قرار “أوبك+” يعمق الخلاف بين واشنطن والرياض.. “وول ستريت”: ولي العهد يسخر من زلات بايدن والمملكة تهدد ببيع سندات الخزانة الأمريكية التي تمتلكها

قالت صحيفة Wall Street Journal الأمريكية، في تقرير نشرته الإثنين 24 أكتوبر/تشرين الأول 2022، إن الاتفاق الضمني  الذي يربط الولايات المتحدة بالمملكة العربية السعودية قد عاصر  15 رئيساً وسبعة ملوك، لكنه بدأ يتصدّع الآن تحت قيادة زعيمين لا يتبادلان الإعجاب أو الثقة على حدٍّ سواء.

إذ يسخر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (37 عاماً)، من الرئيس الأمريكي جو بايدن في الجلسات الخاصة، ويتهكّم على زلات الرجل البالغ من العمر 79 عاماً، ويُشكّك في سلامة قواه العقلية، وفقاً لمصادر داخل الحكومة السعودية. حيث قال بن سلمان لمستشاريه إنه ليس معجباً ببايدن منذ أن كان نائباً للرئيس، وإنه يفضل الرئيس السابق دونالد ترامب أكثر منه، وفقاً للمصادر.




بايدن لم يهتم بمناقشة السياسات

بينما رفض الحديث إلى الأمير محمد لأكثر من عامٍ كامل بعد انتخابه. وعندما التقى الثنائي في جدة، خلال شهر يوليو/تموز 2022، شعر الحضور من المسؤولين السعوديين بأن بايدن لم يرغب في التواجد هناك، ولم يكن مهتماً بمناقشة السياسات، حسب المصادر.

في حين جاء قرار منظمة أوبك+ خفض إنتاج النفط ليُعزز عزم الزعيمين على إعادة النظر في العلاقة الاستراتيجية، التي كانت سمةً مميزة للاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط على مدار 80 عاماً تقريباً. ووصل الأمر اليوم إلى مناقشة التدابير الانتقامية التي لم يتصورها أحدٌ من قبل.

الحرب الأوكرانية لحظة تاريخية

حيث ترى إدارة بايدن أن الحرب الأوكرانية تمثل لحظةً تاريخية حاسمة تتطلب من دول العالم الانحياز إلى أحد الجانبين، بينما يأتي قرار خفض إنتاج أوبك+ ليقرب السعوديين من الروس أكثر.

فيما أعرب المسؤولون السعوديون عن إحباطهم، لأن الولايات المتحدة ما تزال تنظر إلى العلاقات من منظور ضيق يتمحور حول النفط والأمن. بينما تصف الرياض قرار أوبك+ الأخير بأنه ضروريٌّ من أجل مصالح أمنها القومي الأساسية، فضلاً عن كونه قراراً فنياً كان يجب اتخاذه؛ للحيلولة دون الانخفاض الحاد في أسعار النفط الخام.

من جانبها تُخطط السعودية لتسليط الضوء على هذه الجهود في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، الذي يُعقد في الرياض، وقالت الدولة المنظمة إنها لم توجه الدعوة إلى المسؤولين الأمريكيين بعد أن فكرت إدارة بايدن في الانسحاب من المشاركة، وذلك رغم مشاركتهم في النسخ السابقة من المؤتمر بتمثيلٍ وزاري. بينما قال مسؤولٌ أمريكي إن السعوديين دعوا وزيرة الخزانة جانيت يلين ووزيرة التجارة جينا ريمونود، لكن إدارة بايدن قالت إنهما لن تحضرا المؤتمر بحجة ازدحام جداول المواعيد.

بينما قال وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، في مقابلةٍ أجراها: “يُعتبر جدول أعمالنا الاقتصادي ضرورياً من أجل بقائنا. ولم يعد الأمر متعلقاً بالطاقة أو الدفاع فقط”.

تعميق العلاقة بين السعودية  وإسرائيل

في حين نفى وزير الخارجية السعودي أن يكون الأمير محمد قد سخر من بايدن في الجلسات الخاصة، أو أخبر مساعديه بأنه ليس معجباً ببايدن ويفضل ترامب.

فيما قال المسؤولون الأمريكيون إنّ بايدن دفع بالعلاقات إلى ما هو أبعد من النفط، وذلك عندما عمل على تعميق العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

لكن التحدي الكبير التالي سيأتي في شهر ديسمبر/كانون الأول 2022، حيث لمّح السعوديون إلى احتمالية زيادة إنتاج النفط في ديسمبر/كانون الأول إذا فقدت الأسواق إمدادات النفط الروسية، نتيجةً لحظر الاتحاد الأوروبي أو سقف الأسعار المفروض من الدول السبع، وفقاً لمصادر من داخل الحكومة السعودية. ويشكك المسؤولون الأمريكيون من ناحيتهم في أن الرياض ستفعل ذلك، ويقولون إن الأمر سيمثل اختباراً رئيسياً للكشف عن موقف المملكة ومعرفة ما إذا كانت ستقف مع أوكرانيا والغرب أم ستختار صف روسيا.

ربما حاول بايدن والأمير محمد تكوين علاقةٍ شخصية أثناء رحلة الرئيس الأخيرة إلى جدة. لكن الرئيس أغضب الأمير عندما أثار المزاعم المتعلقة بحقوق الإنسان على الفور، وضمن ذلك اغتيال جمال خاشقجي عام 2018، وفقاً لمصادر مطلعة على المحادثات.

نقطة خلاف

يُمكن القول إن مقتل خاشقجي، كاتب أعمدة بصحيفة Washington Post الأمريكية، ما يزال يمثل نقطة خلاف مهمة بين الرجلين.

كذلك يُذكر أن ملوك السعودية ورؤساء الولايات المتحدة اعتادوا اجتياز فترات الاضطراب في الماضي بفضل العلاقات الشخصية القوية.

حيث أوضح ستيفن كوك، خبير الشرق الأوسط في مؤسسة Council on Foreign Relations البحثية: “لا بد أن تكون العلاقات شخصية عندما تتعامل مع بلدٍ يحكمه خمسة أشخاص بصورةٍ أساسية”.

من جهة أخرى كشفت مصادر مطلعة أن الأمير محمد اجتمع بمستشاريه داخل قصرٍ مطل على البحر بعد انتخاب بايدن، وذلك لوضع خطة استمالة الرئيس الجديد.

تنازلات سعودية

حيث قدم السعوديون بعض التنازلات على صعيد حقوق الإنسان، التي مثّلت موضوعاً أساسياً لحملة بايدن الانتخابية. وشملت التنازلات الإفراج عن لجين الهذلول وسجينين أمريكيين من أصل سعودي، فضلاً عن الإسراع بإنهاء الخلافات مع الجارة قطر.

أوضحت المصادر أن رد فعل بايدن صدم الأمير محمد، إذ جمّد الرئيس مبيعات الأسلحة للسعودية، وألغى قرار إدارة ترامب في لحظاتها الأخيرة بتصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية، ونشر تقرير الاستخبارات حول مقتل خاشقجي خلال الأسابيع الأولى من ولايته.

مثّلت تلك الخطوات تصحيح مسارٍ لا بد منه بالنسبة لإدارة بايدن. لكن خطوات بايدن الأولى كانت بمثابة صفعةٍ على وجه السعوديين.

لكن بعد أن كان الرؤساء والملوك يتولون زمام العلاقات بين البلدين بأنفسهم في الماضي، سلّم البيت الأبيض ملف السعودية إلى بريت ماكغورك من مجلس الأمن القومي وعاموس هوكشتاين من وزارة الخارجية.

فيما تواصل الثنائي بصورةٍ أساسية مع اثنين من أشقاء الأمير محمد، وهما وزير الطاقة الأمير عبد العزيز ووزير الدفاع الأمير خالد. وضغط الأمريكيان بشدة داخل الإدارة الأمريكية من أجل التواصل مع السعوديين. لكن صحيفة Wall Street Journal الأمريكية نقلت أن هوكشتاين بعث برسالة إلى الأمير عبد العزيز أعرب فيها عن شعوره بالخيانة، وذلك بعد تجاهل السعوديين لمطالب الولايات المتحدة المتعلقة بالنفط في الصيف.

مخاوف أمريكية

يخشى البيت الأبيض تدمير العلاقات بين البلدين، مما قد يؤدي إلى تهديد العمليات الأمنية الحساسة. بينما قال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان إنّ الرئيس سيتشاور مع أعضاء الحزبين حول كيفية الرد على السعودية، وذلك عندما يعاود الكونغرس الاجتماع بعد الانتخابات النصفية الشهر المقبل. وتشمل الردود المحتملة إجراء تغيير على استراتيجية المساعدات الأمنية الأمريكية. وأوضح سوليفان: “لن يتصرف الرئيس باندفاع”.

من جهتهم يُدرك السعوديون أنهم لن يتمكنوا من العثور على شريك أمني بديل للولايات المتحدة بين ليلةٍ وضحاها. لهذا التقى المسؤولون السعوديون بالمؤسسات البحثية وبعض المسؤولين الأمريكيين بعد اجتماعٍ لـ”أوبك+” في فيينا، من أجل توضيح موقفهم. حيث قالوا إن واشنطن استهانت بحجم المساعدات السعودية لأوكرانيا، وإنهم فوجئوا بردّ الفعل الأمريكي على قرار “أوبك+”، بحسب أشخاص حضروا الاجتماع.

كما يُوجد خيار جذري مطروح على الطاولة، حيث قال المسؤولون السعوديون في الجلسات الخاصة إن المملكة قد تبيع سندات الخزانة الأمريكية التي تمتلكها في حال مرّر الكونغرس تشريعاً ضد منظمة أوبك، وفقاً لمصادر مطلعة على المسألة. ويُذكر أن السعودية زادت حيازتها من سندات الخزانة الأمريكية إلى 119.2 مليار دولار في يونيو/حزيران، وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية.