اللبنانيون يلجأون للقوة لاستعادة أموالهم المحتجزة في المصارف

كارولين عاكوم – الشرق الأوسط

تحولت ظاهرة اقتحام المصارف في لبنان إلى الخيار الأخير بالنسبة إلى المودعين المحجوزة أموالهم في المصارف. في وقت تزداد الأزمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية سوءاً، وكان آخرها أمس، حيث سجلت عملية اقتحام جديدة في مصرف في مدينة صيدا، جنوب لبنان، من قبل أحد المودعين الذي طالب بالحصول على أمواله لإجراء عملية جراحية لطفله.




ودخل المودع وفيق كالو «بنك لبنان والمهجر»، فرع صيدا، وأغلق الباب ومنع الدخول والخروج من المصرف مهدداً بإضرام النار بنفسه، إذا لم يحصل على مبلغ 5 آلاف دولار، وهو جزء من وديعته، لتغطية كلفة عملية عاجلة لابنه الرضيع الذي لم يتعد شهره الثاني، والذي يعاني من ثقب في القلب. وعلى الأثر، حضرت القوى الأمنية إلى المكان وبدأت المفاوضات بينه وبين إدارة المصرف إلى أن انتهت بحصوله على مبلغ 280 مليون ليرة لبنانية.

ويجمع كل من الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان والمحامي في رابطة المودعين فؤاد الدبس، على أن ما يحصل في لبنان هو نتيجة طبيعية للإجراءات المجحفة بحق المودعين واحتجاز أموالهم ومدخراتهم، متوقعين في الوقت عينه أن تتزايد وتيرتها في المرحلة المقبلة.

ويقول أبو سليمان لـ«الشرق الأوسط»: «بالطبع عندما لا يستطيع أي شخص الحصول على حقه سيلجأ إلى القوة أو الاعتماد على نفسه، وما يحصل اليوم في لبنان يشجع المودعين على القيام بالخطوة نفسها»، ويضيف: «للأسف الدولة في لبنان أصبحت ترعى شريعة الغاب، بحيث إنه في حالات كهذه يفترض الاحتكام إلى القانون ليرعى العلاقة بين المصارف والمودعين لكن الدولة أخفقت بسن قانون ضبط حركة رؤوس الأموال وتنظيم السحوبات، وهذا يحول دون قدرة القضاء على اتخاذ القرارات للفصل في أي نزاع من هذا الأمر لعدم وجود قانون يعتمد عليه».

بدوره، يقول الدبس لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تستولي المصارف على حقوق الناس من الطبيعي أن يلجأوا إلى هذا الخيار لاستعادة أموالهم، لا سيما أن أصحاب المصارف والمسؤولين هم بدورهم يسيطرون على القضاء وعلى القوى الأمنية غير القادرين على اتخاذ قرارات تعيد للناس حقوقها وتنصفهم». وأكد أن الحل يكون بإقرار خطة تعافٍ شاملة وعادلة تتضمن إعادة هيكلية المصارف ومحاسبة المسؤولين».

وكانت ظاهرة الاقتحامات قد بدأت في لبنان منذ بداية العام الحالي الماضي، ووصلت حتى اليوم إلى حوالي 16 عملية، معظمها لأسباب صحية أو تعليمية، لكن لم ينجح جميعهم بالحصول على أموالهم.

وأول عملية سجلت في شهر يناير (كانون الثاني) حيث عمد أحد المودعين إلى اقتحام مصرف في منطقة جب جنين في البقاع الغربي، مطالباً بالحصول على 50 ألف دولار أميركي وهو ما حققه، بحيث أعطى المبلغ لزوجته وسلم نفسه للقوى الأمنية.

ومنذ ذلك الحين، لم تسجل أي حادثة مماثلة على امتداد حوالي 8 أشهر قبل أن تنشط عمليات الاقتحام وتزداد وتيرتها في النصف الثاني من العام الحالي، في موازاة الارتفاع غير المسبوق لسعر صرف الدولار. وكان استئنافها في شهر أغسطس (آب)، مع المودع بسام شيخ حسين الذي احتجز 8 رهائن في المصرف، مهدداً باستخدام السلاح ما لم يحصل على وديعته التي تفوق قيمتها الـ200 ألف دولار، وذلك من أجل علاج والده، ولم تنته العملية إلا بعد الاتفاق معه على إعطائه 30 ألف دولار ومن ثم تسليم نفسه.

وفي شهر سبتمبر (أيلول)، كانت الذروة مع تسجيل أكثر من سبع عمليات اقتحام في يومين متتاليين، توزعت بين مناطق لبنانية عدة، وكان أبرزها عملية الاقتحام التي نفذتها سالي الحافظ التي قيل إنها استخدمت سلاحاً بلاستيكياً مطالبة بالحصول على وديعة شقيقتها التي تعاني من مرض السرطان وتحتاج لإجراء عملية جراحية، وتمكنت من الحصول على حوالي 15 ألف دولار أميركي.

وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أقدمت النائبة في «تكتل نواب التغيير» سينتيا زرازير على المطالبة بالقوة بأموالها، بعد دخولها سلمياً إلى أحد المصارف برفقة محامين مطالبة بتحويل 8000 دولار من وديعتها إلى المستشفى من أجل الخضوع لعملية جراحية، ولم تخرج قبل أن تحصل على مطلبها.

مع العلم أن المصارف كانت قد اتخذت قراراً بالإقفال مرات عدة، رفضاً لعمليات الاقتحام، وفي المرة الأخيرة، مع نهاية شهر سبتمبر (أيلول)، أعلنت إعادة فتح أبوابها بعد إقفال أسبوع كامل ولكن وفق مواعيد وشروط محددة.

وأعلنت جمعية المصارف في بيانها «إعادة فتح أبوابها عبر قنوات يحددها كل مصرف لعمليات المؤسسات التجارية والتعليمية والاستشفائية وسواها وعبر الصرافات الآلية للجميع»، معلنة أن القرار «يسمح بإجراء الإيداعات والسحوبات، كما يسمح بتأمين رواتب القطاع العام إثر تحويلها إلى المصارف من مصرف لبنان ورواتب القطاع الخاص الموطنة لديها».