ماكرون يستقبل شولتس وسط خلافات عميقة بين باريس وبرلين فجرتها الحرب في أوكرانيا

على وقع خلافات سلطت الضوء عليها الحرب في أوكرانيا، لا سيما في مجال الطاقة والدفاع، وبعد المُحادثات بينهما في برلين بداية هذا الشهر، وفي بروكسل يوم الخميس الماضي على هامش القمة الأوروبية، يستقبل الرئيسُ الفرنسي إيمانويل ماكرون اليوم الأربعاء في قصر الإليزيه، المستشارَ الألماني أولاف شولتس، على غداء عمل، بهدف تعزيز التعاون بين بلديهما.

قصر الإليزيه قال في بيان نشره عشية اللقاء إن ‘‘ماكرون وشولتس سيواصلان مناقشاتهما حول الدفاع والاقتصاد والطاقة من أجل تعزيز التعاون الفرنسي الألماني. وسيبحثان بشكل خاص إلى التحديات المشتركة التي سيتعين على بلديهما مواجهتها في العقد المقبل، وأحسن طريقة في مواجهتها بطريقة موحدة ومشتركة’’.




وأضاف: ‘‘سيكون هذا الاجتماع أيضا فرصة لمناقشة آخر التطورات المتعلقة بالحرب التي تقودها روسيا، دائما بنفس روح الدعم الثابت لأوكرانيا. كما قد يكون اللقاء مناسبة يقدم خلالها المُستشار الألماني تقريراً عن القرارات المتخذة خلال مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا الذي احتضنته برلين الثلاثاء’’، والذي ينظم في إطار الرئاسة الألمانية لمجموعة السبع بالاشتراك مع المفوضية الأوروبية.

يأتي هذا اللقاء في وقت تشهد العلاقة بين أكبر اقتصاديين في التكتل الأوروبي، توتراً متزايداً يلقي بظلاله القوية على ‘‘التضامن’’ الأوروبي في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة والتهديد النووي والتسلح الأوروبي. فقد أعلنت باريس وبرلين يوم الأربعاء الماضي عن تأجيل اجتماع المجلس الوزاري الفرنسي- الألماني الذي كان مقررا عقده اليوم الأربعاء في ‘‘قصر فونتانبلو’’ قرب باريس حتى شهر يناير/ كانون الثاني المقبل. ومع أن حكومتيْ البلدين أكدتا رسمياً أن التأجيل سببه مشاكل في أجندة بعض الوزراء، لكن العديد من المراقبين والمحللين ووسائل الإعلام في البلدين، أكدوا أن هناك فعلا مشكلة حقيقية بين باريس وبرلين.

لم يُعقد مجلس وزراي فرنسي- ألماني حقيقي منذ أكثر من عامين بسبب وباء كوفيد-19، حيث تم إلغاؤه في عام 2022، وعُقد عن بُعد عام 2021. وعليه، فإن المُستشار الألماني الجديد أولاف شولتس لم يُشارك حتى الآن في أي مجلس مشترك لوزراء البلدين، وهو اجتماع سنوي بدأ في عام 2003 تحت رعاية جاك شيراك في إطار معاهدة الإليزيه، التي تم التوقيع عليها عام 1963 من قبل شارل ديغول وكونراد أديناور. وتُنظم هذه الاتفاقية العلاقات بهدف تعميق التعاون بين فرنسا وألمانيا، لا سيما على مستوى الدفاع والشؤون الخارجية والتعليم والشباب.

لكن هذه المرة، وعلى عكس المرتين السابقتين، ليس للأمر علاقة بكوفيد-19، بل إن السبب الذي دفع البلدين إلى تأجيل الاجتماع الوزاري الثنائي -وسط احتمال بإلغائه- يعود إلى خلافات عميقة بين باريس وبرلين حول موضوعين مهمين جداً، لاسيما من حيث السياق والتوقيت.

الطاقة

الأول هو موضوع الطاقة، حيث يخيم الانقسام على الموقف الأوروبي بشأن كيفية مواجهة أزمة الطاقة ووضع حد لخلافاتهم المستمرة منذ أسابيع حول التعامل مع أزمة الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة والتي قادت إلى ارتفاع فواتير التدفئة بشكل كبير في أوروبا قبيل حلول فصل الشتاء. فألمانيا ما تزال ترفض وضع سقف لأسعار الغاز على المستوى الأوروبي، كما تطالب بذلك العديد من الدول بما في ذلك فرنسا. وترى برلين أن ذلك قد يدفع الموردين (قطر والنرويج والولايات المتحدة) إلى تفضيل بيع غازهم في مكان آخر.

في المقابل، ترفض فرنسا تشغيل تقاطع خط أنابيب الغاز Midcat بين برشلونة وكاركاسون، والذي سيزود ألمانيا بالغاز من المحطات الإسبانية. وترى باريس أن ذلك سيُساهم في صعود الوقود الأحفوري. في الواقع، تريد فرنسا قبل كل شيء الدفاع عن محطات الغاز المسال الخاصة بها وبيع طاقتها النووية. لكن برلين تذكّرها بأن قوة فرنسا النووية في حالة من الفوضى، حيث إن نصف محطات الطاقة لديها مغلقة. كما أن فرنسا شعرت بالإهانة لعدم تحذير برلين مسبقا من خطتها الوطنية الضخمة البالغة 200 مليار للتخفيف من فاتورة الطاقة للأسر الألمانية.

الدفاع

أما مجال الخلاف الرئيسي الثاني بين باريس وبرلين فهو الدفاع. هنا أيضا، فإن مواضيع الخلاف آخذة في التزايد، آخرها إعلان برلين مؤخراً عن اتفاقية مع 13 دولة أخرى في حلف الناتو (بما في ذلك المملكة المتحدة وبلجيكا ودول البلطيق)، بهدف الحصول على درع مضاد للصواريخ في أوروبا، وذلك في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا. وهو ما أثار استياء فرنسا، المدافعة المتحمسة عن فكرة “السيادة الأوروبية”، حيث نددت باريس بـ‘‘سباق للتسلح’’ داخل القارة.

مشروع الدرع المضاد للصواريخ هذا، المكون من أنظمة ألمانية وأمريكية وربما إسرائيلية، يهدف إلى تكوين نوع من “الفقاعة متعددة الطبقات”، من أجل حماية الدول الأوروبية من الهجمات بصواريخ ذات نطاقات مختلفة أو من طائرات بدون طيار أو طائرات هليكوبتر معينة. ويُفترض أن يمر “درع السماء” هذا على وجه الخصوص بشراء أنظمة IRIS-T بمدى يصل إلى حوالي ثلاثين كيلومترا -تم تطويره بواسطة الشركة الألمانية Diehl BGT Defense – وأنظمة باتريوت، المصنعة من قبل شركة Raytheon الأمريكية، لتكون قادرة على توفير حماية تصل إلى ما يقرب من 200 كم.

وتقول صحيفة ‘‘لوموند’’ الفرنسية إن إعلان برلين عن هذا المشروع ‘‘شكّل ضربة قاسية’’ لباريس، التي لم ترغب فرنسا في الانضمام إلى هذه المبادرة، وذلك لأنها كانت تطور منذ عام 2021 مع إيطاليا، نسخة جديدة من نظام دفاعها الجوي أرض- جو متوسط ​​المدى، ويتم وضع أحد هذه الأنظمة حاليا في رومانيا على شواطئ البحر الأسود.

ورغم كل ذلك، شددت كاتبة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية لورانس بون، عشية هذا اللقاء المرتقب بين اليوم ماكرون وشولتس، شددت على أن العلاقة بين باريس وبرلين ‘‘تسير على نحو جيد للغاية’’، مؤكدة أن الثنائي الفرنسي- الألماني لم يضعف على الإطلاق، وإن كانت أقرت بوجود صعوبات في مجالات معينة مثل الدفاع وأزمة الطاقة في الاتحاد الأوروبي أو الاقتصاد.