الدكتور داود الصايغ

إنهم كتبوا العهود بالماء – داود الصايغ – النهار

سامح الله من أطلق كلمة “عهد” على ولايات الرؤساء الجمهورية في #لبنان. لأنه كان يجهل أن هذه الكلمة تنحدر من عهود الله في الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام. العهد القديم والعهد الجديد في الكتاب المقدس لدى المسيحيين، والآيات القرآنية العديدة حول العهد والوفاء للعهد ونقض العهد “والذين ينقضون عهد الله…”

ومنذ الاستقلال وحتى اليوم درج الحديث عن عهود الرؤساء. كأن من يصل إلى مركز الرئاسة إنما يضرب موعدا مع الله أقلّه من خلال الحلف به في جلسة قسم اليمين “أحلف بالله العظيم…” ولكن شتّان ما بين هذا المعنى السامي وبين بعض الذين أوكلت إليهم الأمانة، فجلسوا على الكراسي المتهاوية أبداً من فرط انشغالهم الوحيد بها، فعقدوا العهود مع أنفسهم أولاً وتركوا الناس في عهدة الله حتى ولو افتقدوا إلى كل شيء وكأن ذلك كرماً منهم.




وبالمناسبة إنّ كلمة عهد مثلها مثل المعاهدة تنحدران أيضاً من ذلك المعنى. فإذا كان المقصود أن رئيس الجمهورية يتعهّد في قسمه، فمن الناحية الدستورية يُفترض أن يُحاسب إذا أخلّ بتعهّده… وإلا فإنه يُصبح مثل متعهدي الأشغال. ونرجو للأقلام القادمة مع الولاية الجديدة للقادم الجديد أن تتعامل مع كلمة ولاية، مثل سائر البشر وسائر الدول المتحضّرة والديمقراطية كون أصحاب العهود أخلّوا بها في أضعف الأوصاف ولم يحاسبهم أحد. وبعد أيام سيصبح الرئيس ميشال عون رئيساً سابقاً مع احتفاظه باللقب بالطبع مثله مثل الرؤساء السابقين وهو في حالة نفورٍ معهم جميعاً.

كان لبنان يُفاخر بأن فيه رؤساء سابقين وهذا صحيح بينما الرؤساء العرب السابقون هم إما في السجون أو في القبور. سابقون نعم ولكن ماذا تركوا؟ هل فتح لهم التاريخ أبوابه ولمن؟ فالتاريخ لا يفتح أبوابه إلا لحملة روائح العنبر بينما العديد ممن توالوا رافقتهم روائح أخرى.

الرئيس اللبناني الراحل شارك حلو (١٩٦٤-١٩٧٠) كان يقول لضيوفه عندما يزورونه في بيته بمنطقة الكسليك: “أعملوا حسابكم أن تبقوا ساعة على الأقل” لأنه كان يريد أن يعبئ وقته معهم. وهو كان قادراً في كلّ حال على إبقائهم ساعات من فرط ما كان عنده ليقوله في تجاربه المتنوعة والمسؤوليات والثقافة والظرف.

وكان قد سبقه إلى تلك المنطقة الرئيس الاستقلالي الأول بشارة الخوري (١٩٤٣-١٩٥٢) الذي انكبّ حينها على كتابة مذكراته الفريدة، “حقائق لبنانية” التي لا تزال مرجعاً لا غنى عنه لتاريخ لبنان الحديث في مراحل تأسيسه. وبعد ذلك في إحدى مراحل التأمّل تلك كتب وأذاع بصوته من خلال إذاعة لبنان مستذكراً فلسطين يقول: “يا غائبة الشمسين، شغل الماضي ومرارة الحاضر، ما مررتِ بخاطر عربي علا شأنه إلا وقرع الصدر ندماً على ما فات. فلا فيكِ عزاء ولا عنكِ استغناء. عذرنا لديك يا غائبة الشمسين وعدٌ بمأوى المشردين…”

فؤاد شهاب أحرق ما كان خطّه من ذكريات. ويا للأسف. والياس سركيس داهمه المرض الذي كان أصابه في سنوات رئاسته الصعبة وعندما قرر أن يُدلي بمذكراته وصلت المأساة إلى حدّها الأقسى إذ فقد حاسّة النطق وتُوفي دون أن يشهد لتلك السنوات الشديدة الصعوبة ما بين ١٩٧٦ و١٩٨٨ وهي سنوات الحروب والاجتياحات.

الرئيس أمين الجميل وضعَ مذكراته. وكذلك فعلَ الرئيس الياس الهراوي. ولكن، بموازاة المذكرات التي يتركها الرؤساء اللبنانيون، إلا أنهم غالباً يبقون حاضرين في السياسة اللبنانية. وحده الرئيس أميل لحود غاب كلياً عنها. ولكن خلفه الرئيس ميشال سليمان تابع النشاط على وجه تجمّعٍ يُصدر رأيه في الأحداث والتطورات، بالإضافة إلى تواصل الرئيس السابق مع عددٍ من المتابعين عبر وسائل التواصل.

في بلدٍ مثل لبنان، وهو من حيث المبدأ، ديمقراطية على الطريقة اللبنانية مزروعة في منطقة لم تعرف حتى الآن أي شكل من أشكال الديمقراطية، قلّما ينتهي أحدٌ، على أي مستوى كان. إذ للرؤساء السابقين حضور دائم وتغطية إعلامية دائمة. وكان الرئيس سليمان فرنجية الذي انكفأ في بيته في زغرتا بعد انتهاء ولايته، يُتابع استقبالاته السياسية والشعبية كأن شيئاً لم يتغيّر. وهو كان ولا يزال حال معظم القيادات. ويطرح مسألة أعمق بكثير من الشكليات، لعلها هي في صلب المشكلة الحقيقية: لبنان ليس بلد أحزاب سياسية وعقائدية تنعكس على توازنات العمل السياسي والبرلماني، بل إنه بلد أحزاب شخصيات. أي أن الحزب يتأسـس حول شخص، بدون أي مضمون عقائدي.

إنهم لا ينتهون حتى ولو أعلنوا ذلك مثل الرئيس سعد الحريري. لا ينتهون لأن لبنان بلد موروثات، وذلك على طول تاريخه. ومن موروثاته الصراعات الطائفية والعائلية التي اشتدّت في منتصف القرن التاسع عشر وانتهت بإيجاد الملامح الأولى للكيان عبر نظام المتصرفية، وذلك في ظل الإمبراطورية العثمانية. وليس من باب الصدفة أن لبنان لا يزال البلد الوحيد في الشرق الذي يتم فيه التداول بألقاب القيادات مثل “بيك” و”أفندي”. وجاءت حروب ١٩٧٥-١٩٩٠ بوجوهٍ جديدة انضمت إلى التقليد. فأُغلق الباب المسيحي. فإذ بمعظم القادة السياسيين حالياً هم قادة ميليشيات تلك الحروب. فالمشهد المسيحي لا يزال محكوماً بالمشهد إيّاه منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، بين العماد ميشال عون (التيار الوطني الحر) والدكتور سمير جعجع (القوات اللبنانية). ثلاثة وثلاثون عاماً مرّت على الأحداث الدامية والمُدمّرة عام ١٩٨٩ ولا يزال الصراع إيّاه. كان الجمر هو أبداً تحت الرماد، لم تُطفئه لا التفاهمات

والمصالحات والانتخابات الرئاسية والنيابية، ولا التطورات الإقليمية بخاصةٍ التي ما لبثت أن دخلت في صراع الكتلتين المسيحيتين بشكلٍ سافر وفي التطلعات الرئاسية.

بعد بضعة أيام سوف يُقفل أحد هذه الفصول بالتأكيد، بخروج الرئيس ميشال عون من بعبدا. لا وراثة هنا. لأنه لا وريث. فالعائلة طارئة. لا هي من بيوت الوراثات السياسية مثل آل جنبلاط وأرسلان وسلام وكرامه وفرنجية وحمادة وسكاف والخازن (وهؤلاء الأخيرون كان يتوارثون مع آل جنبلاط وفق تفاهم تاريخي). فخروج ميشال عون من الرئاسة يُنهي حقبة طويلة من الصراع الذي قام في الأساس على طموح الوصول إلى ذلك الكرسي، وأيّده في ذلك جمهور غير قليل توقّف عنده جميع الذين وجدوا أنفسهم في موقف الخصومة مع العماد عون، أمس واليوم. لأن العماد عون كان صاحب قيادة وازنة. وتكوّْن هذا الجمهور لأسباب وعوامل مختلفة هو الإنجاز الوحيد له. ولذلك كان ولا يزال من العبث لجميع اختصاصيي علم الاجتماع والتاريخ والسياسة البحث في معنى ومغزى هذه الظاهرة ظاهرة الولاء لشخص مهما تقلّبت مواقفه التي عرفت بعض المجتمعات الغربية أمثلةً لها. وعرفت أيضاً أنها انتهت وتنتهي فور غياب هذا الشخص. وبخاصة حين لا يُسجّل له أي إنجاز وكان أبرزها النازية والفاشية مع أدولف هتلر وبينيتو موسوليني في الحرب العالمية الثانية. لأن أوروبا اليوم في العديد من بلدانها تتجه نحو اليمين المتطرّف، لعوامل مختلفة منها تكاثر عدد المهاجرين إليها من جنسياتٍ وأديانٍ مختلفة. وفي مجال القيادات العربية كانت نهاية كلّ من صدام حسين ومعمّر القذافي بالغة السواد، لقائدين مهما قيل عن سنوات حكم كلّ منهما، إلا أن العراق وليبيا خربا بعدهما. كما خربت اليمن بعد علي عبدالله صالح. وأما جمال عبد الناصر فهو أكثر شخصيةٍ عربية طبعت القرن العشرين. ومن بعده لم يظهر أي قائد على مستوى التعامل مع التاريخ.

العنف في لبنان طاول من القادة السياسيين على طول تاريخه الاستقلالي رياض الصلح وكمال جنبلاط ورشيد كرامي وبشير الجميل ورينه معوض ورفيق الحريري فضلاً عن شهداء ١٤ آذار من السياسيين والإعلاميين البارزين. وحده رياض الصلح عُرف قاتله. والباقون لا شيء. سوى الحكم الصادر عن المحكمة الدولية في ما يتعلّق بالرئيس رفيق الحريري. كان القضاء في قبضة الوصاية. وفي السنوات الأخيرة وبخاصة بعد انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠ صار انتقائياً بصورة سافرة. كما صارت ممارسة السياسة عملية توزيعٍ للحصص.

فالمشهد السياسي بعد العماد ميشال عون هو مشهد خراب. مشهد ساحة أطلال سياسية. مشهد اللاهثين وراء الحصص والكراسي. مشهد الانتقام وتصفية الحسابات، مشهد التوق إلى البقاء والاستمرار وبخاصة من قبل ذلك الوريث الطارئ الذي لم يجد الرئيس عون غضاضةً في إرجاع الأفضال إليه في اتفاق ترسيم الحدود البحرية وهذا يختصر كلّ شيء بكلّ أسف.

ولذا فإن الأمل هو بالتغيير ولو بالتغيير السلبي. أي برحيل من ساهم بهذا المشهد البائس وليس بإصلاح الحال أو بإصلاحه فوراً. فقد بات اللبنانيون يقبلون بالقليل ولو على حسابهم.