نابلس تغرق في بحر الدماء

الثلاثاء، الخامس والعشرين من تشرين أول 2022 كانت نابلس فضلا عن كونها محاصرة منذ أسبوعين، مدينة تغرق في بحر من القلق والدماء.

تبدو المدينة وكأنها داخلة في حالة من عدم اليقين بماذا يمكن أن تنتهي هذه السلسلة من عمليات القتل اليومية. إن نابلس ومحطيها هذه الايام في قبضة عسكرية إسرائيلية قاسية




لكن الحزن في هذه المدينة، لا يولد وحيدا، فعلى مساحة واسعة من أحيائها القديمة، فقدت عائلات المدينة، مجموعة أخرى من أبنائها، برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي.

عند منتصف ليلة الاثنين- الثلاثاء، اكتُشفت قوة اسرائيلية خاصة وسط المدينة كانت تسير باتجاه تنفيذ عملية اغتيال لعدد من الشبان، لكن ما لبثت المدينة ان دخلت في أقسى حالة لها منذ سنوات، اذ اعلنت عمليات قتل واغتيال متتالية استمرت حتى ساعات صباح اليوم.

وحتى الصباح، كان خمسة شبان قد قتلوا على يد جيش الاحتلال.

يقول شاهد عيان، أكد على عدم ذكر اسمه لمراسل وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) ” رأيتهم دخلوا في سيارتيْ تبريد مغلقتين على الاقل”. وكان يشير بذلك الى دخول اول دفعة من القوات الخاصة الى المدينة.

وبذلك تكون العلمية العسكرية هذه الليلة، هي الأطول والأقسى في سلسلة عمليات اسرائيلية تستهدف المدينة منذ اسابيع. ويروي أكثر من شاهد عيان، أن اول المناطق المستهدفة كان منزلا في البلدة القديمة وهناك استخدمت قذائف متفجرة.

نابلس مدينة حزينة وأهلها يرثون شهداءهم.

حتى صباح اليوم، كانت الأدخنة ما زالت تتصاعد من احياء البلدة القديمة، فيما كانت الروايات تتوالى عن الطريقة التي نفذت فيها خمس عمليات قتل لشبان في مناطق متفرقة من المدينة.

وأمكن مشاهدة المنزل في حارة العطعوط وقد اخترقت رصاصات لا يمكن احصاء عددها جدران المنزل وثقبت انابيب المياه.

إن اصوات المياه المنسابة من تلك الانابيب تبث جوا من القلق علاوة على القلق والحزن الذي يسيطر على المدينة.

انها حالة دمار ناشئة عن عملية عسكرية كبيرة في المدينة، لا تبدو نهايتها واضحة حتى الآن، بحسب تقرير وكالة (وفا).

قال شاب من سكان المنطقة، لم نشهد مثل هذه العملية العسكرية من قبل”. لكن المدينة شهدت في سنين طفولة ذلك الشاب عمليات عسكرية أقسى في نيسان 2002 عندما اجتاحها جيش الاحتلال وهدم جزءا من بلدتها القديمة في عملية أطلق عليها حينها “السور الواقي”.

تلتقي حارات نابلس في خط مستطيل عند اقدام جبلي عيبال وجرزيم الشيهرين، ويقول سكان المدينة إن قوات عسكرية اسرائيلية من الجبلين شاركت في العملية في الأسفل.

لكن الجبلين في واقع الأمر هما سدين ضخمين يستخدمهما جيش الاحتلال منذ عقود طويلة في حصار نابلس، فعلى قمتيهما وضعت نقاطا عسكرية دائمة تراقب حركة المدينة ليل نهار.

كانت بركة الدماء في احدى غرف المستشفيات صورة اخرى من الصور التي اختزلها سكان المدينة في ذاكرتهم ليلة وصباح اليوم

وبحسب ما ورد، تبدو المدينة وكأنها داخلة في حالة من عدم اليقين بماذا يمكن أن تنتهي هذه السلسلة من عمليات القتل اليومية. إن نابلس ومحطيها هذه الايام في قبضة عسكرية إسرائيلية قاسية.

آلاف المواطنين أصبحوا يقضون ساعات طويلة على الحواجز العسكرية التي أعيد وضعها على مداخل المدينة وريفها. فالمشهد الذي يمكن نقله من هناك لا يختلف عن مشاهد لحصار المدن في مناطق الحروب الكبيرة كما ترويها مشاهد الافلام.

فشوارع المدينة الخارجية مغلقة بالحواجز والجنود والبوابات الالكترونية وسدود التراب، وفي مثل هكذا يوم، تشهد شوارعها الداخلية حركة ثقيلة لا يمكن مقارنتها بالأيام العادية لواحدة من كبريات المدن الفلسطينية المشهورة بأسواقها التجارية.

في عمق المدينة، في حي العطعوط الذي جرت فيه جولة من العملية العسكرية الممتدة تظهر بقايا المتفجرات والحجارة. كانت دراجة نارية قد تعرضت ايضا للتفجير علامة ناصعة لما جرى ليلا.

لقد كشفت الساعات الاولى من النهار شدة ما تعرضت له المدينة. اما حركة آلاف المندفعين الى المستشفيات تكشف حجم الحزن العميق في وجوه سكانها.

لقد كشفت الساعات الاولى من النهار شدة ما تعرضت له المدينة. اما حركة آلاف المندفعين الى المستشفيات تكشف حجم الحزن العميق في وجوه سكانها

لدى الكثيرين من سكان المدينة ذكريات عن عمليات عسكرية سابقة، وأصبح لدى الكثيرين من الجيل الذي لم يشهد تلك العمليات في بداية القرن الجديد ذكريات مماثلة سيروونها مستقبلا.

كانت بركة الدماء في احدى غرف المستشفيات صورة اخرى من الصور التي اختزلها سكان المدينة في ذاكرتهم ليلة وصباح اليوم.

قال أحد المتواجدين امام المستشفى ان اسرائيل ” تريد قتل أكبر عدد من شبان المدينة”. وتظهر نبرات التحدي الممزوج بالقلق في عيون الشبان المصطفين بالآلاف امام مشافي المدينة.

قال أحدهم” نابلس لن تستسلم (..) نابلس قوية.”.