الحزب لعون: الترسيم بفضل مسيّراتي لا مفاوضاتك!

أحمد عياش – النهار

قبل يوم الخميس المقبل، موعد المرحلة النهائية من اتفاق #الترسيم البحري بين لبنان و#إسرائيل، والذي سيتوّج بمراسم الابرام في مقر الأمم المتحدة بالناقورة، خرج سجال غير مباشر بين “#حزب الله” ورئيس الجمهورية ميشال عون الى العلن. وتمحور هذا السجال حول السؤال الآتي: مَن هو صاحب الفضل في الوصول الى هذا “الإنجاز التاريخي”؟




انطلق السجال في عطلة نهاية الأسبوع الماضي بموقف لعضو المجلس المركزي في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق، أعلن فيه أن “المفاوضات لم تحرر ولا مترا من حقوقنا البحرية على مدى 11 عاما، ولكن بعد مسيّرات المقاومة، تغيّرت المعادلة، وحقق لبنان جميع مطالبه…”

بدا موقف الشيخ قاووق على طرف نقيض من موقف #الرئيس عون في 13 الجاري خلال كلمته المتلفزة الى اللبنانيين. فهو جيّر “إنجاز” الترسيم ليس له فحسب، بل أيضا لصهره ورئيس تياره السياسي النائب جبران باسيل. ومن أبرز ما جاء في كلمة الرئيس عون: “إن ما وصلنا إليه بالأمس في ملف الترسيم البحري، ولاحقا التنقيب ثم الاستخراج، لم يكن وليد الساعة، بل هو ثمرة مسيرة طويلة بدأت فعليا في العام 2010 عندما أعدت وزارة الطاقة والمياه التي كان يتولاها الوزير جبران باسيل، مشروع قانون الموارد البترولية في المياه البحرية اللبنانية… وعندما وصلت إلى الموقع الرئاسي الأول، كان همّي فك القيود التي أعاقت المسيرة لأني كنت أدرك ما يعني أن يكون لبنان بلدا نفطيا… وتوالى عدد من الوسطاء الأميركيين من دون الوصول إلى صيغة يقبل بها لبنان، إلى أن تولى الوسيط آموس هوكشتاين المهمة، واستؤنفت المفاوضات بين 11 آب 2021 و10 تشرين الأول 2022، حين تم التوصل إلى اتفاق غير مباشر… من حق لبنان أن يعتبر أن ما تحقق بالأمس هو إنجاز تاريخي”.

وفي ذيل الكلمة التي “أهدى” فيها الرئيس عون هذا “الإنجاز” مرّت كلمتا “نضال مقاومتكم” في آخر لائحة مَن استحقوا الشكر.

لماذا انتظر “حزب الله” عشرة أيام لكي يرد على رئيس الجمهورية من أجل توضيح من هو صاحب الفضل في “إنجاز الترسيم؟”.

تجيب أوساط إعلامية مواكبة لملف الترسيم، أن الحزب كان منذ إعلان الرئيس عون موقفه هذا، “ممتعضا” من هذا التجاهل لدور “المقاومة” الحاسم في بلوغ مفاوضات الترسيم خواتيمها الإيجابية. لكن على ما يبدو، آثرت قيادة الحزب كتمان “امتعاضها” هذا، كي لا يفسّر الرد الذي ورد بالأمس على لسان قاووق، على نحو يؤدي الى توتر العلاقات بين حارة حريك وقصر بعبدا. لكن القرار اتُّخذ بأن يذاع الرد “في الوقت المناسب”، فكان هذا التوقيت على مسافة أيام من لقاء الناقورة.

إلامَ يؤشر رد “حزب الله” على الرئيس عون؟ الى مستقبل العلاقات بين طرفيّ “تفاهم مار مخايل” الذي تجاوز عمره الـ 16 عاما؟

في اعتقاد الأوساط نفسها، أن “حزب الله” يحسب حساب دور العهد الحالي الذي تنتهي ولايته في نهاية الشهر الجاري، وهو دور لن ينتهي مع مغادرة الرئيس عون قصر بعبدا، بل سيستمر من خلال حكومة تصريف الاعمال، هذا إذا لم تتشكل حكومة جديدة قبل 31 تشرين الأول الجاري. وفي حكومة تصريف الاعمال يقبض التيار العوني على ناصية وزارة الطاقة، كما يفعل منذ ما يقارب الـ11 عاما، وبالتالي فإن ملف الطاقة وتاليا الترسيم سيكون في عهدته تحديدا. من هنا لا بد من الابقاء على جسور التعاون بين الحزب و”التيار” على هذا المستوى.

بالعودة الى موقف الشيخ قاووق، فهو أتى أيضا في فترة إقليمية بالغة الدقة في العلاقات الأميركية – الإيرانية. وتشير المعلومات الى ان طهران كانت ولا تزال تسعى الى “تسييل” ما أحرزته الإدارة الأميركية من مكاسب في الترسيم البحري على صعيد الاتفاق النووي الذي تريد واشنطن إحياءه، وتريد الجمهورية الإسلامية إستخدامه كوسيلة لتخفيف الضغوط الغربية عليها ما يسمح لها بالحصول على الأرصدة المجمدة والتي ستكون بمثابة “الاوكسيجين” الذي يبعث العافية في النظام الإيراني المتهالك.

في سياق متصل، كان لافتا الاتصال الهاتفي الذي أجراه امس وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي، وتأكيد الوزير الإيراني، كما أعلِن في طهران، على “جدية الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ دخولها المفاوضات لرفع العقوبات لتحقيق اتفاق جيد وقوي ومستقر، وثمّن جهود المسؤولين في سلطنة عُمان في هذا الاتجاه”.

ويشار الى ان سلطنة عُمان كانت منذ أعوام طويلة صلة الوصل الفعلية بين النظام الإيراني والغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا. وبمراجعة وثائق الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأميركي سابقا باراك أوباما يتبيّن ان القناة السرية للتفاوض والتي أحرزت النجاح في إبرام الاتفاق كانت مسقط.

الجديد اليوم في هذا المشهد العام والذي يتضمن الاتفاق النووي والترسيم البحري، ان التاريخ يعيد نفسه، لاسيما بوجود إدارة ديموقراطية في البيت الأبيض كما كانت الحال قبل العام 2016. أما الجديد الذي له وزن في هذا المشهد فهو سَير “حزب الله” في اتفاق الترسيم، وهو وزن حرص الحزب على إبرازه بصورة غير مباشرة بالرد على الرئيس عون. فهل أدرك الأخير مغزى كلام المسؤول في الحزب؟