نبيل بومنصف - النهار

“الرئيس السابق”… وتشرين! – نبيل بومنصف – النهار

كان يمكن لهذا الحدث ان يتجه في غير المنحى الذي يتخذه، ف#لبنان قيل فيه افتخارا انه البلد العربي الوحيد الذي يبقى فيه رؤساء جمهورية سابقون دلالة على سلمية ديموقراطية في تناوب الحكام في مقابل الانقلابات الدموية في الأنظمة العربية. عندما ينتصف ليل هذا اليوم سينضم الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية العماد #ميشال عون الى نادي الرؤساء السابقين. ولا ندري ما اذا كانت مفارقة زمنية “قدرية” أم من صناعة الظروف الغريبة ان يكون تشرين الأول المنصرم مسرحا لزحمة مذهلة من التزامنات دفعة واحدة التي يتوهج معها اكثر خروج الرئيس الثالث عشر الى حقبة فراغ جديدة فاذا به يأتي عقب فراغ ويخرج الى فراغ. “فاض” الرئيس المنتهية صلاحيته على الإعلام في أيام ولايته الأخيرة بكل فائض الخصومات وبالقليل النادر من التحالفات المتحكمة بوقائع السنوات الست المنصرمة. ولكن خلف الانفلاش الإعلامي كانت ترتسم المفارقة الدراماتيكية للولاية الراحلة في صوَر رمزية شديدة التعبير عن العهد الذي يوصف على أوسع نطاق بانه عهد الانهيار ويردّ عليه عون بان اكبر الفاسدين هم مَن يطلقون هذا الوصف.

يخرج عون في تشرين المفارقات في زمن الذكرى الـ 33 لولادة اتفاق الطائف في خريف عام 1989. يومذاك أيضا، من قصر بعبدا المهدم، اصدر رئيس الحكومة العسكرية قبيل منتصف الليل مرسوم حل مجلس النواب الذي التأم في الطائف أسابيع الى ان توصّل الى اعلان وثيقة أوقفت الحرب في لبنان وعلى لبنان. يخرج عون أيضا في تشرين الذكرى الـ32 لعملية عسكرية سورية اجتاحت فيها القوات الخاصة لحافظ الأسد بقيادة شقيقه رفعت الأسد بعبدا وقصر بعبدا ومناطق عدة كانت تسمى حقا المناطق الحرة العاصية على الاحتلال العسكري الاسدي. يخرج عون أيضا وأيضا في تشرين الذكرى الثالثة لأكبر انتفاضة اجتماعية عرفها لبنان في تاريخه عقب أسوأ انهيار مالي واقتصادي واجتماعي في تاريخه أيضا، ولو انها، تلك الانتفاضة، عجزت عن ان تستنسخ من انتفاضة 14 آذار الكثير من الصلابة والفعالية اللتين ادتا الى هزيمة الوصاية السورية ودفعها الى الجلاء عن لبنان، وكان يجدر بالانتفاضة الاجتماعية ان تؤدي الى فعلٍ مزلزل سياسي مماثل ولكنها فشلت.




إذاً سيضاف اليوم وغداً وبعده، الى سجل المحطات المفصلية التاريخية في تشرين الأول اللبناني، ان عهد الرئيس الثالث عشر انتهى في نهايته الى بداية حقبة أخرى مأزومة طبعا ولا تحتاج في اثبات “تأزمها” الشديد الى مشهد الوداع الذي اريد له ان يحجب المآل الكارثي الذي بلغه لبنان في ظل العهد الراحل. ومع ذلك لا يمكن لأي مشهد أو أي أزمة على شدة سوئها ان تحجب اللحظة المتوهجة برحيل العهد العوني بذاته اقله في ظل السنوات الثلاث الأخيرة من الولاية، وتحديدا التي غابت وغيّبت كل دلالاتها وآثارها وكوارثها في المشهد السياسي الطاغي على السياسة والاعلام في الأسبوع الأخير من الولاية. هذا الحاصل في لحظة انتقالية الآن، بعد ولاية عون، ومهما كان سيناريو ما بعد هذا العهد، لا يقلل قيد انملة من حقائق ثقيلة جدا تركتها هذه الولاية وأساليب السلطة التي اتبعت فيها على ضفتي الفريق العوني وحليفه “حزب الله” وسائر الشركاء والخصوم أيضا. ولكن مساءلة الحقبة الراحلة لن تقف عند حدود لسبب بديهي قسري هو ان الانهيار الحاصل ارتدادي ومستدام لا يوقفه تحوّل الرئيس الى رئيس سابق!