سمير عطا الله

عهود وخواتم – سمير عطالله – النهار

“كانت مظاهر الشقاء والألم لا تزال ظاهرة على مواطنينا. لكنهم لم يعودوا يشعرون بوخز ذلك الألم. إنّ تعوّد #اليأس أصعب من اليأس نفسه”
كامو

جميعنا في انتظار الرئيس الرابع عشر. وما من أحد منّا يعرف الى متى، فقد يهلّ في اليوم الأول من مقتضى الدستور، وقد لا يهلّ ولا يطلّ ولا يقتضي إلا بعد أن يشبع الدستور إهانة، والاستقلال مهانة، والسيادة “مرقعة”. كلها حالات اعتدنا وتعوّدنا عليها، وصار القانون هو المفاجأة. وأدمن ال#لبناني الذعر من بدايات العهود ومن نهاياتها. كلاهما يأتي من المجهول ويذهب به الى المزيد. القاسم المشترك الوحيد في هذا الموعد أنه لم يُرفَق مرة بالهدوء، أو يُمارَس كحالة دستورية طبيعية.




أسوأ ما يخشاه الكاتب هو ان يكرر احياناً ما قد كتب من قبل. لكن العودة الى السرد التاريخي تُحتّم ذلك فلا بد من الاعتذار. من أكثر قصص النهايات درامية ما رواه الزميل الراحل فؤاد عبيد. فقد ذهب الى مُنعزل الشيخ بشارة الخوري في الكسليك بعد استقالته، ليطْلع على طريقته في الحياة. وقال له الرئيس السابق: “الأمر بسيط جداً يا بنيّ، فإلى جانب وسادتي كتابان، الانجيل ونهج البلاغة. ومعهما أمضي سكينة هذه العزلة”. وبعد زيارة الشيخ بشارة بفترة ذهب فؤاد عبيد ليسجّل مقابلة اذاعية مع الرئيس السابق الفرد نقاش. طرح الأسئلة التي يحملها، وهمّ بالخروج، فاستمهله الرجل قائلاً: “هل أنت مستعجل؟ إذا لم تكن كذلك فابقَ قليلاً أُسمعك كيف أعزف شيئاً من باغانيني”. اكتشف الزميل الراحل وهو يُصغي ان الرئيس السابق والقاضي السابق، لم يكن سابقاً أو متقاعداً في الشغف بالموسيقى الكلاسيكية.

أكرر، ايضاً مع الاعتذار، ما رويته غير مرة هنا عن الرئيس الفرد نقاش. فقد كنت في شبابي مولعاً بالسينما. وكانت سينما ستاركو تعرض في الصيف فيلماً مختلفاً كل يوم. وكل يوم كنت أذهب لمشاهدة فيلم جديد، فأجد الرئيس نقاش يدخل كأنه هو ايضاً من الهواة. وبسبب جهلي سألت الموظف هناك، أليس لرئيس سابق ما يفعله سوى حضور الافلام؟ واجاب الرجل في شيء من الحزن، ان الرئيس نقاش لا يأتي الى هنا لحضور الفيلم بل كي ينام في التبريد.
بعد سنوات طويلة توطدت صداقة طيبة مع الرئيس الياس الهراوي. وكنا نلتقي الى مائدته مرة أو مرتين في الاسبوع، ويكون الطبق الرئيسي دائماً ما يرويه من الذكريات على سجيّته، وغالباً مع البهارات الزحلاوية. وقد روى لنا انه بعد وصوله الى الرئاسة قرر ان يتفقد، واللبنانية الأولى منى الهراوي، احوال الرؤساء السابقين. ذهب اولاً الى منزل الرئيس الامير الجنرال فؤاد شهاب. وسأل ارملته السيدة روز إن كانت في حاجة الى شيء، أجابت بلغتها الفرنسية: “اطلاقاً فخامة الرئيس، لكنني اكون في غاية الامتنان إذا استطعت ان تسدد عني 300 دولار التي أنا مدينة بها للبقّال”.

في اليوم التالي ذهب الرئيس الهراوي وزوجته لزيارة الرئيس سليمان فرنجية في مستشفى الجامعة الاميركية. وقال له إنه يقوم بجولة على الرؤساء السابقين وعائلاتهم، لكي يستمع الى مطالبهم إذا كانت هناك من مطالب. وكان رد الرئيس فرنجية: “الحمد لله نحن في خير، ولكن لم يعد لديّ سوى 80,000 ليرة في حسابي في البنك (الفلاني) وهو الآن قيد الحراسة، فإذا كان في الامكان ان يُصرف المبلغ لي أكون من الشاكرين”.

عندما انتهى عهد الرئيس الياس سركيس، غادر لبنان مباشرة الى باريس للعلاج. وجئت من لندن للسلام عليه في شقة بسيطة ومتواضعة مثله. وكان بين فترة وأخرى يقوم الى التلفون ليتحدث مع طبيب في واشنطن، ثم يعود معتذراً، موضحاً أسباب المكالمات.

سألني عن احوال الصحافة والصحافيين في لندن. وتبين لي انه يعرف عنهم اكثر مما اعرف بكثير. وفي نوع من “مدّ الحديث” كما يقول اللبنانيون، سألته إن كان سوف يكتب مذكراته. فأجاب قاطعاً: “إذا أنا كتبت مذكراتي يذهب نصف اللبنانيين قتلاً”. في باريس ايضاً تسنى لي ان ارافق تقاعد الرئيس أمين الجميّل، الذي كان يحرص على قيادة سيارته بنفسه، كما كان يفعل والده الشيخ بيار، في زمن لبنان. وكان الشيخ أمين يعاني من المرارتين: مرارة الأهل ومرارة الخصوم التقليديين. لكنه مثل جميع ابناء العائلات السياسية كان متدرباً على حفظ الأسرار وحفظ الكرامات ولو انها هانت. وكان يسكن في شقة مستأجرة من ثلاث غرف، بينما تتبارى الشائعات في لبنان حول الثروة التي جمعها. وبكل بساطة وكِبَر قرر الرئيس الجميل ان يبتعد عن السياسة من دون ان يعتزل. وكان يعتبر انه يحمل إرثاً سياسياً عمره عشرات الأعوام، ومهمته ان يحافظ عليه لا ان يفرّط به مهما تغيّرت الأحوال من حوله.

انصرف الشيخ أمين الى الحياة في شقة عادية في سن الفيل كانت له ما قبل الرئاسة، وفي البيت العائلي في بكفيا، حيث انشأ ايضاً مقر “بيت المستقبل” الذي بدأه وهو بعدُ في القصر الجمهوري.

آسف لعدم التزام التسلسل الزمني! بدايات الرئيس كميل شمعون كانت من اجمل ما حدث للرؤساء وللبنان على السواء. “فتى العروبة الأغرّ” وابن الجبل وجار بيت الدين، وزوجته من أميرات الزمان. النهاية كانت عكس ذلك تماماً، فتى العروبة يؤيد دون سائر العرب العدوان الثلاثي على مصر، ويهدر علاقة لبنان بأشقّائه. وبعد ذلك يحاول التجديد لنفسه بكل الوسائل المنفّرة، ومنها تزوير الانتخابات من اجل اسقاط الزعامات التاريخية، مما أوقعه في الحرم العربي، وأوقع لبنان في الثورة المؤلمة. وقد انقذ فؤاد شهاب اللبنانيين، وخصوصاً المسيحيين، من هذه الحفرة عندما قرأ من “الكتاب” اصول العلاقات الخارجية والوطنية على السواء. وكان من حسن حظ شارل حلو ان ولايته انتهت كما بدأت، “لا لون ولا طعم ولا رائحة” كما وصفها الزميل سليم نصار في بدايتها مما جعل الرئيس الضعيف يستقوي عليه وحده ويرسله الى السجن لكي “يُثبت ان له طعماً ولوناً ورائحة”.

جاء الرئيس سليمان فرنجية تسبقه سُحب الحرب الأهلية والعربية والدولية معاً، فلم يكد المقام يستقر به في بعبدا حتى بدأت النيران بالاشتعال تحت مختلف الذرائع، التي كان معظمها حقيقياً. المكاره كانت حقيقية، والخيانات كانت حقيقية، والسمسرات كانت حقيقية بالدرجة الأولى. هكذا حُكم على سليمان فرنجية ان يكون اول رئيس تُختصر إقامته في بعبدا، ويُنقل مقر الرئاسة الى الكفور المجهولة العنوان والتاريخ. ومن ثم حُكم على سليمان فرنجية بالصراعات المارونية شاملة القبائح، أن يعيش أقصى وأحزن نهايات العمر، يُدخن سيجارته الشهيرة مترائياً له في دخانها خيال بكره وعائلته المذبوحة.

ما بين كل رئيس ورئيس كان يصير موت، أو قتلى، أو حرب، أو شهوة، أو خيانة، أو فظاعة. أو كان يصير وَرَع اسطوري ونُبل ونقاء وعفّة. أو كانت تصير مأساة في الهواء الطلق لا عنوان لها. كأن يُغتال رينه معوض في الهواء الطلق وهو في الطريق الى القصر الجمهوري للاحتفال بعيد الاستقلال. وتأبى الدراما المارونية الملحمية ان تغيب. ونرى اليوم حفيد سليمان فرنجية، الذي فقد والده وأمه واطفال العائلة، يتنافس على أرجحية الرئاسة مع نجل رينه معوض الذي كان طفلاً في جنازة أبيه.

هي، أحياناً، حروب الموارنة من الحاجة الى اطراف. وهي أحياناً حروب الآخرين مع الحاجة الى موارنة. وهي في حالات نادرة جداً حروب الموارنة من أجل لبنان، أو بقاياه.

ثمة علامات مؤسفة جداً في الأيام الأواخر من عهد الرئيس ميشال عون، أهمها علامات الفراغ التي احاطت مجيئه ايضاً. ومن أسوئها اللغة التي يستخدمها بعض العونيين السابقين في وداع المؤسِّس. لا يشفع لهم انها لغة شائعة في المحافل الحزبية وخطابها الإزدرائي والشارعي. وليس في الذاكرة، مهما بعدت، أي مستوى أو تعابير أو مصطلحات، أو مفردات مما نراه اليوم، كمثل استخدام “ما تحت الزنّار” لقياس القامات السياسية. ولعل سبب هذا التدني شيوع لغة وأخلاق مواقع التواصل وقواميسها. وكانت غريبة على لبنان.

جاء في هدوء وذهب في هدوء عسكري انضباطي آخر. قال العماد ميشال سليمان في خطاب القسَم إنه سيترك القصر قبل اليوم الأخير – وفعل. مرحلة هادئة مستقرة من ست سنين. لا هرج ولا مرج ولا وعد ولا وعيد. لا أزاح أحداً ولا أقعد أحداً ولا غامر ولا قامر ولا ظلم. عسكري ادرك انه في الموقع المدني عليه ان يكون “حامي الدستور وحارس الوحدة”.

لم يتّعظ احد من احد. معظم الذين حكموا ارادوا ان يخلفوا أنفسهم. أو ما يشبه ذلك.

رافقت “الفوضى الدستورية” على نحو مؤلم مواعيد الرئاسات ذهاباً واياباً. وكان ثمنها دائماً المزيد مما بقي. جاء الرئيس عون بأكثرية ساحقة ويذهب في انتخابات أخرى، من خلال اقتراع طلاب الجامعات. ولا شيء في البلاد سوى “الفوضى الدستورية”. وربما كان من المناسب في هذه الساعات الدقيقة، لفت نظر قادة لبنان الى بعض التعابير: كلمة فوضى لا تستقيم ابداً مع أي دستور. إما الدستور وإما الفوضى.

كتب الاستاذ مروان سيف الدين الى “النهار” يوم السبت الماضي، يصحح بعض الأخطاء التاريخية التي وقعتُ فيها. وأنا أشكره وأعتذر من جميع القرّاء.