موقع فرنسي: الاتفاقية البحرية بين لبنان وإسرائيل هي “اتفاقية عائمة”

في مقال بموقع OrientXXI الفرنسي تحت عنوان: “ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.. خطوة حاسمة واتفاق هشّ” قال جو مكرون، مستشار مستقل عمل في مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت ومركز كولين باول للدراسات السياسية، إن التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل كان أمراً معقداً، باعتبار أن البلدين في حالة حرب منذ 74 سنة.

وأضاف الكاتب أن ما زاد الطين بلّة هو الآجال الضيقة التي كانت تتمتع بها الأطراف الفاعلة للتوصّل إلى توافق قبل نهاية الشهر الجاري، لأن فترة الرئيس اللبناني ميشال عون ستنتهي يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول، الأمر الذي سيسفر عن فراغ رئاسي مطوّل في لبنان، كان من شأنه أن يعطّل المفاوضات حول الحدود البحرية. يضاف إلى ذلك، الانتخابات التشريعية الإسرائيلية في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني، حيث يتمتع الائتلاف الذي يقوده بنيامين نتنياهو بحظوظ وافرة في الفوز والإطاحة بالحكومة الحالية.  وانتظار انتخاب البرلمان الإسرائيلي الجديد، أمر لا يخلو من المجازفة، لذا اتخذ رئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لبيد خطوة التوصل إلى هذا الاتفاق، ما تسبب في 3 أكتوبر/تشرين الأول في استقالة عدي أديري، كبير المفاوضين الإسرائيليين على الحدود البحرية مع لبنان.




رغم ذلك، يتابع الكاتب، مكّنت الوساطة الأمريكية من حلّ أحد أهم النزاعات حول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط. وقد قَبِل لبنان وإسرائيل على مضض ترسيم حدودهما البحريّة المشتركة، بهدف إطلاق عملية استكشاف الغاز التي طال انتظارها. وأجبر اكتشاف حقول غاز شرق المتوسط، إسرائيل وحزب الله على تغيير حساباتها الاستراتيجية. لكن هذا الترسيم لا يضمن عدم حدوث دورة صراع جديدة على المدى الطويل، يوضح جو مكرون، لا سميا وأن الطرفين لا يتقاسمان نفس الاعتبار لما قاما به. فبينما يصفه المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون بـ“الاتفاق البحري”، يفضّل الرئيس اللبناني ميشال عون الحديث عن “اتفاق غير مباشر”، بينما قدّمه الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله كـ“تفاهم”، لتجنّب أي دلالة على التطبيع. لكن أفضل ما يمكن أن نصف به ما توصّلت إليه الأطراف الفاعلة هو مصطلح تسوية، تسوية من أجل فوائد اقتصادية.

وأوضح الكاتب أن الحافز الأساسي وراء هذا الاتفاق، هو الفوائد الاقتصادية المنتظرة من استغلال الغاز، إلى جانب الحاجة إلى تجنب صراع مسلح. فقد كانت المواجهة تبدو وشيكة خلال صيف 2022، عندما كانت إسرائيل تستعد للتنقيب وإنتاج الغاز في حقل كاريش، والحال أنه لم يتم بعد ترسيم الحدود البحرية اللبنانية. وقد تسبّب ذلك في تطوّر الموقف اللبناني الرسمي وإرسال حزب الله لطائرات مسيّرة غير مسلحة في سماء الحقل لتمرير رسالة للحكومة الإسرائيلية. وعليه، فإن هذا الاتفاق ما كان ليرى النور لولا خطر تصعيد مسلّح، وموقف لبنان الحاسم، والضغط الأمريكي المستمر.

وتابع الكاتب التوضيح أن الاتفاقية البحرية تستند إلى ضامنين هما الولايات المتحدة كوسيط، وشركة “توتال إنيرجي” الفرنسية باعتبارها المشغّل الرئيسي لمنطقة الغاز في لبنان. يمثّل حقل قانا بؤرة النفوذ الفرنسي في هذه الاتفاقية البحرية، من خلال لعب دور خلف الكواليس في هذه المحادثات، وتظهر بوضوح حدود هذا التأثير بما أن الولايات المتحدة أخذت الدور القيادي. في الواقع، دفعت “توتال” من جيبها كي يتم إبرام هذه الاتفاقية، دون أي نفع ملموس بالنسبة للسياسة الخارجية الفرنسية. وللتنازل عن حقوقها في حقل قانا بالكامل، يُفترض أن تحصل إسرائيل على تسوية مالية من شركة “توتال” تُقدّر بنحو 17 في المئة من عائدات هذا الحقل. علاوة على ذلك، فإن الاتفاق بين “توتال” وإسرائيل يتكوّن من أربع مراحل قد يستغرق تنفيذها بالكامل نصف قرن.

واعتبر الكاتب أن ثمة مسألة شائكة تتمثل في “خط العوامات” الذي أقامته إسرائيل في البحر الأبيض المتوسط كحدود بحرية مفترضة، بعد انسحابها من لبنان في مايو/ أيار 2000، على بعد حوالي 5 كلم من رأس الناقورة. يجعل الاتفاق من هذا الخط أمرا مقضيا، لكنه لا يشرّعها ولا يعترف بها. وفي حال نشوب توترات بين إسرائيل وحزب الله، قد تظهر هذه المسألة مجددا. كما أن الاتفاقية البحرية التي تم إبرامها غير مكتملة، لأنها لا تحلّ جميع النزاعات المتعلقة بالحدود البحرية. وتظل أقصى نقطة شرقا من هذا الخط الحدودي غير محددة، في غياب اتفاق ترسيم الحدود البرية بين الطرفين.

وعليه، يتبيّن أننا لسنا أمام اتفاق نموذجي يهدف إلى ترسيم الحدود البحرية وفقا للقانون الدولي، بل هو اتفاق محدود النطاق، ولا ترافقه آلية واضحة لتنفيذ أو حل النزاعات التي قد تنشأ بالرغم من النوايا الحسنة للأطراف المعنية وضمانات إدارة جو بايدن. ومن الواضح أن حزب الله لم يوقّع عليه، وهو ليس جزءا منه، ما يمكّنه من القول متى شاء إنه غير ملزم به. كما أن هذا الاتفاق ما كان ليحدث لولا التقارب الأمريكي الإيراني الدقيق الذي تجلّى في نفس الوقت من خلال انتخاب رئيس عراقي جديد في 13 أكتوبر/ تشرين الأول.

قد تتغير هذه الديناميكيات في مرحلة ما -يقول جو مكرون- لكن عاملين يشيران إلى استقرار الاتفاقية على الأقل على المدى المتوسط. الأول هو عزوف إسرائيل وحزب الله عن الدخول في مواجهة مفتوحة. وهكذا تشكّل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية هذه امتدادا لمنطق الانسحاب الذي وضعه الطرفان بعد حرب يوليو/ تموز 2006. أما العامل الثاني، فهو الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها كل جانب، إذ أن إسرائيل بحاجة إلى الغاز لتقليل اعتمادها على الطاقة، ولبنان يمرّ بأزمة اقتصادية خطيرة ويحتاج هذا الاتفاق للحصول على المساعدات الأجنبية والاستثمار. صحيح أن الاتفاق معيب، إلا أنه يمثل خطوة حاسمة في وضع قواعد التدخّل في شرق البحر الأبيض المتوسط.