ماسح الأحذية الذي سحق “الفقر والديون” في بلاده.. من هو دا سيلفا العائد من السجن لرئاسة البرازيل؟

فعلها اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا وفاز بالرئاسة مرة ثالثة بطريقة درامية، مطيحاً بجايير بولسونارو، اليميني المتطرف الملقب بـ”ترامب البرازيل“، فمن هو الرئيس الأسبق الذي وُلد لأسرة فقيرة وعمل ماسحاً للأحذية في طفولته ليصبح لاحقاً “معشوق الفقراء”؟

كان دا سيلفا قد تأهل، صحبة الرئيس الحالي بولسونارو، للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية، والتي أجريت الأحد 30 أكتوبر/تشرين الأول، ليفوز بعد حصوله على 50.9% من الأصوات، ومن المقرر تنصيبه رسمياً في الأول من يناير/كانون الثاني المقبل.




كانت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأشرس والأكثر تنافسية منذ عقود قد أجريت 2 أكتوبر/تشرين الأول، وفيها حصل دا سيلفا على المركز الأول بنحو 48% مقابل نحو 44% لبولسونارو، ليتأجل الحسم حتى الجولة الثانية، في ظل عدم حصول أي منهما على 50% زائد واحد على الأقل للفوز من الجولة الأولى.

دا سيلفا.. أسرة فقيرة وطفولة صعبة

وُلد دا سيلفا، المشهور أكثر بـ”لولا”، في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 1945 في أحد الأحياء الفقيرة والمهمشة في ولاية بيرنامبوكو، وكان والده عاملاً بسيطاً وكانت الأسرة تعيش في فقر مدقع. وبعد ولادته مباشرة، ترك الأب الأسرة وسافر إلى ولاية ساو باولو وانقطعت أخباره، وبعد 7 سنوات تقريباً اصطحبت والدة “لولا” أطفالها الثمانية وسافرت إلى ساو باولو في رحلة استغرقت 13 يوماً.

كانت هناك مفاجأة أخرى غير سارة في انتظار الأم وأطفالها، فالأب كان قد تزوج من امرأة أخرى، فعاشت الأم مع أبنائها الثمانية في غرفة صغيرة خلف أحد البارات، وبدأ الطفل لولا دا سيلفا رحلته الخاصة مع معاناة البحث عن لقمة العيش وهو لا يزال طفلاً في الثانية عشرة من عمره، فعمل ماسحاً للأحذية في شوارع ذلك الحي في ساو باولو، وكان ذلك يعني قطع رحلته مع المدارس والتعليم مبكراً للغاية، حيث كان في الصف الرابع الابتدائي.

وفي سن الرابعة عشرة حصل دا سيلفا على “وظيفته” المنتظمة الأولى كعامل في مصنع نحاس، واستغل ذلك لاستكمال دراسته؛ فحصل على دبلومة تعادل شهادة الثانوية العامة. وفي سن التاسعة عشرة، كان دا سيلفا يعمل في أحد مصانع تجميع السيارات وتعرض لحادث فقد على إثره خنصر يده اليسرى. وفي تلك المرحلة المبكرة من حياته، بدأ دا سيلفا الاهتمام بالعمل النقابي، وانضم إلى “نقابة عمال الحديد”.

إذا كانت تلك هي حياة دا سيلفا وأسرته البائسة، فحقيقة الأمر هي أن عشرات الملايين من مواطني البرازيل كانوا يعيشون الظروف ذاتها، في ظل حكم عسكري ديكتاتوري وفساد مستشرٍ في البلاد بصورة خانقة.

عندما بدأ لولا رحلة النشاط النقابي سعياً وراء حقوقه وحقوق ملايين العمال البرازيليين، تعرض للاعتقال والسجن بعد اتهامه بالتحريض والحكم عليه بثلاث سنوات، قضى منها عاماً واحداً ثم أطلق سراحه.

أكسبته تجربة السجن الأولى شعبية معقولة في أوساط العمال، وبدأ مسيرة الترشح داخل النقابة ليتولى منصب رئيس نقابة الحديد عام 1978، وبعد ذلك بعامين، أسس دا سيلفا، مع عدد من أساتذة الجامعات وقادة النقابات والمثقفين “حزب العمال” اليساري المنادي بحقوق العمال وإعادة توزيع الثروة في البلاد.

مشوار سياسي حافل، عنوانه “مصلحة الفقراء”

أضاف دا سيلفا، عام 1982، لقب “لولا” رسمياً إلى اسمه، وبات يعرف به بعد أن اتسعت شهرته وبدأت شعبيته تجد صداها في أوساط الفقراء والمهمشين والعاملين حول البلاد. وفي عام 1983، أسس الاتحاد المركزي للنقابات التجارية في البرازيل، وفي عام 1984 شارك لولا وحزبه “العمال” في إعادة صياغة الدستور البرازيلي، الذي كان معمولاً به منذ 1967، والذي كان ينص على انتخاب رئيس البلاد من خلال غرفتي البرلمان فقط، دون إجراء انتخابات رئاسية عامة. كانت تلك الطريقة بطبيعة الحال هي فكرة العسكريين الذين كانوا يحكمون البلاد، وكان يتم اختيار الرئيس “من خلفية عسكرية” بواسطة قادة الجيش ويتم عرض الاختيار على البرلمان لإقراره.

نجحت جهود المعارضة السياسية، وفي القلب منها دا سيلفا وحزب العمال، في تعديل الدستور ليتم انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، ومع ذلك رفض دا سيلفا وحزبه التصديق على التعديلات؛ لأنها لم تتضمن النص على إعادة توزيع الثروة الزراعية في البلاد، التي يسيطر عليها النظام الإقطاعي. على أية حال، أجبر العسكريون على الرضوخ وتعديل الدستور بعد سنوات من النضال السياسي والإضرابات العمالية، لتشهد البرازيل أول انتخابات رئاسية لها عام 1989.

أما دا سيلفا، فقد كانت أول تجربة انتخابية غير عمالية يخوضها هي ترشحه لمنصب حاكم ساو باولو عام 1982، وخسر تلك الانتخابات، لكن حزبه كسب حضوره الحقيقي الأول على المسرح السياسي في البلاد. وترشح دا سيلفا للبرلمان عام 1986، ليفوز ويصبح عضواً في الكونغرس البرازيلي ويشارك مع باقي أعضاء حزبه في إقرار تعديل الدستور.

شهدت الانتخابات الرئاسية الأولى، بعد تعديل الدستور، عام 1989 ترشح دا سيلفا للرئاسة للمرة الأولى. وعلى الرغم من أن شعبيته كانت قد انتشرت بشدة في أوساط المجتمع البرازيلي، وبخاصة بين الفقراء والمهمّشين وطبقة العمال، إلا أن أصحاب الأعمال والأثرياء ومعهم وسائل الإعلام الرئيسية كانوا متكتلين ضده بصورة لافتة، كما تم حرمان مناطق بأكملها، فقيرة ومهمشة بطبيعة الحال، من التصويت. خسر دا سيلفا الانتخابات الرئاسية، وقرر ألا يترشح لانتخابات الكونغرس عام 1990، مفضلاً مواصلة عمله النقابي.

وترشح مرة أخرى للرئاسة عامي 1994 و1998 منافساً للرئيس الأسبق، فرناندو هنريك كوردوزو، الذي كان وزيراً للمالية وأدخل إصلاحات اقتصادية ممتازة أكسبته شعبية كبيرة، إضافة إلى الدعم من الأثرياء وأصحاب الأعمال والإعلام، ليخسر دا سيلفا في المرتين.

لولا.. الرئيس الذي حقق معجزة البرازيل الاقتصادية

عندما جاءت الانتخابات الرئاسية في البرازيل عام 2002، كان دا سيلفا، أو لولا، قد أحدث تغييرات، من حيث المظهر، حيث بدأ يقلل من اللبس غير الرسمي، ومن حيث برنامج العمل، فقد تخلى عن تصريحاته الخاصة بعد تسديد ديون البرازيل المتراكمة إلا إذا كانت مصدقاً عليها من الكونغرس، وهي التصريحات التي كانت تسبب فزعاً للبنوك وأصحاب الأموال في الداخل وللدائنين في الخارج.

فاز دا سيلفا برئاسة البرازيل للمرة الأولى يوم 27 أكتوبر/تشرين الأول 2002، بحصوله على 52.4 مليون صوت بنسبة 61%، وكان ذلك رقماً قياسياً لأصوات الناخبين التي يحصل عليها أي مرشح رئاسي في تاريخ البرازيل الحديث، وتولى المنصب رسمياً في الأول من يناير/كانون الثاني 2003.

ثم فاز دا سيلفا بفترة رئاسية ثانية بشعبية كبيرة أيضاً، وعندما اقتربت تلك الفترة الثانية من نهايتها عام 2010، كانت شعبيته تتخطى 80% وتعرَّض لضغوط هائلة كي يعدل الدستور ويبقى رئيساً لفترة ثالثة، لكنه رفض بشكل قاطع، وقال جملته الشهيرة: “البرازيل فيها ملايين لولا”، أي أن هناك ملايين مثله يمكنهم تحمل المسؤولية.

كيف حقق دا سيلفا تلك الشعبية الهائلة؟ خلال رئاسته البرازيل، من 2003 وحتى 2011، نفذ لولا برامج إصلاح اقتصادي ركزت على الجانب الاجتماعي وتحسين حياة الفقراء بصورة هائلة. ليس هذا فحسب، ولكن تحولت البرازيل خلال تلك الفترة من بلد ينهش الفقر أغلب سكانه وتثقله الديون المتراكمة، إلى بلد يتمتع بسادس أقوى اقتصاد في العالم.

وخلال 5 سنوات فقط، سددت البرازيل ديونها بالكامل وتحولت إلى دولة مقرضة بعد أن كانت مستدينة، وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 5 مرات خلال 8 سنوات من حكم “ماسح الأحذية الذي أصبح معشوقاً للفقراء”. وتم خلق 20 مليون فرصة عمل نقلت أصحابها من خانة الفقر المدقع إلى خانة “الطبقة المتوسطة”، وتضاعف الحد الأدنى للأجور في البرازيل 3 مرات خلال فترتي رئاسته.

ليس هذا فحسب، بل تحولت البرازيل إلى دولة لها ثقلها على المسرح الدولي، إذ كان دا سيلفا سياسياً عالمياً اهتم بالقضايا الدولية وبخاصة قضية التغير المناخي، واختارته مجلة التايم الأمريكية عام 2010 الزعيم الأكثر تأثيراً في العالم.

السجن مرة أخرى.. والعودة للرئاسة

بعد أن أنهى لولا مهمته الإعجازية بنجاح منقطع النظير، بدا وكأن رحلته الدرامية تريد أن تكرر نفسها، فأصيب الرجل، الذي كان مدخناً لأكثر من 40 عاماً، بورم خبيث، في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وخضع لعلاج كيماوي حتى شفي بالكامل.

وفي عام 2017، تعرض دا سيلفا لمحاكمة بتهم الفساد وغسيل الأموال، وصفها هو ومؤيدوه بأنها محاكمة سياسية، وحُكم عليه يوم 12 يوليو/تموز من ذلك العام، بالسجن لمدة 9 سنوات ونصف. لكن عام 2019، أسقطت المحكمة العليا في البرازيل الحكم عنه، ليخرج من السجن ويتجه مباشرة إلى نقابة عمال الحديد والصلب في البلاد، التي كان قد أسسها، حيث استُقبل استقبالاً شعبياً جارفاً.

وفي الوقت الذي زُج بلولا دا سيلفا في السجن، كان الرئيس بولسونارو يمثل النقيض تماماً لكل ما يمثله دا سيلفا، وبخاصة في مجال البيئة والتغير المناخي، حيث شهدت رئاسة بولسونارو ارتفاعاً في وتيرة إزالة الغابات في البلاد، وبخاصة غابة الأمازون المعروفة بأنها “رئة العالم”، بنسبة 75% مقارنة بموقف دا سيلفا، الذي تعهّد بوقف إزالة غابات الأمازون في البلاد في حالة إعادة انتخابه.

ونظراً للتشابه الكبير بين السياسات الشعبوية لبولسونارو مع سياسات وشخصية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أصبح لقب “ترامب البرازيل” ملاصقاً للرئيس البرازيلي الشعبوي. ثم جاء تشكيك بولسونارو في نظام الانتخابات في البلاد ليؤكد ذلك التشابه.

حاول “ترامب البرازيل” بشتى السبل الشعبوية أن يفوز بفترة رئاسية ثانية، لدرجة أنه قام بالتوظيف السياسي لفريق البرازيل لكرة القدم، الملقب بالسامبا، الرمز الأشهر للبلاد حول العالم. ولأنها اللعبة الشعبية الأولى، فمن السهل تخيل كيف يوظف رئيس شعبوي مثل بولسونارو هذه الشعبية، وبخاصة إذا كان يواجه موقفاً صعباً خلال الانتخابات الرئاسية. فقام بولسونارو، الخميس 29 سبتمبر/أيلول الماضي، بزيارة إلى منشأة خيرية لنجم السامبا وقائد الفريق نيمار جونيور، الذي يلعب محترفاً في صفوف نادي باريس سان جيرمان الفرنسي.

وقدم نيمار دعمه لبولسونارو بطريقة مباشرة، حيث ظهر نجم السامبا في مقطع فيديو يرقص فيه على أنغام أغنية الحملة الانتخابية لبولسونارو، وسرعان ما نشر بولسونارو المقطع المصور لنيمار على تويتر، وربط مسعاه لنيل فترة رئاسية جديدة بمساعي البرازيل، العاشقة لكرة القدم، للفوز بكأس العالم للمرة السادسة والذي إذا تحقق سيكون رقماً قياسياً.

لكن فشلت محاولات بولسونارو وانتصرت “إنجازات” دا سيلفا، الذي انتشل بلاده من الفقر والديون في رئاسته السابقة، ليبدأ في الـ77 من عمره مغامرة أخرى عنوانها “توحيد البلاد المنقسمة على نفسها”، وهو ما تعهد به بالفعل بعد ظهور النتائج صباح الإثنين 31 أكتوبر/تشرين الأول 2022.

ودعا لولا أيضًا في كلمة ألقاها بعد هزيمة الرئيس جايير بولسونارو في انتخابات الإعادة الرئاسية، إلى التعاون الدولي للحفاظ على غابات الأمازون المطيرة، وقال إنه سيسعى إلى التوصل لتجارة عالمية عادلة بدلاً من الاتفاقات التجارية التي “تحكم على بلدنا بأن يكون مُصدِّراً للمواد الخام للأبد”.