظم هذه الأدلة مباشرة من قبل الجناة، كان المركز السوري للعدالة والمساءلة قادراً على مطابقة النتائج التي توصلنا إليها من خلال معلومات مفتوحة المصدر، ووثائق استخبارات حكومية محفوظة مسبقاً في قاعدة بيانات المركز السوري للعدالة والمساءلة».

وفي 4 من كانون الثاني 2013، نصب عناصر “لواء أمهات المؤمنين” المعارض، كميناً لقوات النظام السوري استهدف قافلتهم العسكرية، حيث قتلوا جميعاً، وتمت مصادرة أسلحتهم وأجهزة الهواتف النقالة التي وجدت بحوزتهم، بالإضافة إلى جهاز حاسوب محمول. وذلك على طريق الشقرانية في محافظة درعا جنوب سوريا.

حصل أحد الناشطين الإعلاميين السوريين من ضواحي دمشق على الحاسوب من أحد أعضاء “لواء أمهات المؤمنين”، عقب الكمين، بعد أن عرض الأخير على الناشط أن يبيعه الجهاز الذي استولى عليه من إحدى المركبات التي وقعت في الكمين.

اشترى الناشط الحاسوب، وأجرى عملية تنصيب برمجية لاستعادة الملفات التي كانت مخزنة على الذاكرة، وتمكّن من استرجاع 131 تسجيلًا مصورًا (مقطع فيديو)، و440 صورة، واثنين من ملفات التسجيل الصوتي.

تواصل الناشط الذي يقيم خارج سوريا حاليًا، مع المركز الحقوقي أواخر عام 2021، وذكر أنه يملك مجموعة من التسجيلات المصورة والصور التي تظهر عمليات إعدام معتقلين، وحرق جثثهم قبل دفنها.

وأدخل “المركز السوري للعدالة والمساءلة” 147 مادة توثيقية إلى قاعدة بيانات المركز، وشملت 94 صورة، و52 تسجيلًا مصورًا (مقطع فيديو)، وملفًا صوتيًا واحدًا، بعد حذف تسجيلات مكررة، وملفات تالفة، ومواد غير ذات صلة بتوثيق “الجرائم الخطيرة”.

ووثق المصدر مجموعة من المقاطع المرئية، يظهر في المقطع الأول “مجموعة من المسلحين الموالين للنظام يرتدون زيًا عسكريًا، ويستقلون سيارات ومركبة نقل صغيرة (بيك أب) تسير ضمن قافلة عسكرية لحظة وصولهم إلى أحد الحواجز العسكرية، وتوقفهم عندها للاحتفال. وحيّا أحدهم بصوت عالٍ الجيش، والأمن، والمخابرات الجوية، والمخابرات العسكرية. ثم تتجول الكاميرا في المكان قبل أن تركز عدستها على مركبة نقل صغيرة (بيك أب) تُقل الكثير من المسلحين بدأوا بالتحدث مع المصور وخاطبوه باسم “أبي طاهر”. وتحدث الجنود إلى الكاميرا بكل زهو وفخر قائلين “**** إماتن (أمهاتهم) يا أبو طاهر، **** إماتن”. وعندما اقتربت الكاميرا من مركبة النقل (البيك أب) أمكن مشاهدة عددٍ من الجثث فيها. ولم يتم التعرف على أي جثة منها. ولكن جاءت المعلومة الوحيدة بشأن هوية أصحاب الجثث على ألسنة الجنود في المقطع وهم يتحدثون مشيرين إلى الجثث: “هادا إدلبي، وهادا إدلبي، وهداك حموي”. ولا تتوفر مؤشرات واضحة للعيان تشير إلى أن الجثث الثلاثة تعود لمسلحين أو مقاتلين. وكان أصحاب تلك الجثث الثلاثة يرتدون ملابس مدنية. كما يمكن في نفس مقطع الفيديو سماع أحدهم يقول بصوت واضح: “لا تصور ولاه. لا تصور”.

كما ظهر في إحداها “فيديو لعملية نقل ما لا يقل عن 15 جثة، وتوثيق هويات أصحابها أمام الكاميرا، وإلقائها في حفرة صغيرة، ومن ثم سكب البنزين عليها وإشعال النار فيها. ويبدو أن العملية كانت مشتركة بين المخابرات العسكرية وقوة من عناصر الفرقة التاسعة. ورغم أن الجناة في هذه المقاطع هم ذات الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة السابقة، إلا أن الجثث الظاهرة في هذه المقاطع تختلف عن تلك التي كان يتم نقلها في المقاطع السابقة. وفي حين أن مقاطع الفيديو السابقة قد التُقطت في الصيف، يبدو أن المجموعة الثالثة من المقاطع قد التُقطت إما في فصل الخريف أو الشتاء”.

كما “يظهر في مقطع الفيديو الأول من المجموعة الحالية شاحنة النقل الصغيرة (بيك أب) تنقل جثثًا كثيرة، وقد توقفت قريبًا مما يبدو أنها حفرة وسط منطقة نائية. ويقوم الجنود بدفع الجثث من صندوق سيارة النقل إلى الأرض بينما يلتقط الرائد فادي القوزي من المخابرات العسكرية صورًا كثيرة عن قرب لوجوه أصحاب الجثث، مستخدماً كاميرا رقمية صغيرة (وليس باستخدام كاميرا الهاتف النقال)، ويوثق هوياتهم بطريقة ممنهجة”.

وعقب توثيق وجه الجثة الأولى، “تنحّى الرائد فادي القوزي، وضابط آخر، جانبًا، لإتاحة المجال لشخص يحمل غالون بنزين قام بسكب البنزين على الجثة الأولى. ويمكن مشاهدة ضابط رفيع المستوى يوجه تعليماته للشخص الذي يحمل غالون البنزين، على ما يبدو، لسكب البنزين على وجه صاحب الجثة ويديه، وذلك في محاولة لمحو أي أثر يمكن من خلاله التعرّف على هويات أصحاب تلك الجثث. ثم يتم بعد ذلك ركل الجثة كي تسقط في الحفرة. وتتكرر العملية مع كل جثة، وبنفس ترتيب الخطوات، الأمر الذي يشير إلى الطبيعة الممنهجة المعتمدة لهذا النوع من الممارسات، وبما يدل على أن تلك قد لا تكون هي المرة الأولى التي تولت فيها مجموعة الضباط والمسؤولين في الفيديو تنفيذ مثل هذا النوع من العمليات. الضابط الذي تمت رؤيته يعطي التعليمات حول سكب البنزين على الجثث، يظهر في الفيديو مرتديًا حذاءً لامعًا، ويبدو من ذوي الرتب الرفيعة. لكن لم يتمكن محققو المركز السوري للعدالة والمساءلة من تحديد هوية ذلك الضابط نظرًا لرداءة جودة المقطع المصور. كما أن رتبة هذا الضابط غير واضحة تمامًا في المقطع، ولكن خلص محققو المركز إلى أنه يحمل رتبة عقيد أو عميد على الأرجح، في ضوء وجود ثلاث شارات معدنية على الرتبة العسكرية على كتفيه”.